Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ظلم النقاد روبرت دي نيرو بعد فيلم "رجل الهمس"؟

أسس أسلوبه الخاص في التمثيل ورسخ هويته عبر مسيرة حصيلتها أكثر من 120 فيلماً

روبرت دي نيرو: مسيرة ممثل رائد (رويترز)

ملخص

لم تشهد حياة الممثل الأميركي، من أصول إيطالية، روبرت دي نيرو انقطاعات فنية (من تمثيل وإخراج وإنتاج)، منذ أن أدى دور زبون في مطعم، في فيلم "ثلاث غرف في مانهاتن" الذي أطلق بالفرنسية وبالأبيض والأسود عام 1965، وأخرجه مارسيل كارنيه، عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب جورج سيمنون صدرت عام 1946.

كان عمر روبرت دي نيرو آنذاك 22 سنة، وعلى رغم أن اسمه لم يرد ضمن قائمة المشاركين في الفيلم، إلا أن ذلك الظهور الهامشي العابر نقل الممثل، بعد 10 أعوام، إلى الوقوف أمام دهاقنة الفن والسينما في العالم، متوجاً بأوسكار أفضل ممثل مساعد، عن أدائه دو فيتو كورليوني الشاب، في الجزء الثاني من فيلم "العراب" (The Godfather). وللمفارقة، فقد نال مارلون براندو جائزة الأوسكار عن الشخصية نفسها في الفيلم الأيقونة، الذي أخرجه فرانسيس فورد كوبولا.

وعبر مسيرة كانت حصيلتها أكثر من 120 فيلماً، تشكلت هوية دي نيرو وأسلوبه الخاص في التمثيل، وصار ورود اسمه في أي عمل ضمانة أساسية لنجاحه، لاسيما وأنه عمل ونال أعظم الثناء برفقة مارتن سكورسيزي، الذي يعد المرحلة الأكثر خصوبة في أداء دي نيرو، وحصل تحت إشرافه على جائزة الأوسكار عام 1981 لأفضل ممثل في فيلم  "الثور الهائج" (Raging Bull).

انتقادات غير مسبوقة

بعد إشهار فيلمه الأخير "رجل الهمس" (The Whisper Man) على منصة "نيفليكس" أواخر الشهر الماضي، تعرض دي نيرو إلى موجة غير مسبوقة من الانتقادات لأدائه في الفيلم المقتبس عن رواية بالاسم ذاته للكاتب البريطاني أليكس نورث، صدرت عام 2019. ويجسد دي نيرو شخصية ضابط متقاعد "بيت ويليس" يجد نفسه في مواجهة قضية عائلية مرتبطة باختفاء حفيده "جيك" (ثماني سنوات)، مما يستدعي شريطاً من الذكريات المؤلمة التي ظن المحقق المتقاعد أنه تخلص من أثقالها، خصوصاً بعد أن ألقى القبض على قاتل متسلسل يدعى "فرانك كارتر" (مايكل كيتون) الملقب بـ"رجل الهمس"، إذ كان يقف ليلاً تحت نوافذ الأطفال المستهدفين، ويهمس لهم لاستدراجهم، وتسجيل محادثات معهم على أشرطة كاسيت، ثم خنقهم حتى الموت.

الفيلم أخرجه النيوزيلندي جيمس أشكروفت، ويشارك فيه "آدم سكوت" بدور "توم كينيدي"، كاتب الروايات البوليسية ووالد الطفل المختطف، كما تؤدي "أماندا بيك" (ميشيل موناغان) دور المحققة التي تعتصم بخبرة الضابط المتقاعد لافتراضها بوجود رابط بين الجرائم القديمة والحديثة.

هالة الممثل القدير

في ظل هذه الوقائع والمعطيات يتحرك دي نيرو، مضفياً على الدور الهالة التي يستحقها، حيث للصمت دور، ولحركة العينين أثر، ولبطء التفاعل مقصد. الممثل يؤدي دوره وهو يغرف من معين خبرته، علاوة على قراءته العميقة للحدث وضروراته، حتى ليصح القول إن الدراما في أداء شخصية المحقق المتقاعد آتية من الداخل، لا من الخارج المولع بأكشن قد يكون مفتعلاً يتغيا التشويق، لا أكثر.

تقييمات الفيلم لم تكن في مستوى التوقعات، وذلك عائد لثغرات في النص والسيناريو والإخراج. وقد وصفه الناقد السينمائي الأميركي برايان تاليريكو، في موقع RogerEbert.com، الذي يترأس تحريره، بأنه "مضيعة تامة للوقت"، كما أنه "من أفلام الإثارة التي سرعان ما تنسى، إذ يفتقر إلى المفاجآت ويظهر سطحية صادمة في بناء الشخصيات. وعلى رغم بروز بعض الخيارات التمثيلية المميزة، إلا أنها تضيع وتتلاشى وسط الرتابة والملل اللذين يطغيان على معظم أجزاء الفيلم".

وأردف تاليريكو "على رغم براعة دي نيرو الفائقة حين يعمل مع مخرج مناسب ومع نص يثير شغفه، إلا أن الحقيقة هي أنه يقدم أداء باهتاً ومفتقراً للحماسة في بعض الأعمال، وهذا هو الحال تماماً في هذا الفيلم، الذي يعد مثالاً صارخاً على الأعمال التي يظهر فيها بوضوح مدى ازدراء الممثل للعملية الإنتاجية برمتها".

دي نيرو على وضعية الطيار الآلي

وفي موقع "طماطم فاسدة" ((Rotten Tomatoes تكررت عبارة "الفيلم لم يرتق إلى التوقعات"، فيما علق آخرون "لقد أضعت للتو ساعتين من حياتي"، وانتقد فريق ثالث "السيناريو المفرط في الشرح والمنعطفات الدرامية المألوفة اللذين يجعلان هذا العمل المثير يبدو دون مستوى المواهب التي تقف وراءه". وبلغت القسوة في النقد، حين علق متابع "ليس أسوأ فيلم أنتج على الإطلاق، لكنه سيئ ​​ومزعج لدرجة تجعلني أشعر بقلق حقيقي إذا أبدى شخص أعرفه إعجاباً كبيراً به".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكما هو حال المخرج أشكروفت، "يبدو دي نيرو هنا وكأنه يعمل على وضعية الطيار الآلي وبلا اهتمام كامل، يتمتم بالحوار الاعتيادي بهدوء، فيما يبدو كأنه مشغول بالتفكير في ما سيتناوله على العشاء"، هكذا كتب الناقد السينمائي في صحيفة "الغارديان" بنيامين لي الذي عاب على الفيلم إفراطه في "استخدام كل الكليشيهات القديمة: قاتل يستخف بالشرطة ويستفزها، ومنزل غارق في إضاءة شبحية، وأهزوجة أطفال قوطية تتكرر بلا توقف، وأب يقرر أن يتولى الأمور بنفسه، ومجرم يزمجر من وراء القضبان ويلقي التلميحات، ومشتبه به واضح أكثر من اللازم".

وكأنه تجمد في مكانه

من المؤكد أن دي نيرو يتحمل جزءاً من المسؤولية عن قبول دوره الذي وصف بأنه مقتصد إلى درجة يمكن معها أن يبدو حرفياً "وكأنه تجمد في مكانه، وكأن الفيلم بأكمله عبارة عن مكالمة ’زووم‘ توقفت الصورة فيها موقتاً أثناء تحميلها"، وفق تعبير الناقد السينمائي داني لي في صحيفة "فاينانشال تايمز".

بيد أن الاكتفاء بهذا النقد، وطي صفحة النظر إلى الظلال، يبدوان غير عادلين أو منصفين. لقد رسمت لدي نيرو شخصية محددة بإطار يتناسب مع الدور، ويلبي الاحتياجات النفسية للشخصية التي قدمها الممثل بكفاءة عالية، وما كسله وفتوره وهدوؤه إلا جزء من استحقاقات الأداء. أضف إلى ذلك أن شخصية المحقق المتقاعد مثقلة بالإرهاق ومشاعر العزلة ومكابدات الندم التي خلفها ابتعاده من ابنه المنكوب بطفله المختطف، وهو ما أضاف عبئاً عاطفياً مشحوناً بالتوتر إلى أداء دي نيرو، المطالب بفك لغز حفيده المفقود، وإعادة اللحمة لعائلته التي هجرها.

أشكروفت ليس سكورسيزي

الرؤية النقدية التي تغيب أياً من تلك العناصر، تهمل أنها تتحدث عن ممثل أمضى 60 عاماً أمام الكاميرا تمكن خلالها أن يكون أحد ألمع النجوم الكبار في هوليوود. وهذا لا يعني أن أدءه في الفيلم هو أفضل الأداءات، لكن أشكروفت ليس سكورسيزي، ومع ذلك ظل أداء دي نيرو يتدفق بالسكون، لكنه سكون المياه الراكدة عميقة الغور، كما وصفه المخرج الذي أثنى على أداء دي نيرو، كونه مستمعاً استثنائياً ويستطيع أن يعبر عن الكثير من خلال القليل جداً، كما أنه يجعل ردود الفعل نفسها جزءاً من الحوار.

اشتهر دي نيرو بقراءة الأدوار المسندة إليه بعناية، ولم يعرف عنه يوماً أنه استخف بفيلم أو مخرج. لقد كان عليه أن يزيد وزنه، وأن يتعلم فنون الملاكمة، وأن ينحت أسنانه لمتطلبات إخراجية. وقبل أدائه دوره في فيلم "سائق التاكسي"، كان على دي نيرو أن يختبر ذلك بنفسه، وأن يذرع شوارع نيويورك ليلاً، قبل أن تتوجه إليه كاميرا سكورسيزي، وتخوض المغامرة التي وضعت العمل في المركز الـ52 ضمن قائمة أعظم 100 فيلم أميركي.

وامتثالاً لبيت أبي الطيب المتنبي "إذا رأيت نيوب الليث بارزة، فلا تظنن أن الليث يبتسم"، فلو شاهدت روبرت دي نيرو خامداً صموتاً متثاقلاً فاقد الأمل والرجاء، فذلك من متطلبات الدور، لا عجزاً في الأداء.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما