ملخص
بدأت مؤشرات خطرة بظهور بوادر انهيار إنساني متنامٍ في مناطق بشمال دارفور وجنوب كردفان، لا سيما عقب توقف القوافل الإنسانية وفرض رسوم وجبايات على الإغاثة ونهب المساعدات وتوسع العمليات العسكرية.
تزايدت في الآونة الأخيرة مستويات الجوع وسط سكان ولايات دارفور وكردفان في ظل صعوبة الحصول على السلع الغذائية وتراجع الإنتاج الزراعي وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية بسبب الحرب، وكذلك فقدان الرعاة لمواشيهم، فضلاً عن خسارة الأقاليم لأحد أهم الموارد الاقتصادية بعد توقف إنتاج محصول الصمغ العربي وتراجع عمليات حصاده.
وجراء هذه الأوضاع، بدأت مؤشرات خطرة بظهور بوادر انهيار إنساني متنامٍ في مناطق بشمال دارفور وجنوب كردفان، لا سيما عقب توقف القوافل الإنسانية وفرض رسوم وجبايات على الإغاثة واستهداف ونهب المساعدات وتوسع العلميات العسكرية، إلى جانب انقطاع الإمدادات والإغلاق المتكرر للأسواق ولجوء التجار للتخزين والاحتكار.
أوضاع كارثية
في السياق يقول عيسى الطاهر، وهو أحد سكان مدينة الدلنج، إن "الأوضاع المعيشية للمواطنين تفاقمت خلال الفترة الأخيرة لعدم حصولهم على الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية، وكذلك نتيجة انعدام المساعدات الإنسانية وتوقف المبادرات الخيرية التي كانت تغطي حاجة عدد من مناطق النزاع في جنوب كردفان".
وأضاف أن "الصراع في كردفان حوّل مدينتي كادوقلي والدلنج من مدن فاعلة اقتصادياً إلى مناطق يحاصرها الجوع بسبب توقف الأنشطة الزراعية والرعوية، إلى جانب قيود طرفي الحرب على المساعدات الإنسانية وحركة البضائع والسلع، لا سيما أن المخاوف تتصاعد في وقت تأخر استلام حصص الغذاء المقدمة من المنظمات الدولية التي تجد صعوبة في الوصول إلى المحتاجين الذين يتضورون جوعاً بسبب قلة الغذاء".
أوضح الطاهر أن "المجاعة تفاقمت وأصبحت واقعاً في الإقليم، وستعجل بالقضاء على كثر، إذ إن إغلاق الطرق البرية وتدهور مستوى الخدمات وانعدام المواد الغذائية التي إن وجدت فإن أسعارها باهظة، كلها أسباب أدت إلى هجرة قسرية".
حد الهلاك
من جانبه أشار حامد هارون الذي يقطن منطقة أمبرو في ولاية شمال دارفور إلى أن "الجوع أصبح يخيم على العالقين في المنطقة، مما اضطرهم إلى تناول علف الحيوانات الذي سبب الإسهال وانتفاخ البطن للأطفال، في وقت تنعدم الرعاية الصحية بسبب خروج المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة".
ولفت إلى أنه "في حال توقف حصص المواد الغذائية التي تقدمها المنظمات الدولية للمجتمعات الضعيفة سيصل الوضع إلى حد الهلاك، إذ لا توجد أعمال نمارسها، فضلاً عن أن التكايا لا يمكن بأي حال تغطية هذه الأعداد الكبيرة من السكان".
وبين هارون أن "السكان في القرى يعيشون تدهوراً مروعاً في الغذاء كونهم من الفئات الأكثر ضعفاً، إذ إن سوء التغذية تملكهم على رغم توفر السلع الاستهلاكية في الأسواق، لكن الغلاء الجنوني في الأسعار يحول دون الشراء مما فاقم الأوضاع المعيشية".
أمراض ووفيات
في موازاة ذلك، أعلنت السلطة المدنية في مناطق سيطرة حركة "جيش تحرير السودان" بقيادة عبدالواحد محمد نور، عن دخول مناطق جبل مرة وطويلة وعين سيرو ومخيمات النازحين مرحلة المجاعة، وسط ارتفاع الوفيات وحالات سوء التغذية بين الأطفال والنساء وكبار السن بسبب النقص الحاد في الغذاء والأدوية والرعاية الصحية.
وقالت السلطة المدنية، في بيان، إن "الكارثة الإنسانية تهدد حياة الملايين الذين قالت إنهم يعيشون أوضاعاً حياتية وصحية قاسية في مخيمات النزوح والمناطق الخاضعة لسيطرة الحركة، عازية التدهور إلى عرقلة وصول قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية، فضلاً عن فشل الموسم الزراعي بسبب قلة الأمطار وانتشار الأوبئة وتلوث مياه الشرب وتفشي الأمراض، في ظل نقص المستلزمات الطبية وغياب المستشفيات الميدانية".
ولفتت السلطة إلى أن "هذه العوامل أدت إلى ارتفاع معدلات الوفيات داخل مخيمات النزوح، التي تراوح ما بين 10 و20 حالة، مطالبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ قرار عاجل يضمن إيصال المساعدات الغذائية والطبية إلى المناطق المتضررة من دون عوائق إدارية أو سياسية، وفتح وتأمين الممرات والمعابر الإنسانية.
حاجة ملحة
على نحو متصل، يرى المتطوع في غرف طوارئ جنوب كردفان معتز يونس أن "أكثر المناطق التي باتت في حاجة ملحة إلى المساعدات هي مناطق شمال دارفور وجنوب كردفان، إذ يحتاج المواطن فيها إلى الغذاء والدواء وبخاصة بعد اتساع رقعة المجاعة وتفشي الأمراض والأوبئة الفتاكة".
ونوه يونس بأن "السكان في أمس الحاجة إلى المعونات الإنسانية في ظل ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وعدم قدرتهم على الشراء، وللأسف هناك أطنان من المساعدات الإنسانية وصلت البلاد من دول ومنظمات عدة، وإذا ما اتبعت النزاهة في توزيعها من شأنها القضاء على أزمة الجوع وملء البطون الخاوية وحال الهزال نتيجة تفشي سوء التغذية الحاد وسط الأطفال والمسنين والنساء الحوامل".
وشدد على ضرورة أن تكون "المساعدات الإنسانية أداة محايدة لتخفيف المعاناة في سياق النزاع المعقد في السودان، لكن المؤسف اتخذتها الأطراف المقاتلة سلاح حرب ضد المدنيين بالحرمان المتعمد من الغذاء والدواء والمأوى، وهو بلا شك انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ويندرج ضمن جرائم الحرب والتسبب في ظروف معيشية قاسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الجوع القادم
في هذا الوقت، أطلقت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة تحذيرات جدية من تفشي المجاعة في مناطق شمال دارفور وجنوب كردفان على رغم اقتراب موسم الحصاد، ودق ناشطون ناقوس الخطر حيال الأمر في ست محليات بولاية غرب كردفان الخاضعة لسيطرة "الدعم السريع"، ويُعد موسم الحصاد، الذي يبدأ في أكتوبر (تشرن الأول) المقبل ويستمر إلى نهاية العام، أكثر الفترات التي يتوفر فيها الغذاء مع انخفاض أسعاره في الأسواق.
وأكد تحديث للشبكة حول توقعات الأمن الغذائي في السودان للفترة من أغسطس (آب) الماضي إلى يناير (كانون الثاني) العام المقبل، أن هناك خطراً موثوقاً بحدوث مجاعة حتى يناير المقبل في سبع مناطق بشمال دارفور، وفي كل من مدينتي الدلنج وكادوقلي جنوب كردفان.
وأشار التحديث إلى أن "المناطق المشار إليها تشهد عجزاً كبيراً في استهلاك الغذاء وزيادة في مستويات سوء التغذية الحاد، في وقت يؤدي تصاعد الصراع أو عودة عمليات الحصار، بالتزامن مع كميات إنتاج هامشي أو انعدام المحاصيل تقريباً، مما ينذر بوقوع مجاعة".
وتوقعت الشبكة أن يقود توسع القتال في شمال دارفور وضربات الطائرات المسيّرة وتصاعد النزاعات بين المجتمعات إلى منع حركة السكان وقطع طرق التجارة وتقويض شبكات الدعم، كذلك فإن الهجمات على المدنيين تؤدي إلى عزل السكان عن الغذاء والخدمات وسبل كسب العيش، بما في ذلك الزراعة.
استغاثة عاجلة
يشهد إقليم دارفور أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد، تتسم بتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي والنزوح، إذ تواردت تحذيرات دولية ومحلية شديدة اللهجة من خطر تفشي مجاعة حادة في مناطق واسعة من الإقليم، لا سيما في شمال غربي ولاية شمال دارفور ومناطق مثل أم برو وكرنوي والطينة.
ويعاني الإقليم شحاً وانقطاعاً حادين في الأمطار لنحو ثلاثة أسابيع، مما أدى إلى جفاف وتضرر مساحات واسعة من محاصيل الدخن والفول، وتهديد الموسم الزراعي والأمن الغذائي بكارثة اقتصادية ومعيشية واسعة في مناطق مثل السريف وكتم ويكيبيا.
وفي هذا الصدد أوضح المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في إقليم دارفور آدم رجال أن "المنسقية أطلقت نداء إنسانياً عاجلاً بشأن تدفق جديدة للنازحين إلى معسكر طويلة بالولاية، إذ وصلت 193 عائلة نازحة حديثاً إلى المعسكر من مناطق متفرقة في كردفان ودارفور، لتنضم إلى آلاف العائلات الموجودة أصلاً في ظروف مزرية داخل المخيمات، حيث تفتقر إلى الغذاء والدواء والمياه النظيفة".
وأضاف أن "التدفقات الجديدة تعكس اتساع نطاق النزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية في ظل ظروف الجفاف والمجاعة ونقص المساعدات الأساسية، في وقت تعاني المعسكرات نقصاً حاداً في المأوى والخدمات الصحية".
وحض رجال وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية على التدخل الفوري لتوفير الضروريات الأساسية للبقاء على قيد الحياة وضمان حماية النازحين من الانتهاكات والموت البطيء".
خطر الجفاف
على صعيد ذي صلة، أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن إقليم دارفور يعاني الجفاف منذ أربعة عقود، مما يشكل تهديداً لقطاع الزراعة والإنتاج الحيواني اللذين يعتمد عليهما السودان الذي تمزقه الحرب.
وقال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية كارل سكاو في تصريحات للصحافيين من عُمان الإثنين عقب زيارته السودان إن إقليم دارفور لم يشهد جفافاً مماثلاً "منذ عام 1984، ونحن الآن في موسم الأمطار".
مشيراً إلى أن "الجميع يخشون أن يلحق ذلك ضرراً جسيماً بالزراعة ومخرجاتها وبقطاع الثروة الحيوانية على المدى البعيد".