Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رغم الاحتياج وغياب البديل... إطارات غزة تخوض رحلتها الأخيرة

العجلات المتهالكة تتسبب في تعطيل حركة النقل والإغاثة وإسرائيل تمنع دخول شحنات جديدة

تجاوز قطاع غزة مرحلة "البحث عن إطار جديد" فالواقع اليوم يفرض المرور بالترميم الرابع والخامس للإطار الواحد (أ ف ب)

ملخص

بين خياطة المطاط بالأسلاك وكبس الأقمشة، تعمل عدد من الورش على منع شلل أسطول المواصلات في غزة لا سيما مع حظر الإطارات، فيما تجبر الأزمة الفنيين على ابتكار طرق بديلة كـ"كبس المطاط" وخياطة العجلات بالأسلاك لتفادي التوقف الكامل.

داخل ورشة نصف جدرانها ركام، لا يمتلئ الجو بصوت الضاغط الهوائي، ينبعث في المكان فحيح فرن حراري بدائي، يتقاطع مع صرير حاد لإبرة حديدية ضخمة يغرسها الميكانيكي الأسطى نضال بجهد مضاعف في إطار سيارة مطاطي ميت.

يسحب الأسطى نضال الإبرة بقوة ليجر خلفها سلكاً معدنياً صلباً يخيط به شقاً غائراً في الجدار الجانبي للإطار، ثم يستند بركبتيه على الشفة الخارجية، محاولاً حشوه بقطع من الأقمشة البالية لإعادة بناء قوام فقد هواءه منذ أشهر.

يقف الميكانيكي متأملاً صنعه، فهو الذي قضى عقوداً في صيانة الإطارات وتبديلها، يجد نفسه اليوم يمارس مهنة شبه جديدة، لا تُعنى بتبديل القطع التالفة بل بإعادة إحياء هيكل مطاطي متهالك، مستعيناً بالأسلاك والخرق ليمنح هذا الإطار فرصة أخيرة للدوران.

ينظر الأسطى نضال إلى الشقوق ماسحاً الشحم عن جبهته ليقطع الشك باليقين "هذا المطاط انتهى عمره الافتراضي قبل عامين، لكننا نرفض إعلان وفاته، نزرع فيه السلك ونحشوه بالأقمشة لكي يمسك الشارع لرحلة واحدة أخرى".

داخل قطاع غزة، تسقط القاعدة الهندسية الشهيرة "لا تُعِد اختراع العجلة"، فمع دخول منع توريد المطاط وقطع الغيار عامه الثالث على التوالي، لم تعد المسألة ترفاً يتعلق بصيانة مركبة أو تحسين أدائها.

تحول الإطار المطاطي البسيط من مادة استهلاكية إلى شريان حياة مفقود يرتهن به تنقل المريض إلى المستشفى، ووصول شاحنة الطحين إلى المخيم، وحركة سيارات الإسعاف في أزقة مدمرة.

تجاوز القطاع المحاصر منذ زمن مرحلة "البحث عن إطار جديد"، فالواقع اليوم يفرض المرور بالترميم الرابع والخامس للإطار الواحد، وهنا يقف السائق صابر فوق إطاره المفتوق، ينظر بترقب إلى حركة الإبرة وهي تخترقه.

يقول صابر "صوت احتكاك الإطار في الأسفلت لا يوصف، بتسوق وإيدك على قلبك مع كل حفرة في الطريق"، متابعاً "أريد من الأسطى نضال أن يضع سلكاً يمسك العجلات، حتى نصل بالسلامة قبل أن ينفجر الإطار ونظل في الشارع".

جفاف شريان المطاط: أرقام الشلل وحصار الحركة

جاء القحط الذي ضرب أسواق غزة بعد منع السلطات الإسرائيلية دخول الإطارات المطاطية وقطع الغيار ومعدات الصيانة المتقدمة منذ أكثر من ثلاثة أعوام متواصلة.

ومع إغلاق المعابر وتوقف سلاسل الإمداد، أخذ المخزون الاحتياط لدى التجار والمستوردين ينفد بصورة دراماتيكية، حتى أفرغت المخازن بالكامل عن آخرها.

 

 

ومع حلول العام الثاني من الحظر، انتقلت الأزمة من شح في الأسواق إلى تجريف شامل لسوق المستعمل، إذ استهلكت حتى الإطارات الملقاة في خردة الورش والمكبات العامة.

وتسببت الطرقات المدمرة وتراكم الركام في أزقة المخيمات والشوارع الرئيسة، في اختزال العمر الافتراضي للإطار من عامين أو 50 ألف كيلومتر في الظروف الطبيعية، إلى أقل من شهرين في أفضل الأحوال، مما عمق الأزمة وجعل الصيانة المعضلة اليومية الأبرز.

تشير بيانات وزارة النقل والمواصلات إلى أن أكثر من 80 في المئة من أسطول المركبات في غزة بات خارج الخدمة تماماً، نتيجة تآكل الإطارات المطاطية وغياب قطع الغيار الأساس، إضافة إلى النقص الحاد في الوقود.

