Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اللغة "الحلال" واللغة "الحرام" واللغة "الممنوعة"

نشأ جيل أدبي يعتبر الأدب موقفاً ورسالة

كان جيلنا يقدر النصوص ويقرأها لأدبيتها ولمضامينها ولم تكن اللغة، العربية أو الفرنسية، مقياساً للقبول أو الرفض (أ ب)

ملخص

كي تعيش الجزائر الأدبية بصحة ثقافية وإبداعية جيدة، فعلى النخب الفكرية والسياسية أن تتكاتف في محاربة المفاهيم الأيديولوجية المريضة التي تصنف اللغات، لغة "الحلال" ولغة "الحرام" ولغة "الممنوع". 

كلما جاء الحديث عن المسألة اللغوية في الجزائر كثر اللغط، واختلط الحابل بالنابل، ورفعت الدهماء المؤدلجة صوتها عالياً، وقلّ كلام علماء اللسان والبيداغوجيا، وظهرت انتهازية بعض قادة الأحزاب محاولين ركوب موجة الغوغاء تحسباً لانتخابات مقبلة.

ما سأرويه ها هنا وفي عجالة، ربما كي سنتعلم منه جميعاً الدرس الحقيقي للأدب الجزائري المعاصر، والذي يبدو معقداً من حيث لغة الكتابة والقراءة ونفهم منه، ولو رمزياً، قليلاً من تاريخ الأدباء في جزائر من مطلع السبعينيات، وحتى ظهور سلطة وسائل التواصل الاجتماعي، وما حملته من حقد وكراهية وشذوذ فكري وجمالي.   

حين أسمع هذا اللغط عن أولوية لغة على أخرى، عن لغة حلال ولغة حرام ولغة ممنوعة، أتذكر أمرين بالغي الأهمية في تاريخنا الأدبي المعاصر، الأول أن الروائي الكبير الطاهر وطار صرّح ذات يوم بعبارة بليغة لا تزال ترن في أذن التاريخ: "حين تُرجمت روايتي اللاز إلى الفرنسية (عام 1983) أحسست حينها فقط بأنني كاتب، فطبيب الأسنان يناقشني في الرواية، والحلاق يتحدث عن شخصية اللاز، ويوقفني هذا في الشارع ليتحدث لي عن جرأة الرواية، ويهنئني هذا الجار الذي نقيم معاً في الشارع والحي نفسهما منذ عقود"، وفور صدور رواية "اللاز" بالفرنسية، احتضنها القراء والإعلام الفرنكفونيين، واستقبلوها استقبالاً يليق بموهبة كاتبها، وهذا الاحتفال الثقافي والنقدي والإعلامي المميز والعالي لم يثر قلق النخب المعربة في تلك المرحلة، بل جعلهم يشعرون بالنخوة لأنه،

وعلى رغم قصر عمر الرواية الجزائرية بالعربية، مقارنة بتاريخ الرواية بالفرنسية، ها هي تحقق لها مكاناً كبيراً، وتشد انتباه قطاع آخر من القراء الجزائريين، كان هذا فخر لهم، ولم يعترض أحدهم على الطاهر وطار قوله إنه "يشعر الآن فقط بأنه كاتب في الجزائر"، ولم ينزعج  أحد لهذا التصريح، ولم يقل أحد بأن مثل هذا القول تعبير عن شعور بالنقص أو هو تقليل من قيمة القارئ باللغة العربية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الأمر الثاني فحين أصدر الروائي رشيد بوجدرة روايته الأولى باللغة العربية، ونقصد بها رواية "التفكك" الصادرة عام 1982، قال إنه سعيد أن يعود للكتابة بهذه اللغة الجميلة والتي يعشقها، واحتضنه القراء بالعربية بحماسة كبير، وأقيمت مئات اللقاءات للروائي عبر المدن الجزائرية، واحتفل به الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي بالعربية بصورة واضحة وراقية، ولم يثر هذا التحول في الكتابة غضب النخب الفرنكوفونية، إذ واصل رشيد بوجدرة الكتابة باللغتين، العربية والفرنسية كإستراتيجية لاستقطاب أكبر عدد من القراء الجزائريين.

وعلى رغم جرأة الروائي في طرح بعض المواضيع في رواية "التفكك"، وهو ما لم يتعود عليه القارئ باللغة العربية، لكن الرواية حققت حضوراً مميزاً، ولم يتعرض الكاتب لا للسب ولا للقذف ولا للتكفير ولا للتخوين.

كان هذا الجيل يحتفل بكثير من المحبة بصدور رواية لعبدالحميد بن هدوقة، أو مرزاق بقطاش، أو الجيلالي خلاص بالعربية، وفي الوقت نفسه يحتفل بصدور رواية للطاهر جاووت أو لرشيد ميموني أو للهادي فليسي بالفرنسية.

كنا نشعر بالفخر والسعادة ونحن نقرأ خبر صدور رواية للطاهر وطار في بيروت أو في القاهرة، والفخر والسعادة ذاتهما نشعر بهما حين يصلنا خبر صدور رواية لمحمد ديب أو للطاهر جاووت أو لرشيد ميموني أو لرشيد بوجدرة في باريس، وكان إذا ما جرى تكريم كاتب في باريس أو مونريال أو القاهرة أو دمشق بجائزة أو وسام، نرى ذلك تكريماً لنا، نحن الشباب الصاعدون، وقد كان ذلك احتراماً منا للعمداء، واحتراماً للتعدد والاختلاف.

كان جيلنا يقدر النصوص ويقرأها لأدبيتها ولمضامينها ولم تكن اللغة، العربية أو الفرنسية، مقياساً للقبول أو الرفض، وصحيح، لم يكن الفضاء الثقافي والجامعي يخلو بالمطلق من الأصوات الناعقة في المعسكرين الفرنكفوني والعربوفوني، ولكنها كانت أصواتاً شاذة وقليلة، سرعان ما تختفي أو تكشف على حقيقتها أمام الحوارات والنقاشات العميقة والجادة.

وعلى هذه القاعدة من الاحترام، نشأ جيل أدبي يعتبر الأدب موقفاً ورسالة، يمران عبر الجمال الذي تنتجه هذه اللغة أو تلك.

أعتقد بأن هذه هي الجزائر الأدبية التي كانت، وهكذا ستظل، يكتب فيها الكتاب ويتنافسون باحترام وباللغات التي يرونها مناسبة للإبداع، كل بحسب ذوقه وتكوينه، من دون تشكيك أو تخوين أو تكفير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحين صرّح الروائي والشاعر مالك حداد، غداة الاستقلال، بأنه سيتوقف عن الكتابة بالفرنسية لأنه اعتبرها منفاه، كان بعضهم يعتقد بأن الكتابة بالفرنسية ستختفي، لكن وبعد مضي أزيد من ستة عقود، لا تزال هناك أقلام جزائرية شابة وكثيرة تعيش في البلد وخريجة المدرسة الجزائرية، تبدع بهذه اللغة وتعبر عن انشغالات المواطن وعن يوميات وأحلام الجزائري في هذه الألفية الثالثة، ولا يزال هناك قارئ للأدب باللغة الفرنسية، ودُور النشر الكبيرة والمهمة في الجزائر، تنشر نصوصاً عاماً بعد آخر بالفرنسية، تثير النقاش في الداخل وفي العالم الفرنكفوني برمته.

وفي الوقت نفسه، وبإيقاع متسارع، يتعاظم عدد الكتاب باللغة العربية وبصورة لافتة، ويتنوعون في الرواية والشعر والنقد والمسرح، وتتميز يوماً بعد آخر أقلام جزائرية في المشرق العربي بنصوص مدهشة، تشرّف الأدب الجزائري المعاصر، ويوماً بعد آخر تتوسع قاعدة القراء باللغة العربية للأدب، وبصورة خاصة للرواية، وهذا يمنح الحياة الأدبية والثقافية ديناميكية خاصة وإيجابية وتنافسية.

واليوم في الجزائر الأدبية الراهنة، يظهر وبصورة جلية صوت أدبي جديد، إنه صوت الأدب باللغة الأمازيغية الذي كثيراً ما كان مقموعاً، والمتتبع لهذه التجربة الإبداعية بهذه اللغة يدرك كيف أنها تحررت من الرؤية الفولكلورية، ودخلت تجربة الكتابة الحداثية في الرواية والقصة والشعر، واللغة التي كانت ممنوعة لمدة نصف قرن تقريباً ها هي اليوم، وقد أضحت لغة وطنية ورسمية، ويوماً بعد يوم تتسع قاعد القراء بهذه اللغة، وتقام لهذا الأدب ملتقيات ومعارض للكتاب.

هذا هو الوضع الأدبي والثقافي الصحي الذي يجب أن ندافع عنه في الجزائر المعاصرة، إبداع بكل اللغات، فالبلد الذي يتعامل مواطنوه بلغات عدة هو بلد ثري، فالتعدد ثراء وليس تفككاً مثلما يتصوره ويصوّره بعض محدودي الرؤية.

كي تعيش الجزائر الأدبية بصحة ثقافية وإبداعية جيدة على النخب الفكرية والسياسية أن تتكاتف في محاربة المفاهيم الأيديولوجية المريضة التي تصنف اللغات: لغة "الحلال" ولغة "الحرام" ولغة "الممنوع". 

اقرأ المزيد

المزيد من آراء