ملخص
دافعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي أقوى منظمة حقوقية في البلاد، عن حق مقاطعة الانتخابات، لكن دون تبني هذا الاختيار، معتبرة أن "التعبير السلمي عن المواقف السياسية، سواء تعلق الأمر بالدعوة إلى المشاركة أو المقاطعة، يدخل ضمن نطاق حرية التعبير".
تتجاذب المشهد الانتخابي المغربي دعوات متباينة بين هيئات وأحزاب ومنظمات تعد صناديق الاقتراع مدخلاً أساساً للتعبير السياسي وتغيير موازين القوى في البلاد، وبين جهات اختارت، على رغم قلتها، مقاطعة الاستحقاقات التشريعية المقررة في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري، أو التحفظ على المشاركة فيها.
وبينما أعلنت جماعة "العدل والإحسان" (الإسلامية) وحزب النهج الديمقراطي العمالي (اليساري الراديكالي) مقاطعة الانتخابات، مستندين إلى انتقادات تتعلق بطبيعة العملية الانتخابية وشروط المنافسة ودور المؤسسات المنتخبة، تتكثف الدعوات إلى المشاركة الواسعة في الاستحقاق الانتخابي المرتقب، انطلاقاً من اعتبار الإقبال على صناديق الاقتراع وسيلة لتجديد المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية بالبلاد.
بلقنة سياسية
وعزا عمر أحرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة "العدل والإحسان"، قرار مقاطعة الانتخابات التشريعية 2026 إلى مبررات عدة، منها أن تجارب الانتخابات السابقة لم تنقل المغرب إلى الديمقراطية ولو في حدها الأدنى، ولم تسهم إلا في "تغول الفساد"، وفق وصفه.
وأردف أحرشان أن "الإطار الدستوري والقانوني والتنظيمي لهذه الانتخابات لم يأخذ بالاعتبار كل إخفاقات التجارب السابقة"، مضيفاً مبرراً ثانياً هو أن "الانتخابات في المغرب لا تفضي إلى تداول حقيقي على السلطة".
أما المبرر الثالث، وفق القيادي في الجماعة، فهو ما وصفها بحال "الاحتقان الحقوقي التي تجري فيها هذه الانتخابات، بدليل وجود معتقلين سياسيين، والتضييق على حرية الصحافة، والضغط على المعارضين".
وتابع أحرشان أن الملاحظ خلال الحملة الانتخابية هو أنه لا تنافس بين البرامج، ولا التزام سابق من المشاركين بما سيقومون به بعد إعلان النتائج، لأن المتوقع هو أنه لا يمكن لحزب منفرداً حيازة غالبية مطلقة، مما يضطره إلى ائتلاف حكومي موسع يتكون في الأقل من ثلاثة أحزاب.
وتابع المتحدث بأن "انتخابات المغرب تجري من دون رهانات إلا رهان الدولة المتمثل في نجاحها في تأمين انتظام موعد إجراء الانتخابات، ورهان بعض الأحزاب على من يتصدر النتائج لأنه يضمن بذلك أن يعين رئيس الحكومة منه، وحينها سيشكل الحكومة بائتلاف غير منسجم وغير متناغم".
ويشرح أحرشان قائلاً "طبيعة النظام الانتخابي تقود إلى حال سياسية تجعل الحكومة ضعيفة وقابلة للتصدع، ويزيدها ضعفاً أن الحكومة نتجت من انتخابات تفتقد للمشاركة الشعبية التي تعطيها شرعية ديمقراطية لتمثيل الشعب".
تكتيك سياسي؟
ومثل "العدل والإحسان"، انتقد حزب "النهج الديمقراطي العمالي"، "القوانين المؤطرة للانتخابات وطريقة تدبير العملية الانتخابية، وطبيعة الصلاحيات التي تتمتع بها المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع، باعتبار أنها لا تملك سلطة فعلية كافية في تحديد السياسات العامة".
ووفق الحزب تعد "المقاطعة قراراً سياسياً وليس انسحاباً من العمل السياسي، بل يقدمها (المقاطعة) باعتبارها تكتيكاً سياسياً نابعاً من تقييمه لشروط العملية الانتخابية بالبلاد"، مشدداً على أن "المدخل الدستوري يسبق المشاركة الانتخابية".
من جهتها دافعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أقوى منظمة حقوقية في البلاد، عن حق مقاطعة الانتخابات، لكن دون تبني هذا الاختيار، معتبرة أن "التعبير السلمي عن المواقف السياسية، سواء تعلق الأمر بالدعوة إلى المشاركة أو المقاطعة، يدخل ضمن نطاق حرية التعبير".
وفضلاً عن ذلك، برزت أصوات متناثرة من اليسار المغربي دعت إلى مقاطعة الانتخابات، بدعوى أن المشاركة تعد تزكية لمسار انتخابي يرونه "غير مستجيب لشروط المنافسة السياسية" التي يطالبون بها.
وعلى صعيد آخر، اختار حزب "النهضة والفضيلة" عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية المرتقبة، لكنه شدد بالمقابل على أنه "لا يتبنى أبداً الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات أو العزوف عن المشاركة".
دعوات المشاركة بكثافة
مقابل هذه الهيئات التي قررت مقاطعة الانتخابات التشريعية، اتفق كثير من الأحزاب والمنظمات المدنية على دعوة المواطنين إلى المشاركة بكثافة يوم الاقتراع، لدوافع مختلفة، فهناك أحزاب تدافع عن حصيلة الحكومة، وأحزاب معارضة تأمل تغيير موازين القوى، وأخرى تراهن على استعادة الثقة في العمل السياسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتلخص مبررات الأحزاب والهيئات الداعية إلى تكثيف المشاركة في الانتخابات التشريعية في تحقيق هدف مواجهة العزوف الانتخابي، وفي ربط التصويت مباشرة بتحديد تركيبة مجلس النواب ومن سيتولى التشريع وممارسة الرقابة والمحاسبة.
وتعد أحزاب سياسية كثيرة أن المقاطعة أو حتى العزوف عن المشاركة في الانتخابات يضر بالعملية الانتخابية، ويمس باختيار النخب المؤهلة وذات الكفاءة، ويخدش مبدأ المسؤولية والمحاسبة، ولا يسهم بقوة في صناعة القرار التشريعي.
محمد نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أحد أبرز الداعين إلى تكثيف المشاركة في الانتخابات، وعدم المقاطعة أو العزوف عن التصويت، لأن ذلك، برأيه، لن يفضي إلى إحداث التغيير الذي يأمله الناخبون بعد تجربة الحكومة المنتهية ولايتها.
ويرى بنعبدالله أنه عوض اتخاذ قرار مقاطعة الانتخابات، أو عدم المشاركة في الاقتراع، بسبب حال الغضب وعدم الرضا عن مدبري الشأن العام، فإنه يتعين اتخاذ ما سماه قرار التصويت العقابي بهدف تجديد النخب البرلمانية وتغيير الوجوه الحكومية.
المقاطعة لا تنتج تغييراً
يرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة مراكش، أن المقاطعة، بالنسبة إلى قوى سياسية اختارت هذا الخيار، مثل جماعة "العدل والإحسان" وحزب "النهج الديمقراطي"، تُفهم أساساً باعتبارها اعتراضاً على شروط العملية السياسية نفسها، وليس رفضاً لفكرة الانتخابات من حيث المبدأ.
ولفت زين الدين إلى أن المقاطعة تطرح، من الناحية العملية، مشكلة أساسية تتمثل في كونها تسجل موقفاً سياسياً أكثر مما تنتج ميزان قوة سياسياً جديداً، فالمُقاطع يرفض قواعد اللعبة ولا يسهم في تشكيل نتائجها، لكنه يظل، بعد الانتخابات، خاضعاً للسياسات والقوانين والقرارات التي تنتجها القوى الفائزة.
وأبرز المتحدث أن هنا تكمن مفارقة حقيقية، إذ إن من ينسحب من التنافس على المؤسسات لا ينسحب بالضرورة من آثار ما تقرره هذه المؤسسات، فهو لا يشارك في صناعة الغالبية، لكنه يعيش، مثل غيره، تحت نتائج اختياراتها.
وتابع الأستاذ الجامعي بأن "هذا الوضع قد يفضي إلى حال سياسية دائرية، إذ تقاطع بعض القوى الانتخابات احتجاجاً على شروطها، ثم تجد نفسها لاحقاً في مواجهة سياسات أفرزتها غالبية لم تشارك في منافستها، قبل أن تعود إلى إنتاج خطاب معارض لهذه السياسات".
ومن جهة أخرى، أشار استاتي زين الدين إلى مشكلة إضافية تتمثل في أن المقاطعة ليست قابلة دائماً للقياس السياسي، فالامتناع عن التصويت لا يعني بالضرورة موقفاً احتجاجياً واعياً، إذ قد تكون نتيجة اللامبالاة أو ضعف الثقة أو اعتبارات اجتماعية مختلفة.
وأكد المحلل نفسه، بناء على ذلك، أن القوى التي تختار مقاطعة الانتخابات تواجه صعوبة في تحويل نسبة عدم المشاركة إلى رصيد سياسي خاص بها، بالنظر إلى تعدد الأسباب التي قد تقف وراء العزوف عن التصويت.
ومع ذلك، حذر استاتي زين الدين من اختزال المسألة في اعتبار المشاركة الانتخابية، في حد ذاتها، دليلاً على صحة المسار الديمقراطي، موضحاً أن الديمقراطية لا تختزل في التصويت، وإنما تتعلق أيضاً بنوعية التنافس، وفاعلية المؤسسات، وإمكان المحاسبة والتداول والتأثير في القرار.
وخلص استاتي زين الدين إلى أن المشكلة لا تكمن في المقاطعة في حد ذاتها، وإنما في قدرتها على إنتاج بديل سياسي فعلي، فإذا لم تتحول إلى تعبئة مجتمعية، وبرنامج إصلاحي، وضغط منظم قادر على تغيير شروط المشاركة، فإنها قد تظل موقفاً احتجاجياً قوياً من الناحية الرمزية، لكنه محدود من حيث القدرة على التأثير في السياسات التي سيظل المقاطعون، في النهاية، خاضعين لنتائجها.