وتجاوزت الأزمة مركبات المواطنين الخاصة، إذ تسبب نقص الإطارات وقطع الصيانة في تعطيل عشرات سيارات الإسعاف والإطفاء، والمركبات التابعة لـ"الأونروا" وشاحنات توزيع الطحين وصهاريج المياه، حتى أصبحت بعض الشاحنات تسير على أطواق معدنية "جنت" تصدر صريراً زاعقاً عند الاحتكاك مع الإسفلت.

يقول المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل "نواجه أزمة حقيقية في صيانة المركبات وسيارات الإسعاف والإطفاء التي تتآكل إطاراتها وتتمزق بفعل الركام والأنقاض في الشوارع. منع إدخال الإطارات وقطع الغيار يضعنا أمام عجز ميداني يمنعنا في كثير من الأحيان من الوصول السريع إلى إنقاذ المواطنين المحاصرين تحت الركام".

في غزة، إن عثرت على إطار مطاطي فإن سعر المستعمل والمتهالك منه قفز من 30 دولاراً إلى أكثر من 600 دولار، لتصبح كل رحلة تقوم بها شاحنة طحين أو سيارة إسعاف مجازفة محفوفة بالخطر على طريق خالٍ من المطاط.

الموقف الإسرائيلي

تدرج السلطات الإسرائيلية الإطارات المطاطية للسيارات والشاحنات ومركبات الإسعاف، إضافة إلى مستلزمات إصلاحها كالرقع واللاصق والتسخين الحراري، ضمن قائمة "المواد مزدوجة الاستخدام".

يقول منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "المطاط والمواد الكيماوية المستخدمة في صيانته يمكن استغلالها في إشعال الحرائق قرب الشريط الحدودي لإعاقة الرؤية على أجهزة الرصد، أو إعادة تدوير تلك المواد في صناعة معدات ومستلزمات ميدانية ذات معالم عسكرية".

ويضيف هليفي "شحنات الإطارات والمطاط خاضعة لتقييمات أمنية صارمة تهدف بالأساس إلى حرمان الفصائل المسلحة من إمكانية إعادة تشغيل الآليات والأنفاق والمعدات".

لكن من وجهة نظر الحقوقي صلاح عبدالعاطي، فإن الحظر الممنهج للإطارات ومستلزمات إصلاحها يتجاوز إطار الاحتياطات الأمنية ليتحول إلى صورة صريحة من صور العقاب الجماعي المحرم بموجب اتفاق جنيف الرابع.

يقول عبدالعاطي "يتسبب في شلل وسائل النقل الإغاثية والصحية، وفي تعطيل مباشر لمنظومة الطوارئ والخدمات الأساس، إذ تبيت عشرات مركبات الإسعاف وشاحنات المساعدات التابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر معطلة نتيجة اهتراء إطاراتها وتلفها على الطرقات المدمرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف الحقوقي "منع حبات المطاط وقطع الرقع البسيطة لا يحقق مكاسب أمنية ملموسة، بقدر ما يحرم مئات آلاف المدنيين من حقهم في الوصول إلى المستشفيات ونقل الجرحى، أو الحصول على حصص المساعدات الغذائية الأساس".

لكن هليفي يرد "القيود المفروضة على شحنات الإطارات والبطاريات وبعض أنواع الزيوت التخصصية ليست موجهة لتعطيل العمل الإنساني، بل هي إجراءات أمنية حتمية لمنع وقوع هذه المواد في أيدي الفصائل المسلحة التي قد تستخدمها لإعادة تأهيل آلياتها العسكرية".

غرف عمليات المطاط

ينكب الأسطى عبدالله القايض على إطار متهالك، ممسكاً بملقط حديدي ومكبس حراري يَدوي يحاول إصلاحه، يمسح الشحم عن يديه، ويلتفت نحو سائق شاحنة صغيرة يقف بقلق أمام العجلة المفرغة تماماً.

ينظر القايض إلى الشقوق الطولية الممتدة في المطاط، ويقول "الرقعة لن تمسك شيئاً هنا، الهيكل الداخلي تمزق والحل الوحيد الآن هو أن نجري له عملية كبس وحشو كاملة قبل الخياطة".

ينسكب ضوء الشمس الباهت على شحوم سوداء تغطي أرضية الورشة، يتمدد الأسطى عبدالله فوق هيكل الإطار واضعاً المكبس الحراري على المطاط، يتطاير دخان كبريتي نفاذ يزكم الأنفاس.

يعتمد الأسطى عبدالله على ثلاث تقنيات أساس لإبقاء المركبات على قيد الحياة، أولاً الكبس والحشو البدائي، إذ عندما يفقد الإطار قدرته على الاحتفاظ بالهواء المضغوط نتيجة التمزقات الواسعة، يلجأ الأسطى إلى حشو التجويف الداخلي بكبس أقمشة بالية وقطع مطاطية قُصَّت من إطارات متهالكة سابقة، يضغط هذا الخليط داخل العجلة حتى يكتمل قوامها، مما يخلق حشوة مرنة تمنع احتكاك "الچنت" المعدني بالإسفلت مباشرة عند المسير.

أما التقنية الثانية، وفق ما يشرح عبدالله "الخياطة بالأسلاك، وهذا للتعامل مع الشقوق الطولية والعرضية، إذ استخدم إبرة صلبة ضخمة لتمرير أسلاك معدنية سميكة عبر جدار الإطار، رابطاً أطراف المطاط الممزق ببعضها في غرز متناسقة، وعقب الانتهاء من الخياطة تستخدم أداة تسخين حرارية لحفر أخاديد على السطح الممسوح، لمنح الإطار حافة تماسك موقتة تصارع الانزلاق على الطرق الملساء أو المبللة".

بينما التقنية الثالثة فتتمثل في التعديل الهيكلي، وهذه تُجرى في حالات العجز التام، إذ تُقتطع أجزاء من إطارات المعدات وتعديل حوافها ميكانيكياً لتركيبها على شاسيهات سيارات النقل المتوسط والصغير، عبر تقليص أقطارها وقص مطاطها الزائد ليتناسب مع أطواق العجلات المعدنية.

وعلى رغم هذه المراوغة، يدرك الأسطى عبدالله أن هذه الحلول الترقيعية تنطوي على أخطار قاتلة، مؤكداً أن الإطار يفقد معايير السلامة والتوازن الفني بالكامل، ويشير إلى أن الشح المطلق أدى إلى ولادة سوق سوداء قاسية حولت الإطار المستعمل إلى سلعة نادرة يتجاوز سعرها قدرة السائقين المادية.

 

 

وفي هذا السياق، يقول محمد سلامة وهو تاجر قطع غيار وإطارات في غزة​ "الإطار المستعمل المتهالك الذي كنا نبيعه سابقاً بأقل من 100 شيكل (33 دولاراً) أو نلقيه في الخردة، أصبح يُقيَّم كأنه عملة صعبة بسعر يصل إلى نحو 800 دولار، حتى الرقعة الحرارية البسيطة صعد سعرها من دولار واحد لتصل إلى 30 دولاراً، السائق يدفع كامل دخله اليومي لمجرد خياطة شق واحد أو ترقيعه، أو يترك سيارته تتوقف تماماً وينقطع مصدر رزقه".

شهادات من فوق الركام

داخل شوارع غزة لم تعد القيادة مهارة مرورية، ففيها يحبس سائق الشاحنة بكر العجلة أنفاسه مع كل دورة لعجلات الشاحنة، حيث تتحول الحفر والأحجار إلى تهديد يوقف دوران العجلات، ويقول "عندما أسير بشاحنة محملة بأطنان من الطحين على إطار مَخيط بسلك، تكون يدي على عجلة القيادة وعيني على الأرض وقلبي يرتجف مع كل حفرة، يعتريني الخوف في كل لحظة من أن تنفجر الرقعة وتستقر الشاحنة في منتصف الطريق".

هذه المخاوف تصبح أكثر قسوة وحرجاً عندما تتعلق بنقل الجرحى والمرضى، إذ يعرقل نقص الإطارات داخل أروقة الإسعاف زمن الاستجابة وسلامة المركبة.

يقول سفيان وهو أحد سائقي سيارات الإسعاف "كثيراً ما نتلقى نداء استغاثة لنقل جرحى من تحت الأنقاض، فأسمع صرير "الچنت" المعدني يطحن الأسفلت لأن الإطار مفرغ، نسير بسرعة اضطرارية وأيدينا على قلوبنا، فنحن نعلم أن أي انفجار للإطار المعدل قد يقلب بالسيارة بالتالي يقطع الطريق تماماً، لتصبح المفاضلة اليومية قاسية بين أن تتأخر في الوصول أو ألا تصل على الإطلاق".

ويؤكد أبو حامد أحد فنيي الصيانة داخل مدينة غزة "عندما يأتيني سائق إسعاف بإطار ممزق من الجانب، أعلم أن القول له هذا لا يصلح يعني خروج مركبته من الخدمة وتأخر نقل جرحى، بالتالي نضطر لابتكار جراحات ميكانيكية، نقعر الشق وندخل خرقاً مبللة بالغراء المقوى، ثم نخيط الأسلاك الفولاذية غرزة غرزة، إنها معركة يومية لإطالة عمر المطاط".

ويضيف أبو حامد "تنطوي هذه العمليات المعقدة من كبس حراري وتفريز يدوي للخدوش على جهد مضاعف، إذ يقضي فني الإطارات ساعات طويلة تحت السخونة والأدوات البدائية لمعالجة شق واحد، في ظل انعدام المواد الأساس كالمطاط الخام أو المواد اللاصقة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير