ملخص
عرف استخدام الأحزاب للمنصات الرقمية تزايداً مهماً مع توالي الاستحقاقات السياسية، إلى أن وصل مداه خلال الحملة الانتخابية لتشريعيات عام 2021 بسبب جائحة كورونا.
يشهد المغرب تنامياً في اعتماد الأحزاب السياسية على المنصات الرقمية لعرض أنشطتها والتعريف ببرامجها الانتخابية، واستعداداً للانتخابات التشريعية المزمع عقدها في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري، وصل الأمر إلى إنفاق جانب من تلك الأحزاب مبالغ قياسية على الإعلانات الرقمية، إذ خصص لذلك حزب التجمع الوطني للأحرار (الذي يترأس الحكومة الحالية) لوحده حتى الآن أكثر من 200 ألف دولار.
وبالنظر إلى اعتماد جانب مهم من موازنة جل الأحزاب على الدعم العمومي، وعلى رغم افتحاص المجلس الأعلى للحسابات لموازنة تلك المؤسسات السياسية، فإن تدبير الأحزاب لموازناتها يطرح تساؤلات حول مدى حريتها في إنفاق أموالها، خصوصاً في الحملات على مواقع التواصل، إذ يجري الدفع بالعملة الصعبة لشركات التكنولوجيا العالمية من المال العام.
اعتماد متنامٍ
عرف استخدام الأحزاب للمنصات الرقمية تزايداً مهماً مع توالي الاستحقاقات السياسية، إلى أن وصل مداه خلال الحملة الانتخابية لتشريعيات عام 2021 بسبب جائحة كورونا، ومن ثم أصبحت مواقع التواصل أداة أساسية للتعريف بنشاطات الأحزاب وبرامجها الانتخابية، بالنظر إلى سرعة ودقة الوصول إلى الفئات الناخبة المطلوبة، في بلد يشهد انتشاراً كبيراً للربط بالإنترنت، إذ بلغ حجم الاشتراك في تلك الخدمة 41.08 مليون اشتراك حتى مارس (آذار) الماضي، وهو رقم كبير علماً أن عدد سكان المملكة لا يتجاوز 38 مليون نسمة.
ويفسر الناشط السياسي والمتخصص في الأمن السيبراني حسن خرجوج، ميل الأحزاب المغربية إلى اعتماد مواقع التواصل الاجتماعي على نحو أكبر خلال حملاتها الانتخابية بتغير سلوك الناخب المغربي، إذ أصبحت المنصات الرقمية فضاءً أساساً لاستهلاك الأخبار والاطلاع على فحوى النقاش السياسي، بالتالي يسرت تلك المنصات الوصول إلى فئات عمرية معينة، خصوصاً الشباب، التي يصعب الوصول إليها عبر الوسائل التقليدية بالسرعة والفاعلية ذاتها.
ويوضح أن مواقع التواصل تسمح للحزب بتوجيه رسائل معينة بحسب فئة المتلقي ومجاله الجغرافي وطبيعة اهتماماته، وتمنحه كذلك إمكان قياس التفاعل مع الخطاب وتعديل طريقة التواصل بصورة سريعة.
وتصدر حزب التجمع الوطني للأحرار حجم الإنفاق على الحملات في المنصات الرقمية بما يفوق 200 ألف دولار، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بأكثر من 20 ألف دولار، ثم حزب الاستقلال بما يفوق 15 ألف دولار.
وعن أهمية ذلك الإنفاق، يشرح خرجوج أن الأموال المرصودة تعكس بوضوح الأهمية التي أصبحت عليها هذه المنصات، ولكن لا يجب قياس الأهمية فقط بحجم الموازنة، لأن القيمة الحقيقية تظهر في القدرة على الوصول والاستهداف وصناعة التفاعل وتحويل المتابعة الرقمية إلى مشاركة سياسية فعلية.
معضلة شفافية العصر الرقمي
كانت الأحزاب المغربية تعتمد في موازناتها على التمويل الذاتي الذي يضم اشتراكات أعضائها ومساهمات أعيانها، إضافة إلى مداخيلها الصحافية، إذ كانت الأحزاب "التقليدية" تعتمد بصورة كبيرة على مبيعات صحفها الورقية، إلى أن تقرر خلال عام 1986 تخصيص دعم مالي عمومي لتلك المؤسسات، قصد المساهمة في تدبير أنشطتها وفي تمويل حملاتها الانتخابية، وخلال التحضير للانتخابات التشريعية المقبلة، منحت الدولة للأحزاب الـ 28 المتنافسة ما مجموعه 157.7 مليون درهم (16.7 مليون دولار)، أي إن مبلغ الدعم يوازي عدد مقاعد كل الحزب في البرلمان، وحجم عدد الأصوات المحصل عليها خلال الانتخابات السابقة.
وبذلك جرى منح حزب التجمع الوطني للأحرار 3.8 مليون دولار، وحزب الأصالة والمعاصرة 3.2 مليون دولار، وحزب الاستقلال 2.7 مليون دولار، وحصلت الأحزاب الصغيرة على أقل من 100 ألف دولار.
ويشدد رئيس المركز الأفريقي للحكامة والشفافية منير الطاهري على أن قضية المال الانتخابي في العصر الرقمي أصبحت من أهم مواضيع الشفافية الحكامة (الحوكمة) المعاصرة، لأنها موضوع ينفلت عن الرقابة المالية التي وضعت أصلاً للحملات الانتخابية التقليدية والتي لم تعُد بالضرورة قادرة على رؤية الكلفة الحقيقية للحملة الرقمية.
ويوضح أن معطيات المجلس الأعلى للحسابات المتعلقة بانتخابات عام 2021 أظهرت أن مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب بلغت 179.28 مليون درهم (نحو 18 مليون دولار) بالنسبة إلى الاستحقاقات الجماعية والجهوية، أي ما يعادل 99.60 في المئة من الاعتمادات التي كانت مخصصة لهذا الغرض والبالغة 180 مليون درهم (19 مليون دولار)، كما سجل المجلس أن نفقات الحملات الانتخابية لعام 2021 بلغت 40 مليون دولار.
ويلفت الطاهري إلى أن العنصر الأكثر دلالة على طبيعة الإشكال مرتبط بأن التمويل العمومي مثّل نحو 53 في المئة من مجموع الموارد المصرح بها من طرف الأحزاب المغربية عام 2022، مقابل 39 في المئة عام 2021، "أي إننا لا نتحدث عن أموال حزبية خاصة فقط، وإنما عن جزء مهم من موارد النشاط الحزبي مصدره المال العمومي".
ويضيف أن الأدبيات الدولية أصبحت تعتبر الإنفاق الرقمي تحدياً جديداً للشفافية الانتخابية، إذ تؤكد منظمة "إنترناشيونال آيديا" International IDEA أن الحملات الرقمية تمنح الأحزاب قدرة على الوصول إلى الناخبين بكلف أقل نسبياً، ولكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات جديدة أمام أنظمة تمويل الحملات.
وتشير منظمة "أو إي سي دي" OECDوفق الطاهري إلى وجود فجوات تنظيمية متعلقة تحديداً بالإعلانات السياسية والتمويل الانتخابي عبر الإنترنت، لافتاً إلى أنه "إذا دفع حزب مغربي أموالاً إلى منصة رقمية عالمية مقابل إعلانات انتخابية، فنحن أمام إنفاق انتخابي يعبر الحدود في واقعة يكون فيها الممول حزب مغربي يستفيد جزئياً من المال العمومي، والمستفيد شركة تكنولوجية عالمية، والإعلان قد يكون موجهاً إلى آلاف الشرائح الدقيقة من الناخبين، بينما لا يستطيع المواطن بالضرورة معرفة حجم الإنفاق الحقيقي أو المعايير التي اختير على أساسها لاستهدافه".
ويتابع أن نقطة "العملة الصعبة" تحتاج إلى تناول دقي لأن الأحزاب "تمنحها لعمالقة التكنولوجيا" من دون أن تتمكن أجهزة الرقابة المؤسساتية والمدنية من توثيق حجم التحويلات الفعلية، والنتيجة أن التحول المتسارع نحو الإعلان السياسي عبر المنصات الرقمية العالمية يثير، بالنسبة إلى المغرب، تساؤلا جديداً حول تتبع التدفقات المالية المرتبطة بالحملات الانتخابية نحو مزودي الخدمات الرقمية العالميين، ولا سيما عندما يكون مصدر هذه النفقات مرتبطاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالتمويل العمومي للأحزاب.
المال الفاسد في الحملات الرقمية؟
وأثار النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية مصطفى الإبراهيمي إمكان استخدام أموال متحصل عليها من تجارة المخدرات في عمل الأحزاب وتمويل حملاتها الانتخابية، مما يعيد للنقاش موضوع استعمال المال الفاسد في المجال السياسي المغربي، خصوصاً في تمويل الحملات الانتخابية الرقمية.
وهنا يقول الطاهري "إننا إزاء انتقال محتمل من غسل الأموال بالوسائل الاقتصادية التقليدية إلى غسلها أو إعادة تدويرها داخل المجال السياسي، بتحويل أموال ذات مصدر غير مشروع إلى نفوذ انتخابي، ثم إلى سلطة عمومية للقدرة على التأثير في توزيع الموارد والصفقات للشعوب"، مشيراً إلى أن أخطار التبييض السياسي للأموال غير المشروعة تحتاج إلى أدلة قضائية، بينما لم يراكم المجال القضائي المغربي اجتهادات واضحة على هذا المستوى، خصوصاً أننا أمام انتقال من غسل الأموال التقليدي الذي يحاول إخفاء المصدر غير المشروع للمال وإدخاله في الدورة الاقتصادية المشروعة، إلى غسل الأموال السياسي الذي يسعى إلى تحويل المال غير المشروع إلى نفوذ انتخابي وإلى شرعية سياسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويختم أن "مسار التبييض السياسي للمال غير المشروع قد يكون من مصادر متعددة من قبيل عائدات الاتجار بالمخدرات أو الرشوة أو الاختلاس أو الفساد المرتبط بالصفقات العمومية أو التهرب الضريبي والاحتيال المالي، إذ يجري تجميع هذه الأموال ثم إخفاء مصدرها الحقيقي، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء وشركات وواجهات مختلفة، قبل إعادة إدخالها في المجال السياسي والانتخابي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد تتخذ هذه العملية أشكالاً متعددة من تمويل الحملات والأنشطة السياسية إلى شراء الإعلانات الرقمية والاستعانة بالمؤثرين، وتمويل الخدمات الانتخابية والتجمعات ووسائل النقل والهدايا وغيرها من أنواع الإنفاق التي يمكن أن تتحول بموجبها الثروة غير المشروعة إلى أصوات ونفوذ انتخابي".
فضاء مؤثر
أما الباحث في علم النفس الاجتماعي محمد حبيب، فيوضح أن المنصات الرقمية أصبحت فضاءً مؤثراً في تشكيل صورة الأحزاب والمرشحين لدى جزء مهم من الناخبين، فالتكرار والصورة واللغة العاطفية وطريقة تقديم الرسائل قد تؤثر في الانطباعات السياسية وفي مستوى الثقة أو النفور.
ويرى أن أدوات الاستهداف الرقمي تسمح بتوجيه مضامين مختلفة إلى فئات محددة وفق اهتماماتها وخصائصها، ويشرح أن التعرض المتكرر لمحتوى حزب معين لا يعني بالضرورة الاقتناع به أو التصويت لمصلحته، باعتبار أن القرار الانتخابي يتداخل فيه أيضاً الانتماء الاجتماعي والتجربة السابقة والثقة بالمؤسسات والظرفية الاقتصادية والسياسية، ومن ثم قد تمنح الحملة الرقمية الحزب حضوراً وظهوراً أكبر، لكنها لا تشكل في حد ذاتها دليلاً على جودة برنامجه أو أدائه، ويزداد تأثيرها عندما يكون المواطن قليل الاطلاع على المصادر الأخرى أو عندما تغلب الرسائل الانفعالية على النقاش البرنامجي، لذلك ينبغي التمييز بين القدرة على التأثير في الصورة الذهنية وبين القدرة الفعلية على تغيير السلوك الانتخابي.