Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الملل... شعور سيء السمعة يخفي إيجابيات

ليس كله سلبياً إذ تتبادر الأفكار إلى الذهن في أوقات الفراغ ولحظات التأمل الهادئة

لطالما ميّز علماء النفس بين التركيز الذهني والشرود الذهني (بيكسلز)

ملخص

اكتسب المللُ سمعة سيئة، ونجد أنفسنا نحاول باستمرار تجنبه، فكلما سنحت لنا لحظة هدوء، نسارع لملئها بالشاشات والأنشطة والضوضاء المحيطة، عازمين على عدم إضاعة الوقت، لكن علم الأعصاب يروي لنا قصة مختلفة تماماً، إذ تُظهر الأبحاث في علم الأعصاب أن المللَ ليس طبيعياً وحسب، بل مفيد أيضاً لنمو الدماغ، فبدلاً من أن يكون مشكلة، يلعب الملل دوراً مهماً في الإبداع والتنظيم العاطفي، ونمو الدماغ السليم لدى الأطفال والبالغين على السواء.

في عيادة طبيب الأسنان، وفي صفّ البنك وعند موقف الحافلة، أو في أي مكان علينا فيه احتراف الانتظار، لم يعد أحد ينظر إلى الفراغ أو يرفع رأسه ليرى أين هو ومع من، فالجميع يمسك بهاتفه كفرض وأسلوب للهرب لا مناص منه، حتى أثناء الأكل وقبل النوم.

كل لحظات فراغنا أصبحت مملوءة حتى فاضت كؤوس عقولنا وازدحمت بالمعلومات الاستهلاكية، ولكن لا وقت لمعالجتها، فالملل شُطب من قواميسنا وطويت صفحاته المزدانة بالاكتشافات، وأصبحنا عبيد الاستهلاك في زمن وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تراعِ آلية عمل أدمغتنا، وحاجتها إلى الراحة والملل واللاشيء حتى تبدع، فهل الشعور بالملل يجعلنا أكثر إبداعاً؟

بين الفراغ والصخب

كثيراً ما ميّز علماء النفس بين التركيز الذهني والشرود الذهني، فالتركيز الذهني ضروري لتنفيذ الأفكار وإنجاز العمل، إذ يتيح هذا الشرود فرصة لاستكشاف الاحتمالات، ففي لحظات الفراغ، ينتقل الذهن من المؤثرات الخارجية إلى الروابط الداخلية، مما يُفضي إلى الإبداع، وهنا يشير كثير من الفنانين والكتّاب والمسرحيين والمصممين والعلماء إلى أن الأفكار لا تتبادر إلى الذهن، عند استهلاك كميات هائلة من المعلومات، أو الانغماس في سيل متواصل من الأخبار، بل تتبادر إلى الذهن أثناء المشي والاستحمام ولحظات التأمل الهادئة وأثناء التنقل.

لكننا نعاني اليوم افتراضاً شاع في عصرنا، وهو أن الجلوس بلا حراك يعني التخلف عن الركب، وهذا الداء النفسي يتفاقم بفعل محرك وسائل التواصل الاجتماعي المتواصل، الذي يقنعنا بأن الفراغ فشل لا دليل على الإبداع، وعليه فقد استبدلنا الفراغ العميق والمليء بالتأمل، بصخب وسائل التواصل الاجتماعي المتواصل والقلق.

سمعة سيئة

في هذه الحياة المعاصرة، اكتسب الملل سمعة سيئة، ونجد أنفسنا نحاول باستمرار تجنبه، فكلما سنحت لنا لحظة هدوء، نسارع إلى ملئها بالشاشات والأنشطة والضوضاء المحيطة، عازمين على عدم إضاعة الوقت، لكن علم الأعصاب يروي لنا قصة مختلفة تماماً، إذ تُظهر الأبحاث في علم الأعصاب المتعلق بالملل، بأنه ليس طبيعياً وحسب، بل مفيد أيضاً لنمو الدماغ، فبدلاً من أن يكون مشكلة، يؤدي الملل دوراً مهماً في الإبداع والتنظيم العاطفي، ونمو الدماغ السليم لدى الأطفال والبالغين على السواء.

