ملخص
كانت سرعة تقدم الميليشيات الموالية لإيران في مواجهة القوات الحكومية اليمنية مفاجئة بالنسبة إلى كثر، وثانياً، كان حدوث بعض الانشقاقات داخل صفوف الجيش النظامي أمراً مثيراً للقلق، وبدأ ذلك يثير المخاوف على المستوى الدولي ويفتح النقاش حول كيفية معالجة الأزمة.
عندما شنت ميليشيات الحوثيين أحدث حملاتها العسكرية في اليمن، ووصلت إلى آخر نقطة جنوبية على الساحل اليمني للبحر الأحمر، وسيطرت على كامل الشريط الساحلي، أصيب الرأي العام الدولي عموماً، والأميركي خصوصاً، بالصدمة، إذ رأى ميليشيات موالية لإيران تفتح طريقها بلا توقف باتجاه باب المندب، وتصبح في نهاية المطاف قادرة على السيطرة على هذه النقطة الاستراتيجية.
أولاً، كانت سرعة تقدم الميليشيات الموالية لإيران في مواجهة القوات الحكومية اليمنية مفاجئة بالنسبة إلى كثر، وثانياً، كان حدوث بعض الانشقاقات داخل صفوف الجيش النظامي أمراً مثيراً للقلق، وبدأ ذلك يثير المخاوف على المستوى الدولي ويفتح النقاش حول كيفية معالجة الأزمة. فهل سيتراجع المجتمع الدولي ويدفع باتجاه ترتيبات تقبل بإدماج الحوثيين في اتفاق جديد معهم، بما يؤدي إلى إضفاء الشرعية على مكاسبهم الإقليمية؟ أم أن الغرب سيشدد مواقفه تجاه هذه الميليشيات، وكذلك تجاه الدولة الأم، أي النظام الحاكم في إيران؟
في هذه المرحلة، ما زلنا أمام المجهول، إذ يسعى كل معسكر في العالم إلى تحقيق أجندته الخاصة، ويتحرك وفقاً لذلك. فهل سينحاز الغرب إلى اتفاق إيراني جديد يصب في مصلحة انتصار الحوثيين؟ أم سينحاز إلى الكتلة الإقليمية السعودية لهزيمة حلفاء إيران في اليمن؟ وبطبيعة الحال، سيكون السؤال الأساس متعلقاً بالموقف الأميركي، تحديداً موقف إدارة دونالد ترمب. كيف ستتحرك؟ وما ستكون خياراتها النهائية خصوصاً بعد المواجهة الأميركية ـ الإيرانية الطويلة منذ حرب الأيام الـ 12 والحملات العسكرية عام 2026؟ وكيف يمكننا فهم التحركات الأميركية؟
كان واضحاً لمعظم المراقبين، مع وصول ترمب إلى السلطة، أن الإدارة الجديدة على وشك عكس سياسات باراك أوباما ـ جو بايدن تجاه إيران.
خلال ولايته الأولى، وجّه ترمب ضربات استراتيجية كبيرة إلى نظام آية الله، من بينها الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني ككيان إرهابي والقضاء على عدد من القادة الكبار في قوة "القدس" والميليشيات التابعة لقوات "الحشد الشعبي"، وكان ترمب على وشك تحقيق مزيد من عزل النظام خلال ولاية ثانية، لكن انتهى به الأمر ببايدن في البيت الأبيض.
ومع ما يمكن وصفه بأنه "الولاية الثالثة لأوباما"، تغيرت السياسة الأميركية مجدداً، فأدت أربعة أعوام من تجديد الاتفاقات مع النظام الإسلامي إلى إعادة تمكين "المحور الخميني" وإضعاف التحالف العربي وإسرائيل، واضطرت السعودية ودول عربية أخرى إلى اعتماد "خيارات وطنية" واستراتيجيات للدفاع عن النفس، بما في ذلك اتفاقات متعددة الأطراف للتعويض عن إعادة الاصطفاف الأميركي خلال عهد بايدن الذي اتسم بسياسة تعاون مع طهران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان على الرياض أن تتحرك للحفاظ على توازن القوى مع إيران، مع الإبقاء في الوقت نفسه على علاقاتها الجيدة والمؤسساتية مع الولايات المتحدة، واتسمت أعوام بايدن بتموضع دقيق للكتلة العربية المعتدلة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى.
وحتى عام 2025، خلص الفاعلون الإقليميون المعتدلون إلى أن تغيير الإدارة سيعيد الإدارة الأولى لترمب واستراتيجياتها الرامية إلى مساعدة السعودية في إنهاء التهديد الحوثي وتشكيل تحالف لاحتواء التوسع الإيراني، ثم عكس مساره.
وبالفعل، شهد العام الأول من رئاسة ترمب تجسيداً لهذه التوقعات، وبحلول ربيع عام 2025، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تنفذان ضربات منهجية ضد القدرات الاستراتيجية للنظام، بما في ذلك منصات الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية، والأهم من ذلك المواقع النووية الرئيسة الثلاثة.
وعلى جبهة لبنان، دمرت إسرائيل كثيراً من البنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله" وقضت على عدد من كبار قادته، بمن فيهم أمينه العام. وكانت حرب الأيام الـ 12 ناجحة، ومهدت لمواجهة ثانية بين التحالف الأميركي - الإسرائيلي ومحور إيران وميليشياته، واستغل الحوثيون ذلك الصدام لاستهداف إسرائيل، وكذلك السعودية، وأصبح الخليج جزءاً من التحالف الأوسع في مواجهة "الحرس الثوري" الإيراني و"أنصار الله".
عام 2026، تغير السياق الجيوسياسي للحرب على جبهتين، إذ تداخل المساران العسكري والدبلوماسي، وتشابكت ساحات القتال.
واعتباراً من فبراير (شباط) الماضي، نفذت القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية ضربات جوية واسعة ودقيقة دمرت معظم القدرات الجوية للنظام وقواته البحرية وجزءاً كبيراً من بنيته العسكرية، وبحلول الصيف، انتقلت المعركة إلى مضيق هرمز، في وقت بدأ "الحرس الثوري" الإيراني باستهداف حركة الشحن التجاري بين الخليج وبحر العرب.
في الوقت نفسه، بدأت جماعات ضغط مالية قوية بممارسة ضغوط على الغرب، والولايات المتحدة خصوصاً، من أجل قبول وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق، وأرسلت إدارة ترمب مبعوثين وبدأت "المحادثات"، واستخدم النظام هذه المحادثات لتخفيف أثر القوة العسكرية الأميركية، واستمر تطور المحادثات والقتال على مدى ثمانية أشهر. وفوق ذلك، أدى استهداف إيران السفن التجارية وفرضها "ضرائب" على مضيق هرمز إلى دفع شركات الملاحة والتأمين لزيادة الضغط على واشنطن من أجل "إيجاد حل دبلوماسي".
وشعر النظام بالضغوط التجارية، فقدم مزيداً من العروض، وكانت الخطة تقضي بتأخير تحقيق الانتصار الأميركي، وأدرك الرئيس ترمب الموقف الإيراني الحقيقي، وحافظ على توازن القوى في المنطقة.
لكن في الوقت نفسه، واصلت طهران تنظيم القوات الحوثية في اليمن، وفتحت أخيراً جبهة ضد السعودية، وبصورة أكثر تحديداً ضد الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، واستولت على أراضٍ وأصبحت في موقع يسمح لها بالسيطرة على باب المندب.
وهنا تبرز أسئلة متعددة ما هي حسابات النظام؟ ماذا يتوقع أن يحدث؟ وكيف يتصور النتيجة؟
وفقاً لتقييمنا، طُلب من الحوثيين من جانب القيادة الإيرانية فتح "جبهة البحر الأحمر" مباشرة بعد توقيع "ميثاق مكة"، بهدف إلحاق الضرر بكل من السعودية وإدارة ترمب.
ففي وقت يتقدم الحوثيون على الأرض إلى أقصى حد ممكن، فإنهم يعرفون أنه في نهاية المطاف ستكون هناك عملية مضادة تقودها السعودية لاستعادة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها، لكنهم يعرفون أيضاً أنه نظراً إلى أن حرب اليمن هي حرب قديمة، فإن تركيا وباكستان ستحتاجان إلى وقت وإجراءات للتدخل بالصورة المناسبة.
بالتالي، تدرك طهران أن الرياض ستضطر إلى التحرك بمواردها الذاتية لفترة من الوقت قبل وصول الدعم الخارجي.
لكن ماذا عن الولايات المتحدة؟
الوضع أكثر تعقيداً في واشنطن. أولاً، يقدّر "البنتاغون" وأجهزة الاستخبارات أن المملكة ربما تكون خسرت جزءاً من حليفها اليمني، لكن ليس من أراضيها أو قواتها هي، ولذلك تقوم الإدارة بتقييم المدة اللازمة لتجهيز الحملة السعودية المضادة، وإعادة تقييم قوة القوات النظامية الموالية للسعودية في اليمن.
على جبهة أخرى، يبدو أن إدارة ترمب لا تزال تراهن على إمكان التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة مع طهران، يمكن أن يشمل السعودية والحوثيين. وتشير تسريبات في وسائل الإعلام المؤيدة للاتفاق مع إيران إلى احتمال وجود اتفاق في شأن اليمن كأحد الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة لا تستجيب لنداء المملكة.
لكن قد تكون هناك حقيقة رابعة، تتمثل في شن السعودية هجوماً مفاجئاً، بدعم من مصر وربما من دول عربية أخرى، لفرض انتصار محدود على الحوثيين، يتبعه وقف لإطلاق النار.
وفي جميع الأحوال، يتعين على الولايات المتحدة اتخاذ موقف من سيطرة "جند الله" وفرض سيطرة شبه كاملة على باب المندب. ففي غضون أسابيع، سيطالب أولئك الذين سيسيطرون على الكونغرس الإدارة بتقديم إجابات حول حربها مع إيران وميليشياتها، بالتالي سيتعين على البيت الأبيض طمأنة السلطة التشريعية في شأن سيطرته على الوضع في المضيقين.
والوقت الباقي قبل الانتخابات بالكاد يسمح بتقديم إجابة.
أما السعودية، فسيكون الأمر أكثر إلحاحاً بالنسبة إليها، لأن هذه المعركة تقع في محيطها المباشر. وستحاول طهران إضعاف الإدارة، وفي الوقت نفسه، ستتحرك إدارة ترمب وإسرائيل، وفقاً لحساباتهما الانتخابية والسياسية، من أجل تحقيق هزيمة لعدوهما، أي إيران.
وسيكون على زعيمين اتخاذ قرارات استراتيجية، دونالد ترمب ومحمد بن سلمان.