ملخص
ينظر رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين ونائب رئيس اتحاد الجيولوجيين العرب حسن بخيت خلال مقابلة مع "اندبندنت عربية" إلى الثراء الذي يميز البيئة التعدينية في مصر، ويقول إن البلاد غنية بالمعادن وإن خريطتها الاستثمارية ومواقع التعدين التي عمل فيها لما يقارب 40 عاماً تدلل يقيناً على أنها دولة تعدينية بامتياز.
تتمتع مصر بثراء تعديني هائل، سواء من ناحية التنوع أو الاحتياطات المقدرة، لكن مع ذلك لا تزال مساهمة قطاع الثروة التعدينية متواضعاً للغاية في الناتج المحلي الإجمالي، لأسباب يفصلها رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين ونائب رئيس اتحاد الجيولوجيين العرب حسن بخيت خلال مقابلة مع "اندبندنت عربية".
بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لمصر في السنة المالية 2023-2024 نحو 13.236 تريليون جنيه (250 مليار دولار) بالقيمة المضافة عند كلفة عوامل الإنتاج، وبلغ نشاط التعدين واستغلال المحاجر 1.021 تريليون جنيه (20 مليار دولار)، لكنه يشمل البترول والغاز والاستخراج الآخر.
أما نشاط الاستخراج الآخر، وهو المؤشر الأقرب إلى التعدين غير البترولي، فبلغ 205.5 مليار جنيه (3.94 مليار دولار)، أي نحو 1.6 في المئة.
مصر في التقارير الجيولوجية الأميركية
وتورد هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تقديراً أكثر تحفظاً ومباشرة للقطاع المعدني غير البترولي، 1.4 في المئة من الناتج المحلي خلال السنة المالية 2023-2024، بينما تستهدف مصر رفع مساهمة التعدين إلى نحو ستة في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2030 وهذا هدف استراتيجي.
وتمتلك مصر قاعدة واسعة من الخامات، وأحدث مصدر مقارن واسع، وهو هيئة المسح الجيولوجي الأميركية يضع مصر عام 2024 في المرتبة الرابعة عالمياً في إنتاج الحديد المختزل المباشر، والمرتبة السابعة مكرر في إنتاج صخر الفوسفات، كما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً من ناحية احتياطات صخر الفوسفات. أما الذهب، فبلغ الإنتاج المصري المقدر 17000 طن عام 2024، وكان "منجم السكري" وحده مسؤولاً عن 14.100 طن.
وتشمل القاعدة المحجرية المصرية الحجر الجيري والرخام والغرانيت والحجر الرملي والبازلت والألباست والرمال الزجاجية، والرمال والزلط والطفلة والجبس والكوارتز.
تنوع الخامات وتوزيعها جغرافياً
وتنتشر مواقع الحجر الجيري في مناطق مثل طرة والمعصرة وبني خالد وسمالوط ومناطق الواحات، بينما يرتبط الغرانيت أساساً بأسوان والصحراء الشرقية، وتوجد الرمال الزجاجية في سيناء والساحل وخليج السويس.
ينظر حسن بخيت الذي شغل في الماضي منصب وكيل وزارة البترول والثروة المعدنية لشؤون الثروة المعدنية، إلى هذا الثراء الذي يميز البيئة التعدينية في مصر، ويقول إن البلاد غنية بالمعادن وإن خريطتها الاستثمارية ومواقع التعدين التي عمل فيها لما يقارب 40 عاماً تدلل يقيناً على أن مصر دولة تعدينية بامتياز.
ويوضح لـ"اندبندنت عربية" أن من الناحية الجغرافية، تتسم الخريطة المصرية بما يزيد قليلاً على خمسة في المئة من الأرض الزراعية ممثلة بالوادي والدلتا، حيث يعيش المصريون في أقل من ستة في المئة من المساحة، بينما تُعد 95 في المئة من أراضي مصر صحارى وجبالاً، سواء كانت الصحراء الشرقية، أو الغربية، أو شبه جزيرة سيناء بشقيها الشمالي والجنوبي.
"ما دامت هناك صحارى هناك معادن"
ويضيف أن المنطق العلمي الجيولوجي يؤكد أنه ما دامت هناك صحارى، فهناك حتماً خامات ومعادن، وأن هذه الحقائق تأكدت عبر البعثات الجيولوجية المتعاقبة منذ عام 1896، وهو تاريخ تأسيس المساحة الجيولوجية المصرية، ومنذ ذلك الحين بدأت الأعمال التعدينية المنتظمة والمنظمة تحت مظلة هيئة الثروة المعدنية.
ويتابع "تاريخياً أيضاً، فإن ما تركه لنا قدماء المصريين منذ آلاف السنين هو الذي أشعل شغفنا كجيولوجيين في العصر الحديث للبحث عن المعادن، فحين كنا نجوب الصحارى بحثاً عن المعادن، كنا نصادف الآثار الفرعونية والمناجم القديمة فتأخذنا الدهشة، إذ تمثل تلك الآثار ما يمكنني تسميته 'صورة الحجارة' أو صورة المعادن والخامات التي استخرجوها وصنعوا بها مقتنياتهم الفريدة الموجودة اليوم في المتحف المصري الكبير والمتحف الجيولوجي، وسائر المتاحف المتنوعة".
"المكتشف أقل بكثير من المخبوء"
ويردف بخيت "لذا، فإن السؤال القائل 'ما الذي يجعلنا نقول إن مصر بلد تعديني؟' تجده في تاريخها العريق والحديث، وفي بيانات التقارير القيّمة التي تزخر بها هيئة الثروة المعدنية، إذ إن ما جرى الإعلان عنه لا يمثل سوى الجزء اليسير مقارنة بما هو مخبوء، مما يؤكد وجود معادن ظاهرة ومستغلة وأخرى منسية لم تنَل حظها الكافي من الاستكشاف والاستخراج والاستخلاص. ويمكنني ضرب الأمثلة الكثيرة على ذلك، ولكن لنبدأ بالإجابة عن السؤال الأول، ’ماذا تملك مصر من ثروات‘؟".
من خلال هذا السرد التاريخي، يوجز بخيت ما تملكه مصر من ثروات، ويقول "لو بدأنا من جهة الشمال، تحديداً من البحر الأبيض المتوسط، فأول ثروة تقابلنا هي الرمال السوداء التي جلبها نهر النيل عبر أزمنة متعاقبة. وأقصد بـ 'غسيل الجبال' ليس فقط جبال مصر وحدها، بل جبال السودان وإثيوبيا، فالمياه المنحدرة من الهضبة الإثيوبية منذ عهود موغلة في القدم قامت بجرف هذه المعادن وترسيبها عبر الفيضانات المتعاقبة قبل بناء السد العالي".
ثروة من الرمال السوداء
وبدأت بعض الشركات باستغلال الرمال السوداء حديثاً، كما يوضح بخيت، بعدما كان أهالي المناطق الساحلية يجرفونها عشوائياً لاستخدامها في أعمال البناء، وهي خسارة جسيمة إذا أخذنا في الاعتبار ما تحويه هذه الرمال من عناصر استراتيجية تدخل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، فضلاً عن صناعة الأسمنت.
ويشير إلى أن هذا النزف توقف بعدما أصبحت للرمال السوداء شركات متخصصة، يأمل في المستقبل القريب توسيع نطاق الاستفادة منها.
وتحدث بخيت عن الرمال السوداء، وكيف أنها تحوي ستة أو سبعة معادن استراتيجية تدخل في صناعات دقيقة كصناعة الطائرات وغيرها، وتمتد جغرافياً من الدلتا إلى العريش، وبدأ العمل الفعلي عليها في مناطق مثل كفر الشيخ وما زالت هناك مواقع أخرى مطروحة للاستثمار.
11 موقعاً ثرياً بالرمال السوداء
بالطبع خضعت بعض هذه المواقع للتقييم، كما يوضح بخيت، لكنه يناشد بمراجعة دراسات الجدوى وإجراء الاختبارات اللازمة لتحديد حجم الاحتياط بدقة، علماً أن البلاد تملك نحو 11 موقعاً ثرياً بالرمال السوداء.
"حين نغادر مياه البحر الأبيض المتوسط ونتجه جنوباً نحو الدلتا التي غدت بطبيعة الحال منطقة زراعية وعمرانية وسكانية واسعة، ونتابع مجرى وادي النيل انطلاقاً من العين السخنة أو بني سويف حتى الجنوب، نجد خامات مواد البناء المتمثلة في الحجر الجيري والطفلة، وهما الركيزتان الأساسيتان لصناعة الأسمنت التي تمتلك فيها مصر ثروة ضخمة قادرة على تلبية حاجات مئات مصانع الأسمنت، شرط التزام الشروط البيئية الصارمة للحد من الانبعاثات والأغبرة للحفاظ على البيئة المحيطة بنهر النيل".
حصر وجود الفوسفات جغرافياً في مصر
ثم يتابع "إذا توغلنا جنوباً مع مجرى النهر وصولاً إلى منطقة السباعية وما حولها، فسنصادف خامة استراتيجية ضخمة أخرى وهي الفوسفات. وإذا أردنا حصر وجود الفوسفات جغرافياً في مصر، سنجد ثلاثة أماكن رئيسة هي أبو طرطور في الصحراء الغربية ومناطق وادي النيل في السباعية وسلسلة جبال البحر الأحمر".
في البحر الأحمر كان هناك نشاط تعديني كبير للفوسفات قديماً، لكن جرى العزوف عنه لظروف فنية والتركيز على خامات وادي النيل، مما يستدعي اليوم إعادة نظر اقتصادية ودراسة جدوى جديدة للاستفادة من فوسفات البحر الأحمر، فضلاً عن استمرار العمل في أبو طرطور والخطط الرامية إلى إنشاء مجمعات صناعية عليه.
ويلفت بخيت إلى مدينة سمالوط في محافظة المنيا جنوب مصر التي تحوي أنسب وأنقى أنواع الحجر الجيري في العالم بأسره من دون مبالغة، كما يؤكد، فهذا الحجر الجيري النقي لا يقتصر استخدامه على الأسمنت ومواد البناء التقليدية، بل يدخل في نحو 34 صناعة متقدمة كالصناعات الطبية والدوائية والغذائية وصناعات المطاط والورق وغيرها، وتمتلك المنيا وحدها قاعدة لاقتصاد واعد يقوم على هذا الحجر فائق النقاء.
سرية وتعتيم حول المصانع
ويتحدث بخيت عن كيف أتيحت لوزارة البترول الفرصة سابقاً لمعاينة هذه المحاجر إبان تعاونها مع شركة "دبليو جي أم" (WGM) الكندية، وهي من كبرى الشركات الاستشارية العالمية التي استدعاها اتحاد الصناعات بالتعاون مع هيئة الثروة المعدنية.
ويردف "كنت الباحث الرئيس في ذلك المشروع. لاحظنا حينها أن بعض الشركات كانت تفرض نوعاً من السرية والتعتيم حول مصانعها، وتبين لاحقاً أنها تستخلص من هذا الحجر بودرة فائقة النقاء تُباع بآلاف الدولارات وتدخل في تكنولوجيات دقيقة عبر تقنيات شفط وهواء متطورة. ومثل هذه التكنولوجيات المتقدمة ينبغي أن تسترعي انتباه شركاتنا الوطنية لاستخلاص هذه المنتجات القيمة وتصديرها أو توظيفها محلياً".
280 موقعاً تعدينياً للذهب في مصر
أما إذا انتقلنا إلى الخامة التي تتألق في مشهدنا التعديني الراهن، وهي الذهب، فيضيف بخيت "حين غادرت موقعي كمدير عام للاستكشاف في هيئة الثروة المعدنية، تركت خريطة تضم ما بين 270 إلى 280 موقعاً ومظهراً تعدينياً للذهب في مصر. وإذا أضفنا إلى ذلك أن ’منجم السكري‘ يمثل موقعاً واحداً، ومع أنشطة التعدين التقليدي، فقد يتضاعف هذا الرقم. ولهذا أؤكد أن مصر ليست مجرد دولة تعدينية، بل هي 'دولة ذهبية' بامتياز في قلب الدرع العربي النوبي الذي يمثل حزام الذهب في القارة الأفريقية".
ولعل الدليل القاطع على ذلك، كما يبرهن بخيت، ما حدث في "منجم السكري"، فعام 1990، حين جاء مستثمر مصري وجيولوجي تدرّج في بيئة التعدين الأسترالية قوبل بردود فعل سلبية من بعض مسؤولي الهيئة الذين زعموا وقتئذ أن ذهب مصر استنفده الفراعنة ولم يتركوا شيئاً، لكنه بحسه وخبرته أصر على المضي قدماً واختار "السكري".
وعلى رغم أن أقصى عمق بلغه التعدين الفرعوني لم يتجاوز 30 أو 40 متراً، مثلما يشرح بخيت، فإن "منجم السكري" اقترب اليوم بأرقامه الرسمية من عمق كيلومتر تحت سطح الأرض، منتجاً نحو 12 طناً من الذهب الصافي سنوياً منذ عام 2010، وصولاً إلى بيع الشركة بمليارات الدولارات، مما يعزز اليقين بأن ذهب مصر كامن في الأعماق السحيقة.
من العين السخنة إلى حلايب وشلاتين
وينتشر الذهب في مصر بدءاً من العين السخنة، وصولاً إلى حلايب وشلاتين في جبال البحر الأحمر بالصحراء الشرقية، بحسب بخيت، ولعل المفاجأة الكبرى التي أثبتتها أبحاث الدكتوراه الخاصة به، وجود الذهب في شبه جزيرة سيناء، فقرب شرم الشيخ، على مسافة نحو 60 كيلومتراً شمالاً في منطقة تُعرف بـ"الكيد" أو "مزرق"، تأكد وجود الذهب والنحاس والرصاص والتنغستين ومعادن أخرى. وجرى توقيع اتفاق في شأن ذلك مع شركة كندية خلال عهد الرئيس الراحل حسني مبارك كأول اتفاق يوقعه رئيس جمهورية لموقع في سيناء، وعلى رغم تعثر المشروع لاحقاً وسحب الامتياز، فإن البقعة لا تزال واعدة ومطروحة للاستثمار.
ويردف بخيت أن "هذا يؤكد أن مصر قادرة على بناء قاعدة ضخمة لصناعة الذهب، لا تقف عند حدود الاستخراج وحسب، بل تمتد لتشمل إنشاء مصافٍ للتنقية وصك المشغولات الذهبية، فنحن لا نمتلك حتى الآن مصفاة للذهب بمستوى معايير دبي التي باتت قبلة لذهب أفريقيا، ومصر بأولوية موقعها وقدراتها أجدر بأن تكون هي القبلة الأولى لذهب القارة، وهو توجه استراتيجي يتطلب منا التوغل الاقتصادي والتجاري في العمق الأفريقي لتوفير المواد الخام اللازمة لتشغيل هذه المصافي".
صناعة الأسمدة ودعم الثروة الزراعية
إضافة إلى الذهب، يأتي النحاس كخامة استراتيجية بالغة الأهمية، فمصر تستورد نحاساً بما يتجاوز مليار دولار سنوياً، في حين تملك ما بين خمسة إلى ستة مواقع واعدة للنحاس أثبتت نتائج ممتازة، ولعل طرح تلك المناطق للاستثمار، كما يقول بخيت، سيسهم بصورة مباشرة في خفض فاتورة الواردات وتأمين حاجات البلاد في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية والحروب والجوائح.
ويتابع "بالمثل، يأتي البوتاسيوم كعنصر جوهري لصناعة الأسمدة ودعم الثروة الزراعية، وهو موجود في مواقع عدة بانتظار استقطاب الشركات الوطنية والأجنبية لاستثماره".
وتزخر مصر بكثير من الخامات الأخرى كالفلسبار والكاولين والرمل الأبيض الزجاجي، فضلاً عن الكوارتز، مثلما يؤكد بخيت، ويحدد في منطقة "مروة السيقان"، امتلاك نحو 4 ملايين طن من الكوارتز فائق النقاء الذي يدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية (التشيبس) والأجهزة الحساسة.
عمالة وطنية قادرة على استيعاب التكنولوجيات
ويلفت إلى أنه إذا كان الاتجاه السائد حديثاً ركّز على استخدام الكوارتز في صناعة الرخام الفاخر للمستشفيات، فإن الاستفادة القصوى تكمن في توظيفه للصناعات التكنولوجية الدقيقة، مما يضع البلاد أمام تحدٍّ حقيقي، يعرّفه بخيت بأنه الحاجة إلى إعداد وتدريب الكوادر العمالية والفنية بالتعاون بين جامعاتنا، كليات الهندسة تحديداً، وبين المراكز البحثية والشركات الأجنبية، لتمتلك البلاد عمالة وطنية ماهرة قادرة على استيعاب تلك التكنولوجيات المتقدمة من دون الحاجة إلى استقدام خبراء أجانب بأعداد كبيرة.
ويقول بخيت "تضم الصحراء المصرية خامات الطفلة اللازمة لصناعة الطوب والبنية الأساسية، ورواسب بحيرة ناصر وطمي النيل الذي يُعد ثروة زراعية مستقلة، فضلاً عن خامات الرصاص والزنك وعناصر الأرض النادرة (Rare Earth Elements)".
"الهرم الرابع" وخامات الصواريخ
وفي هذا السياق يشير إلى منطقة "أبو دباب" وما تحويه من خام التنتالوم والنيوبيوم، وهو ما كان يطلق عليه الجيولوجي الراحل الدكتور إبراهيم فقهاء "الهرم الرابع"، نظراً إلى ندرته العالمية الشديدة ودخوله في صناعات استراتيجية دقيقة كصناعة الصواريخ الفضائية العابرة للقارات بفعل تحمله درجات حرارة انصهار فائقة تتجاوز 4 آلاف درجة مئوية.
ويشير بخيت إلى خامات الحديد ووجودها في أماكن مميزة للغاية، أبرزها منطقة الواحات البحرية التي كانت المورد الرئيس لمصنع الحديد والصلب بحلوان بنحو 3 ملايين طن سنوياً، فضلاً عن مواقع أخرى في الصحراء الغربية وجنوب شرقي أسوان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونظراً لأن أية دولة صناعية كبرى تعتمد في قاعدتها على الحديد، فإن الأمر يتطلب، بحسب بخيت، إعادة تقييم شاملة لمواقع الحديد في الواحات والصحراء الشرقية والمنطقة الجنوبية، خصوصاً أن مصر تستورد حالياً حديداً ونحاساً بمليارات الدولارات لتغطية العجز المحلي.
بناء قواعد بيانات مركزية وممنهجة
ويضيف "لا ينبغي أن نبدأ من الصفر، بل يجب الاستفادة من الدراسات والتقارير الواسعة التي أُعدت مسبقاً، وتطويع التكنولوجيات الحديثة لتتلاءم مع طبيعة خامنا المحلي، بدلاً من محاولة تطويع الخام ليناسب مصانع مستوردة لا تتماشى طبيعتها معه، مما يفرض علينا ضرورة بناء قواعد بيانات مركزية وممنهجة لكل التقارير التعدينية تحت مظلة هيئة الثروة المعدنية، وربطها بأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي لتسهيل استدعاء المعلومات وتقديمها إلى المستثمرين بصورة واضحة ودقيقة ومحدثة، متجاوزين بذلك البيروقراطية والجمود الإداري".
ورداً على سؤال حول سبب ضعف مساهمة قطاع الثروة المعدنية في الناتج المحلي الإجمالي على رغم كل هذه الثروات، قال حسن بخيت إن الأسباب واضحة وتتلخص في محاور رئيسة عدة مثل معايير الاستكشاف والتقييم، حيث قصور بعض الدراسات والتقييمات الأولية عن التزام المعايير العالمية المتعارف عليها (مثل المعايير الكندية أو الأسترالية)، مما يؤدي إلى عدم دقة تقدير الاحتياطات.
تطوير معالجة الخامات منخفضة ومتوسطة الجودة
ويلفت أيضاً إلى عامل آخر هو البحث العلمي ومعالجة الخامات، من ناحية عدم استغلال المراكز البحثية والجامعات على النحو الأمثل في تطوير طرق معالجة الخامات منخفضة ومتوسطة الجودة ورفع كفاءتها لمنع استيراد بدائلها من الخارج.
وتناول أيضاً ضبط الجودة (Quality Control)، عبر غياب الرقابة الميدانية الصارمة على عمليات استخراج الخامات ونقلها، مما يسفر عن هدر كبير في الكميات المستخرجة أو عدم مطابقة للمواصفات المطلوبة للمصانع، فضلاً عن التأثير السلبي لبعض صادرات الخام غير المضبطة في سمعة مصر التعدينية عالمياً.
ويشير إلى معضلة التشريعات وتعدد جهات الولاية، فضلاً ع استمرار معضلة تعدد الجهات التي تتبعها أراضي التعدين، وما يستتبعه ذلك من بطء في استخراج التراخيص وتعدد القيود القانونية والمالية التي تفرض أعباءً غير محفزة على المستثمرين الوطنيين والأجانب على حد سواء.
عمليات الحفر الشاق والبحث المكلف
ويختتم بالتأكيد على أن قطاع التعدين يتمتع بطبيعة خاصة جداً تختلف عن أي نشاط صناعي آخر، فالصحراء بطبيعتها تخفي أخطاراً معيشية وبيئية وطوبوغرافية وفنية جسيمة، ولا يمكن التنبؤ بطبيعة الخام ومردوده الاقتصادي تحت الأرض إلا بعد عمليات الحفر الشاق والبحث المكلف.
لذا، لا بد للتشريعات والدولة من مراعاة هذه الطبيعة الخاصة عبر توفير حوافز حقيقية وإعفاءات للمستثمرين خلال مراحل الاستكشاف الأولى، واعتماد نظام "الشباك الواحد" الحقيقي والفاعل، فيكون التعامل ميسراً وآمناً، ويُحاسب المستثمر على منتجه النهائي لا على مجرد خوضه لمغامرة البحث في جوف الصحراء، وحين تتوافر هذه المنظومة المتكاملة، سيتحقق لقطاع التعدين المردود الاقتصادي الضخم الذي يليق بمكانة مصر وقدراتها، كما يؤكد بخيت في ختام حديثه.