يحدث الملل عندما يفتقر الدماغ إلى التحفيز والتفاعل الهادف، لكن من المهم ملاحظة أن الدماغ لا يتوقف عن العمل أثناء الملل، بل يُفعل نظاماً مختلفاً يدعم الخيال والتأمل والتطور العاطفي والتعلم، فذلك الشعور المزعج والقلق الذي ينتابك عندما تصبح الأمور رتيبة، هو طريقة الدماغ للتعبير عن استعداده لتجربة شيء جدي، وعندما لا يركز الدماغ على مهمة محددة، تنشط مجموعة من المناطق تُعرف بشبكة "الوضع الافتراضي"، وتشارك هذه الشبكة في أحلام اليقظة، وتثبيت الذاكرة والتأمل الذاتي والتفكير الإبداعي، وتُظهر دراسات تصوير الدماغ أن شبكة الوضع الافتراضي ذات أهمية خاصة لنمو الدماغ لدى الأطفال، لكنها تستمر في تأدية دور مهم طوال مرحلة البلوغ.

نعمة مقنعة

تاريخياً، كان الملل يُحفز الناس على التفكير والتأمل وتوليد الأفكار، إذ اعتاد الناس، تحت ظلال الأشجار أو بين كبار السن، مناقشة مواضيع شتى، فقد كان هذا الملل نعمة مُقنعة قبل أن تُصبح الأجهزة الرقمية رفيقة دائمة، فكان الناس يمرون بفترات من التركيز غير المُشتت، مثل انتظار الحافلة والمشي من دون سماعات والجلوس في مقهى بمفردهم والتحديق من نافذة القطار، أو الاستلقاء مستيقظين من دون شاشة مُضيئة قريبة، ولم تكن هذه اللحظات مُمتعة دائماً، لكنها أدت وظيفة معرفية، إذ سمحت للعقل بالتجول.

 

 

لذلك كان الناس أكثر اتساقاً في الصبر المشترك، واستطاعت الثقافات أن تتطور من خلال التمعن في مسألة واحدة لفترة طويلة حتى تنضج، ومن الأمور الأساس في ذلك تبني حال "شونيا"، وهي حال من الفراغ الهادئ، حيث اُستخدم هذا الفراغ كحافز للتقييم النقدي وأداة للتحفيز العميق.

لكن الثقافة المعاصرة تستهلك أكثر بكثير مما تُنتج، فبدلاً من إثراء عقولنا بالابتكار والتفكير النقدي، نستعين بالذكاء الاصطناعي والأتمتة، والحقيقة المُقلقة هي أن هذه الاستعانة لا تحل محل العمل اليدوي وحسب، بل تُلغي أيضاً التفكير النقدي البشري، فبتجاهلنا لجهد التفكير تتجمد رؤيتنا، وعندما نتوقف عن استكشاف أفكار جديدة، نتوقف عن إضفاء الحيوية عليها، وبالتالي نفقد القدرة على ابتكار أفكار جديدة.

دراسات متناقضة

في سياق الجدل بين فريقين، الأول يدعم ارتباط الملل بالإبداع وآخر يدعم عكسه، خلُص الباحثون إلى أن الدراسات العلمية لم تثبت بعد وجود علاقة ثابتة بين الملل والتفكير الإبداعي، فقد أشارت بعض التجارب إلى أن الملل قد يحفز التفكير الإبداعي، بينما وجدت تجارب أخرى عكس ذلك، ولم ترصد دراسات عدة أي ارتباط ذي دلالة إحصائية.

وذكرت المراجعة أن من بين الدراسات التي جرى فحصها، توصلت خمس منها إلى وجود علاقة إيجابية بين الملل والإبداع، فأبلغ سبعة أشخاص عن وجود ارتباط سلبي، ولم يجد 12 شخصاً أي علاقة ذات دلالة إحصائية، وكذلك فإن ثلاثاً منها أسفرت عن نتائج متناقضة، وبدلاً من أن تشير الأدلة إلى اتجاه واحد ظلت منقسمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب المراجعة، فقد يعود أحد الأسباب لاختلاف طرق قياس الملل والإبداع بين الباحثين، إذ تباينت الدراسات بصورة كبيرة في تعريف الملل، وفي أساليب تحفيزه تجريبياً أو قياسه عبر الاستبانات، وفي كيفية تقييم الإبداع، فركز بعضها على التفكير الإبداعي، بينما تناول بعضها الآخر الأداء الإبداعي أو حل المشكلات، وأشار الباحثون إلى أن هذه الاختلافات المنهجية تُصعّب مقارنة النتائج أو استخلاص استنتاجات عامة.

قد يكون الملل إشارة إلى أن شيئاً ما يحتاج إلى تغيير، بدلاً من النظر إلى الملل كمحرك للإبداع، ويرى بعض علماء النفس أنه أشبه بنظام إنذار داخلي، ففي ورقة بحثية نُشرت في فبراير (شباط) 2020 بعنوان "لماذا الملل مثير للاهتمام؟" في مجلة "الاتجاهات الحالية في العلوم النفسية" المحكّمة، جادلت عالمة النفس الاجتماعي في "جامعة فلوريدا"، إيرين سي ويستجيت، بأن الملل ليس مجرد شعور مزعج، بل إشارة نفسية مهمة.

ووفقاً لـ "نموذج ويستجيت للملل" (مكونات المعنى والانتباه)، فإن "شعور الملل يُشير إلى قصور في الانتباه والمعنى"، مما يوحي بأن الناس يشعرون بالملل عندما يجدون صعوبة في الاستمرار في نشاط ما، أو إيجاد معنى له، وتُشبّه ويستجيت الملل بالألم الجسدي، فتقول "تماماً كالألم، قد لا يكون الملل ممتعاً، لكنه يُنبهنا بشكل حاسم إلى أننا غير قادرين أو غير راغبين في توجيه انتباهنا بنجاح نحو أنشطة ذات معنى"، وبدلاً من النظر إلى الملل على أنه جيد أو سيئ في جوهره، تُجادل بأن "المهم هو ما نفعله بهذه الإشارة".

 

 

ويساعد هذا المنظور في تفسير سبب عدم إنتاج الملل للتفكير الإبداعي تلقائياً، في حين أن ذلك قد يحفز شخصاً ما على البحث عن نشاط أكثر جاذبية أو جدوى، و إذا ما كانت هذه الاستجابة تؤدي إلى عمل إبداعي أو تسويف أو شيء آخر، فإن هذا يعتمد على كيفية تصرف الفرد، بناء على تلك الإشارة.

لحظة هادئة تساوي نمواً عاطفياً

وعندما لا نتعرض لكثير من التحفيز الخارجي، يبدأ الدماغ في توليد أفكاره الخاصة، مكوناً روابط جديدة بين الذكريات والخبرات والأفكار التي لا تتفاعل عادة عندما نكون مشغولين، وبالنسبة إلى كثير منّا، فغالباً ما تؤدي لحظات عدم القيام بأي شيء إلى رؤى جديدة وحلول للمشكلات، فكثيراً ما تتبادر إلى أذهان الناس أفضل أفكارهم أثناء المشي الهادئ، أو الاستحمام أو أداء المهمات الرتيبة، أو حتى خلال رحلات طويلة بالسيارة.

كذلك يدعم الملل أيضاً النمو العاطفي، فتعلم تحمل الملل يُساعد في تقوية أنظمة الدماغ المسؤولة عن ضبط النفس وتنظيم المشاعر، وبدلاً من الهرب الفوري من الشعور بعدم الراحة، عبر اللجوء إلى الشاشات وغيرها من المشتتات، يتدرب الدماغ على التعامل معه، ومع مرور الوقت يُنمي هذا الأمر المرونة والصبر، وهما مهارتان أساسيتان للصحة النفسية مدى الحياة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في سياق التكنولوجيا الحديثة، فقد أظهرت الأبحاث المتعلقة بوقت استخدام الشاشات ونمو الدماغ، أن التحفيز المستمر من الهواتف والأجهزة اللوحية قد يحد من فرص نشاط الدماغ المرتبط بالملل، ويؤدي إلى زيادة احتمال الإصابة بالاكتئاب والقلق، واضطرابات المزاج الأخرى، فعندما تمتلئ كل لحظة هادئة بمحتوى رقمي سريع الوتيرة، تقل فرص الدماغ في الدخول في حالات التأمل التي تدعمها شبكة الوضع الافتراضي، وبينما يمكن أن تكون الشاشات تعليمية ومسلية بجرعات قصيرة، فإن الإفراط في استخدامها قد يحجب فترات الراحة الذهنية التي يحتاجها دماغنا.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات