ملخص
تتجاوز رهانات الأحزاب استقطاب الأسماء الرياضية المعروفة، لتشمل الاستفادة من شبكات العلاقات والحضور المحلي الذي راكمه مسيرو الأندية، بما يجعل الرياضة، خصوصاً كرة القدم، رصيداً اجتماعياً قابلاً للتوظيف انتخابياً.
تتجه أحزاب سياسية مغربية خلال حملتها للانتخابات التشريعية إلى استقطاب أسماء مرتبطة بالمجال الرياضي، خصوصاً رؤساء الأندية ومسيري كرة القدم، في مشهد يعيد طرح العلاقة المتداخلة بين الرياضة والسياسة.
وبينما يخوض عدد من هذه الوجوه السباق الانتخابي فعلياً، اكتفى آخرون بالانتظام الحزبي أو دعم المرشحين، بما يكشف عن أن الرهان لا يرتبط بالنجومية الرياضية وحدها، بقدر ما يمتد إلى ما راكمته هذه الشخصيات من حضور محلي وشبكات علاقات اجتماعية ومهنية تنفع يوم الاقتراع.
الكرة في الانتخابات
من أبرز الوجوه المرتبطة بتسيير كرة القدم، وزير الثقافة المهدي بنسعيد بصفته رئيس نادي اتحاد يعقوب المنصور، يخوض الاستحقاقات الانتخابية باسم حزب الأصالة والمعاصرة، مرشحاً بدائرة المحيط في الرباط، في حال تجمع بين المسؤولية الرياضية والعمل السياسي والحزبي.
ومن الوجوه المعروفة الأخرى رئيس نادي نهضة بركان لكرة القدم، حكيم بن عبدالله، ويوجد بدوره ضمن الوجوه الرياضية المنتظمة في المنافسة الانتخابية باسم حزب الاستقلال، مستفيداً من حضوره داخل المشهد الرياضي المحلي والوطني.
من جهته، انتقل الرئيس السابق لنادي الرجاء الرياضي لكرة القدم، أنيس محفوظ، من تسيير أحد أبرز الأندية المغربية إلى غمار الانتخابات باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي زكاه وكيلاً للائحته بدائرة الفداء مرس السلطان في الدار البيضاء.
أما محمد جودار فيمثل حالاً أكثر ارتباطاً بهياكل كرة القدم، إذ يشغل رئاسة عصبة الدار البيضاء الكبرى لكرة القدم، إلى جانب عضوية المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ويخوض الانتخابات باسم حزب الاتحاد الدستوري بالدار البيضاء.
رئيس نادي الرشاد البرنوصي لكرة القدم، هشام شبورة، دخل بدوره المنافسة الانتخابية باسم حزب الاتحاد الدستوري، مستنداً إلى موقعه داخل التسيير الرياضي المحلي، بينما هشام آيت منا، الذي سبق أن ترأس نادي شباب المحمدية وتولى رئاسة نادي الوداد الرياضي، فيخوض الانتخابات باسم حزب التجمع الوطني للأحرار بدائرة المحمدية، ليجمع بذلك بين تجربة التسيير الرياضي وغمار العمل السياسي.
وظهر حسن الفيلالي، المرتبط بتسيير نادي الاتحاد الزموري للخميسات، كذلك ضمن الوجوه ذات الخلفية الرياضية المشاركة في الاستحقاقات، مرشحاً باسم حزب التجمع الوطني للأحرار بدائرة الرماني ـ تيفلت.
واستقطب حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية البطل العالمي السابق في الرياضات القتالية، مصطفى لخصم، بعدما كان منتسباً إلى حزب الحركة الشعبية، وهو أحد أشهر الوجوه الرياضية خارج كرة القدم التي ارتبطت بالعمل السياسي والحزبي.
خزان انتخابي
تتجاوز رهانات الأحزاب استقطاب الأسماء الرياضية المعروفة، لتشمل الاستفادة من شبكات العلاقات والحضور المحلي الذي راكمه مسيرو الأندية، بما يجعل الرياضة، خصوصاً كرة القدم، رصيداً اجتماعياً قابلاً للتوظيف انتخابياً.
في السياق يرى الباحث محمد شقير أن الرياضة، بخاصة كرة القدم، ارتبطت في المغرب، قبيل الاستقلال وبعده بالمجال السياسي، بما في ذلك على مستوى التنافس بين الأحزاب، مذكراً بأن عدداً من الأندية ارتبطت تاريخياً بأسماء سياسية وازنة.
وأشار شقير إلى أن فريق الرجاء البيضاوي، على سبيل المثال، ارتبط بأسماء من قبيل الوزير الأول السابق المعطي بوعبيد، ووزير الرياضة السابق عبداللطيف السملالي، مضيفاً أن الأمر نفسه ينطبق على أندية أخرى، في ظل استمرار حضور شخصيات رياضية داخل المشهد السياسي.
وسجل الباحث أن ترشح رئيس الوداد الرياضي هشام آيت منا باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، وقبله سعيد الناصري باسم حزب الأصالة والمعاصرة، يندرج ضمن هذا التقاطع المستمر بين المجالين الرياضي والسياسي.
وأوضح شقير أن هذا النوع من الترشح قد يرتبط أساساً بسعي الأحزاب السياسية إلى ضمان خزان انتخابي يستند إلى مختلف مكونات النادي، من لاعبين وأطقم تقنية وتدريبية، فضلاً عن جمهور المتعاطفين مع الفريق.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن ارتباط أسماء رؤساء الأندية المرشحين بالمجال الرياضي من شأنه أيضاً أن يسهم في التعريف بهم لدى شريحة واسعة من المواطنين، خصوصاً في مجتمع تحظى فيه كرة القدم بمكانة شعبية كبيرة، ويتابع فيه الجمهور مباريات الأندية ومجرياتها باهتمام لافت.
وخلص شقير إلى أن هذا الحضور الرياضي يمكن أن يعزز الرصيد الشعبي لرؤساء الأندية الذين يخوضون الانتخابات، من خلال تحويل شهرتهم الرياضية إلى حضور أوسع في المجال العام، بما قد يدعم فرصهم الانتخابية خلال الاستحقاقات المقبلة.
شبكة القرب الاجتماعي
وتستقطب الأحزاب المغربية وجوهاً رياضية أو مسؤولين عن كرة القدم تحديداً، لعل أبرزهم على الإطلاق فوزي لقجع الوزير المكلف الموازنة المالية، الذي التحق قبل بضعة أسابيع بحزب الأصالة والمعاصرة، غير أنه لم يترشح للانتخابات البرلمانية، لكن اسمه يتردد كثيراً كأحد أقوى المرشحين لرئاسة الحكومة المقبلة.
استثمار الحزب لرصيد ومنصب لقجع، باعتباره رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم وما حققه من منجزات قوية مع منتخبات كرة القدم في كأس العالم قطر 2022 وكأس أفريقيا الأخيرة، دفع رئيس الحكومة نفسه عزيز أخنوش، إلى انتقاد ما سماه "استغلال المناصب الرياضية في الحملات الانتخابية"، وربط ذلك خصوصاً بالوعود المتعلقة بجلب نهائي كأس العالم 2030 إلى المغرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدوره انتقد زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، صراحة ما اعتبره توظيفاً لشعبية كرة القدم والرموز الوطنية في السباق الانتخابي، محذراً من تحويل الإنجازات الرياضية للمغرب إلى وسيلة للترويج الحزبي أو الشخصي.
يعلق الباحث في الشأن الحزبي أحمد البلاجي بالقول إن كرة القدم تحديداً اقتحمت السياسة والانتخابات في المغرب، وصارت خزاناً يمثل رمزية اجتماعية بشبكات علاقات قوية وانتشار محلي كبير، بالنظر إلى إشعاع هذه اللعبة وتجذرها وسط ملايين المغاربة، كباراً وصغاراً، ورجالاً ونساءً أيضاً.
وتبعاً للباحث نفسه، فإن الحزب السياسي عندما يستقطب نجماً رياضياً أو كروياً، أو مسيراً لفريق كروي معروف، فهو لا يجر إليه شخصية معزولة واحدة فحسب، بل إنه يجلب شبكات متشعبة للنفوذ الاجتماعي القائم على الرصيد الرياضي والكروي لتلك الشخصية وذلك الفريق، ويضيف "هنا تكمن أهمية هذه الظاهرة في الانتخابات المغربية"، مردفاً بأن الحزب السياسي لا يستقطب الوجه المعروف للرياضي أو المسير الكروي، بل يستقطب الشبكة التي خلقها بفضل اتصالاته وعلاقاته، بل وحتى جمهوره أو جمهور الفريق الذي يرأسه، فضلاً عن علاقاته مع أسر اللاعبين والجمعيات الرياضية ورجال الأعمال والفعاليات المدنية، وجميعها أصوات انتخابية محتملة لفائدة ذلك الحزب.
لكن ماذا يربح هذا المرشح نفسه؟ يجيب الباحث بأن الوجه الرياضي أو المسير الكروي يستغل من جهته الغطاء الحزبي للتأثير في الملفات المرتبطة بتخصصه ومجاله، من ملاعب وبنيات تحتية وموازنات مالية للرياضة، فيكون هذا الاستقطاب، بهذا المفهوم، تبادلاً للمصالح السياسية والمؤسساتية.