Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الدبلوماسية إلى إدارة الأزمات... التقارب الأردني-السوري يلحظ تحولا

تترافق زيارة الصفدي مع تساؤلات حول دلالات التوقيت ومضامين البيانات الرسمية

انتقلت العلاقة خلال أقل من عامين من اتصالات لاستكشاف المرحلة الانتقالية إلى تنسيق أمني وسياسي واقتصادي مؤسسي واسع بين سوريا والأردن (أ ف ب)

ملخص

السويداء وأمن الحدود ووحدة سوريا تدفع عمّان إلى توسيع حضورها السياسي والأمني في المشهد السوري.

كثفت عمّان تحركاتها الدبلوماسية المتسارعة باتجاه دمشق متجاوزة العلاقات الثنائية التقليدية، إلى محاولة استباق الأزمات.

وحملت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى العاصمة السورية كثيراً من الرسائل، من بينها مساندة مؤسسات الدولة السورية في وجه محاولات إنتاج الفوضى، والتنسيق الأمني لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

قلق البوابة الشرقية

ووفق مراقبين، تضع عمّان ثقلها السياسي والأمني في محاولة منها لإغلاق البوابة الشرقية للمنطقة أمام محاولات إعادة إنتاج الفوضى خصوصاً تلك التي قد تشكل تهديداً من جهة الحدود العراقية - السورية، مؤكدة على استقرار سوريا ودرء التهديدات الحدودية.

ويرى مراقبون في التنسيق الأردني المتصاعد مع حكومة أحمد الشرع أنه حائط صد يهدف إلى سد أي فراغ أمني قد تستغله الميليشيات أو شبكات التهريب العابرة للحدود.

دلالات أمنية سياسية

ويرى الكاتب والمحلل السياسي ماهر أبو طير أن زيارة نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق، ولقاءه بالرئيس السوري تكتسب دلالات أمنية وسياسية تتجاوز الأطر البروتوكولية، مترافقة مع تساؤلات حول دلالات التوقيت ومضامين البيانات الرسمية.

ويكشف أبو طير عن وجود "خريطة طريق" أردنية-سورية-أميركية صيغت قبل نحو عام خلال اجتماع ضمّ الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي الخاص توماس باراك.

وترتكز هذه الخريطة بالأساس على معالجة ملف محافظة السويداء تحت مظلة "وحدة الأراضي السورية" والمساواة في حقوق وواجبات المواطنة، إلى جانب صون استقرار الجنوب السوري، والتحقيق في الأحداث السابقة هناك.

ويرفض الأردن بصورة قاطعة أي توجهات انفصالية تقودها بعض الشخصيات في السويداء، وفي مقدمها حكمت الهجري، إذ تنظر عمّان إلى هذه التحركات على أنها "مشروع يخدم المخططات الإسرائيلية ويمس الأمن القومي الأردني مباشرة".

وفق المعلومات المتوفرة كان الأردن قد سعى إلى استضافة لقاء في عمّان لبحث الملف، إلا أن الهجري رفض الحضور متمسكاً بطرحه الانفصالي الذي يهدد البنية الاجتماعية التاريخية للمحافظة، وفق مسؤولين أردنيين.

إنهاء المشاريع الانفصالية

ويعتقد أبو طير أن الموقف الأردني في السويداء يتسق مع ترحيب عمّان بحل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمجها ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية للجمهورية العربية السورية، انطلاقاً من رغبة أردنية حثيثة لإطفاء الدعوات الانفصالية، وإخراج اليد الإسرائيلية والحد من عبثها وتدخلاتها في الداخل السوري.

 كذلك يواصل الأردن إدانة التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة المطالبة بإنهاء الاعتداء على السيادة السورية، كون العامل الإسرائيلي من أكثر الأخطار تهديداً لسوريا والجوار العربي.

شراكة اقتصادية وأمنية

ولا تتوقف محادثات الصفدي في دمشق عند حدود الملف الأمني للجنوب السوري، إذ تشمل ترقية العلاقات الثنائية نحو أفق استراتيجي واعد. كذلك تتأهب العاصمة السورية الشهر المقبل لاستضافة الدورة الثالثة لـ"مجلس التنسيق الأعلى" بين البلدين استكمالاً لمخرجات دورة أبريل (نيسان) الماضي في عمّان، بهدف دفع مشاريع الطاقة وسكك الحديد التي تربط الخليج بأوروبا، وتعزيز التعاون الجمركي والاستثماري والمائي، فضلاً عن رفع مستوى التنسيق الدفاعي والأمني لمكافحة شبكات التهريب والمخدرات.

ويعول الأردن على هذه المقاربة الأردنية مع سوريا لتطويرها مع دول الجوار الأخرى كالعراق، على رغم العوائق التي تفرضها الميليشيات والتنظيمات المسلحة على الحدود الشرقية التي ترى عمّان أنها موالية لطهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من التوتر إلى الشراكة

وخلافاً لأعوام مضت، لم تكن العلاقات بين عمّان ودمشق كما كانت على مدى ستة عقود خالية من التجاذبات الجيوسياسية الحادة، فبعد عقود من الجفاء السياسي عادت العاصمتان للبحث عن صيغ حد أدنى من التفاهم لإدارة الملفات الحدودية المشتركة وتأمين حركة التجارة وحماية العمق الأمني.

ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 وما تلاها من تمدد للميليشيات العابرة للحدود وتعاظم خطر تنظيمات تهريب المخدرات والسلاح، رأت عمّان في استقرار دمشق ضرورة أمنية قصوى لحماية حدودها الممتدة لأكثر من 375 كيلومتراً.

فيما التقت مصالح الدولتين على إنهاء أي نفوذ للمشاريع الإقليمية وإغلاق ملف التهديدات الحدودية وإعادة بناء قنوات التواصل.

وانتقلت العلاقة خلال أقل من عامين من اتصالات لاستكشاف المرحلة الانتقالية إلى تنسيق أمني وسياسي واقتصادي مؤسسي واسع.

فبعد سقوط بشار الأسد مباشرة كان الأردن من أوائل الدول العربية التي تحركت باتجاه القيادة السورية الجديدة. التقى أيمن الصفدي بأحمد الشرع في دمشق حينها حاملاً رسالة دعم أردنية للعملية الانتقالية، ومؤكداً استعداد المملكة لمساعدة سوريا في إعادة بناء مؤسساتها.

لاحقاً اتفق الطرفان على زيارة وفد سوري وزاري وأمني وعسكري إلى الأردن، لبحث الحدود والأمن والطاقة والنقل والمياه والتجارة. وفي 2025 وصل الشيباني إلى الأردن على رأس وفد ضم وزراء الدفاع والنفط والكهرباء، إضافة إلى رئيس جهاز الاستخبارات. وعقدت اجتماعات بمشاركة رئيس هيئة الأركان ومدير الاستخبارات العامة الأردنية.

وهنا تحديداً بدأت العلاقة تأخذ طابعاً يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى تنسيق أمني سياسي اقتصادي مباشر، وكان الملف الحدودي ومكافحة تهريب المخدرات والسلاح حاضراً بقوة.

في فبراير (شباط) 2025 وصل أحمد الشرع إلى الأردن والتقى بالملك عبدالله الثاني، في أول زيارة له إلى المملكة منذ توليه السلطة.

 لاحقاً وقّع الأردن وسوريا مذكرة تفاهم لإنشاء وتفعيل مجلس التنسيق الأعلى، وعقد المجلس دورته الأولى في دمشق بحضور وزراء أردنيين وسوريين.

 وفي يونيو (حزيران) الماضي دخل الأردن على خط الأزمة السورية جنوباً مع أزمة السويداء، ولم تعد عمّان تكتفي بإعلان دعم وحدة سوريا، بل أصبحت طرفاً في جهود الوساطة والتنسيق.

استضاف الأردن محادثات مهمة ثم شارك الصفدي في اجتماع أردني-سوري-أميركي في دمشق أُقرت خلاله خطة للتعامل مع أزمة السويداء وتثبيت وقف إطلاق النار.

وأخيراً، عقدت الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى في عمّان بمشاركة نحو 30 وزيراً ومسؤولاً من أكثر من 20 قطاعاً، ووقّع البلدان 10 مذكرات تفاهم واتفاقية تعاون، شملت قطاعات الخارجية والطاقة والمياه والنقل والصناعة والتجارة والجمارك والزراعة والصحة والاستثمار والإعلام والسياحة والتكنولوجيا والعدل والتعليم وغيرها.

حضور أردني في الجنوب

وتتقاطع التحركات الدبلوماسية الأخيرة لعمّان مع قراءات مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية في الأردن، إذ أظهرت تحليلات صادرة عن معهد السياسة والمجتمع في عمّان أن ما شهدته محافظة السويداء من توترات ميدانية وصدامات مسلحة هو نتاج تراكمات تاريخية واقتصادية هشّة، ترافقت مع محاولات خارجية لاستغلال الفراغ الأمني عقب انحسار أجهزة الدولة.

ويقول المعهد إن ثمة فصائل درزية متهمة بضلوع بعض عناصرها في توفير غطاء لعمليات التهريب واستهداف النقاط الحدودية الأردنية.

وتثير الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت سيادية في دمشق، إلى جانب التسريبات عن لقاءات أمنية، مخاوف جديّة في عمّان من مساعي تل أبيب لتثبيت نفوذها في الجنوب عبر دعم قوى انفصالية وإنشاء "كيان طائفي وظيفي" يهدد وحدة سوريا ويمس الأمن القومي الأردني مباشرة.

وتؤكد التقديرات "ضرورة انتقال الأردن من موقع المتلقي لآثار الأزمة إلى موقع المبادرة، عبر إحياء شبكة علاقاته التاريخية مع القوى الوطنية والمعتدلة في الجنوب السوري لدعم وحدة التراب السوري ودعم التيارات الدرزية المعتدلة الرافضة للاحتلال والمشاريع الانفصالية".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات