ملخص
تكمن فرادة الكتاب في جنسه الأدبي الملتبس. فهو ليس رواية بالمعنى التقليدي، ولا كتاباً تاريخياً بالمعنى الأكاديمي، ولا سيرة ذاتية خالصة. إنه مزيج من الشهادة والتحقيق والسرد والتأمل الفلسفي، تتجاور فيه الوقائع الموثقة مع الذاكرة الشخصية، وتتداخل فيه الحكايات الفردية لتشكل صورة كابوسية لمجتمع كامل.
في معرض حديثه عن الكتب لا سيما خلال الحوارات التي كانت تجريها الصحافة العالمية معه منذ أن اشتهر عالمياً وبصورة خاصة بعد صدور ترجمات كتابه الكبير الأول "أرخبيل الغولاغ" خلال عام 1976 وبخاصة في فرنسا التي كانت من كبار محتضنيه ومحتضني قضيته ثم قوته الإبداعية إلى جانب الإيطاليين، اعتاد ألكسندر سولجنيتسين الذي كان يعد في ذلك الحين، "تولستوي الجديد"، أن يشبه الكتب بالفرق العسكرية التي قد تكلف "بحفر الخنادق وتحضير الميدان للدفاع في المعارك الفاصلة وقد تكون مكلفة بخوض المعارك والهجوم المباغت على العدو".
وكان الكاتب الروسي يرى أن الفارق كبير بين الحالتين. أما محدثوه فكانوا، استناداً إلى تلك النظرة يعدون "أرخبيل الغولاغ" من النوع الثاني، ملتفتين بكل جدية إلى قوته الهجومية والدور الذي لعبه في "فضح" الممارسات الستالينية، وذلك بالتحديد انطلاقاً من تجربته الشخصية مع تلك الستالينية التي بدأت معه مكرماً كجندي وبطل وشاعر خلال الحرب العالمية الثانية. لكنه بعد ذلك لم يتوقف عن مقارعتها معتبراً إياها متجذرة في النظام السوفياتي الحاكم، مساهماً في توجيه أقسى الضربات لها ولكن ككاتب لا كجندي هذه المرة وإن كان تعبيره عن معركته معها عسكرياً.
ولسوف يعد سولجنيتسين، بفضل مجمل مؤلفاته التالية والسابقة، شيخ المنشقين، حتى رحيله. لكن سقوط نظام السوفيات المدوي وانهيار منظومته الاشتراكية، قد خففا من أهمية استخدامه دون أن ينجح ذلك في تمكينه من التحول إلى تولستوي العصور الحديثة على رغم تبرع كثر بإلباسه ذلك الثوب وتحديداً بفضل "أرخبيل الغولاغ" الذي نستعيد ذكراه هنا لمناسبة خمسينية اكتمال انتشاره العالمي، طارحين في هذا السياق سؤالاً أساساً: هل لا تزال للكتاب ولأدب سولجنيتسين تلك القيمة الأولية نفسها؟
السؤال الأهم
غالباً ما يكون الجواب اليوم: بكل تأكيد! لكن السؤال الأهم، في نظر النقاد والمؤرخين الذين يضمنون تلك الإجابة السريعة مؤكدين أنها، على أي حال، غير متسرعة، لا يتعلق فقط بما إذا كان "أرخبيل الغولاغ"، لا يزال يحتفظ بقيمته التاريخية، بل بما إذا كان لا يزال قادراً على إحداث الصدمة الأخلاقية والفنية نفسها التي أحدثها عند ظهوره.
بمعنى أن المسألة تتعلق اليوم بالعنوان التالي، "أرخبيل الغولاغ": 50 عاماً على شهادة لا تشيخ. وذلك انطلاقاً من أن ثمة كتباً تنتمي إلى زمنها، وكتباً أخرى تتجاوز الزمن الذي أنتجها لتصبح جزءاً من الذاكرة الأخلاقية للإنسانية. ويرى هؤلاء النقاد أن "أرخبيل الغولاغ" ينتمي "بالتأكيد" هنا أيضاً إلى الفئة الثانية. فمنذ صدوره عام 1973 باللغة الروسية تحديداً وقبل انتشاره في عدد لا يحصى من اللغات الأخرى، لم يعد ممكناً النظر إلى التجربة السوفياتية من دون المرور بهذا العمل الذي جمع بين الشهادة الشخصية والبحث التاريخي والتحقيق الأدبي، كاشفاً عالماً كاملاً من الاعتقال والتعذيب والنفي والموت، كان النظام الستاليني قد أحاطه بجدار كثيف من الصمت والإنكار.
الأسلوب أولاً
لكن قيمة الكتاب، في رأي النقاد والمؤرخين، لا تكمن في كونه وثيقة اتهام وحسب، "فلو اقتصر الأمر على ذلك، لربما تراجعت أهميته مع مرور الزمن وانكشاف كثير من أسرار الحقبة الستالينية". ما يمنحه استمراريته هو الطريقة التي استطاع بها سولجنيتسين أن يحوّل ملايين التجارب الفردية إلى سردية جماعية، وأن يجعل من الضحايا، الذين أراد النظام محوهم حتى من الذاكرة، شخصيات حاضرة في التاريخ.
فنياً، تكمن فرادة الكتاب في جنسه الأدبي الملتبس. فهو ليس رواية بالمعنى التقليدي، ولا كتاباً تاريخياً بالمعنى الأكاديمي، ولا سيرة ذاتية خالصة. إنه مزيج من الشهادة والتحقيق والسرد والتأمل الفلسفي، تتجاور فيه الوقائع الموثقة مع الذاكرة الشخصية، وتتداخل فيه الحكايات الفردية لتشكل صورة كابوسية لمجتمع كامل. ولعل هذا التداخل هو أحد أسرار قوته، إذ يجعل القارئ لا يكتفي بمعرفة ما حدث، بل يشعر بأنه دخل بنفسه ذلك العالم المغلق. العالم الذي يمكن القول إن هذا الكتاب لم يكن بأي حال من الأحوال أول من كشف عنه، لكنه كان من بين أكثر النصوص لجوءاً إلى التجديد في الأسلوب واللغة والربط بين الذات والآخر والواقع والتاريخ، في مجال تناوله ممارساً في ذلك تجديداً يحول بين النص وبين أن يكون مجرد منشور سياسي يمكنه أن يؤدي دوراً دعاوياً، كما حال معظم الكتب المشابهة له.
العلاقة بالسلطة والإنسان
ومن هنا فإن مرور تلك الأعوام الـ50، يتيح لنا أيضاً قراءة الكتاب ومع مجمل مؤرخيه ونقاده، من زاوية أخرى: هي زاوية علاقته بالسلطة وبالإنسان. فسولجنيتسين لا يكتفي بإدانة جهاز القمع، بل يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: كيف يمكن للإنسان العادي أن يتواطأ مع الشر، أو أن يتكيف معه، أو أن يصبح جزءاً من آلياته؟... هنا تتجاوز قيمة الكتاب التاريخ السوفياتي لتلامس سؤال الشمولية في القرن الـ20، وربما في أزمنة لاحقة أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا كان ثمة ما يمكن مناقشته نقدياً في الكتاب، فهو بعض ميله إلى التعميم الأخلاقي، وإلى بناء رؤية شديدة القتامة للتجربة الثورية السوفياتية. لكن ذلك لا ينتقص من إنجازه الأدبي ولا من أهمية شهادته. لذا يمكن القول إنه، وبعد نصف قرن وأكثر، لا يزال "أرخبيل الغولاغ" يحتفظ بقيمته الفنية، بل ربما ازدادت هذه القيمة وضوحاً. ذلك أن الكتاب لا يطالبنا فقط بألا ننسى ضحايا الماضي، بل يحذرنا من قابلية التاريخ لتكرار مآسيه.
إنه، في جوهره، كتاب عن هشاشة الحرية حين تصبح الدولة أقوى من الإنسان، وعن ضرورة الشهادة حين يتحول الصمت إلى شريك في الجريمة. وهو الدرس الذي ركزت عليه، على أي حال برامج تلفزيونية بثت طوال أشهر هذا العام للمناسبة نفسها، وبخاصة على شاشات أوروبية، مما أعاد ذكرى سولجنيتسين وكتابه إلى واجهة الحياة الثقافية هذه المرة، وليس إلى واجهة الحياة الأيديولوجية كما كانت الأمور تجري في السابق لمناسبة استخدامات أيديولوجية للكتاب وصاحبه كانت في حينها تثير غيظ الكاتب نفسه مُعداً إياها انتقاصاً من قيمة كتابه وفنه. ولعل من المؤسي أن هذا التحول الجذري إنما طرأ بعد أعوام من رحيل الكاتب عام 2008، حزيناً لأن كثراً أساؤوا في حياته فهم كتابه!