Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

20 عاما على الرحيل... احتفاء "نجيب" بلا حرافيش

أطلقت وزارة الثقافة المصرية "عام محفوظ" يتضمن فعاليات ثقافية مختلفة ومتخصصون يتساءلون عن غياب البعد الشعبي في ذكراه

يمثل نجيب محفوظ أحد أدوات قوة مصر الناعمة وأعماله تجاوزت المحلية للعالمية (اندبندنت عربية)

ملخص

فعاليات ثقافية متعددة يشهدها عام نجيب محفوظ الذي تم إطلاقه أخيراً تواكباً مع عشرينية رحيله تضمن ندوات وقراءات في أعماله، ويرى بعض المثقفين بأن هذا العام على رغم القيمة الكبيرة لفعالياته كان ينقصه إضافة بعد شعبي يشارك فيه عوام الناس، الذي جاء منهم محفوظ وكانوا أبطالاً لرواياته.

تحل هذا العام الذكرى الـ20 لرحيل نجيب محفوظ، وتواكباً مع الحدث أطلقت وزارة الثقافة المصرية في شهر أغسطس (آب) الماضي "عام نجيب محفوظ"، احتفاء بأديب نوبل بفعاليات متعددة تمتد على مدار السنة، ومع بدء تنفيذ بعضها بالفعل كان هناك ملاحظة لبعض المهتمين بهذا الشأن، وهي غلبة الطابع النخبوي عليها وتركيزها على الندوات والمناقشات الثقافية المتخصصة التي يقوم عليها الكتاب والنقاد والمثقفون، التي يكون غالب جمهورها مهتماً بالثقافة والأدب، هذه الفعاليات على رغم أهميتها وقيمة المواضيع والأطروحات التي تقدمها وثراء المناقشات التي تدور فيها فإنها بالنهاية تدور في فلك محدود، وتنفصل بصورة كبيرة عن الجمهور العام الذي عاش وسطه نجيب محفوظ ومنه جاء أبطال رواياته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يخفى على أحد أنه حالياً، يوجد انفصال كبير بين غالب الناس والفعاليات الثقافية المختلفة التي أصبحت تخاطب النخبة وبعض المهتمين والباحثين، وينفصل عنها بصورة كبيرة الجمهور العام والشباب، ومع إطلاق فعاليات عام نجيب محفوظ تساءل بعضهم، ومن بينهم المثقفون، أين عوام  الناس من الاحتفالية؟ ولماذا لا تقام فعاليات موازية ذات طابع شعبي احتفاء بنجيب محفوظ تصل إلى الجمهور في كل أنحاء البلاد ولا تظل حبيسة الجدران المغلقة؟ ولماذا لم تستغل عشرينية رحيل محفوظ في العمل على تعريف الأجيال الجديدة من الشباب بصاحب نوبل الذي رحل قبل أن يولد قطاع منهم، ومع ما يسود حالياً من اعتمادهم شبه الكلي على السوشيال ميديا، فبعض الرموز الوطنية في كل المجالات أصبحت لا يعرف عنها سوى القشور، ومن الممكن أن تستغل فعاليات مثل عام نجيب محفوظ في إلقاء الضوء عليها.

أين متحف نجيب محفوظ من خريطة الثقافة المصرية؟

وفق رؤية الكاتب والناقد الأدبي سمير مندي، فإنه "منذ أعوام عدة افتتح متحف نجيب محفوظ الواقع بالقاهرة القديمة، لكنه لم يدخل إلى خريطة الثقافة المصرية بالصورة المطلوبة على رغم وقوعه في قلب القاهرة القديمة مسقط رأس نجيب محفوظ والمنطقة التي دارت فيها أحداث غالب رواياته، فعلى رغم إقامته بهذا الموقع تحقيقاً لهذه الفكرة فإنه لم يؤد دوره بالصورة المتوقعة حتى الآن، ويغلب عليه الطابع التكريمي لنجيب محفوظ لا الدور الثقافي الفاعل في البيئة المحيطة حوله، الفعاليات المقامة بمناسبة مرور 20 عاماً على رحيل نجيب محفوظ بالفعل يغلب عليها الطابع النخبوي، فهي تقتصر على الندوات واللقاءات الثقافية الغالب على جمهورها الكتاب والمثقفين وهناك جانب شعبي مفقود".

يضيف مندي "كان حرياً في مثل هذه المناسبة أن يجري تنظيم مؤتمر عالمي يحتفي بأديب نوبل، فهو كاتب له حضور في الثقافة العالمية لا فقط المحلية، ويستقطب من خلاله المتخصصين من الشرق والغرب ليقدموا قراءاتهم وتصوراتهم لأدب نجيب محفوظ، وعلى هامش هذا المؤتمر الضخم تقام فعاليات شعبية في كل المحافظات، يشارك فيها الناس، فيجمع الحدث بين كل الفئات من المثقفين وعوام الناس، وتقام فعاليات في الأماكن التي دارت فيها أحداث رواياته".

 

مع مطلع هذا العام، تحديداً يناير (كانون الثاني)، اختير نجيب محفوظ شخصية العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب لذات المناسبة، وأقيمت حينها فعاليات متنوعة ارتبطت بالحدث، وجرى إطلاق جائزة جديدة للرواية تحمل اسم نجيب محفوظ مع حضور كبير لأعماله، وحينها ثمن بعضهم الاختيار باعتبار توافقه مع الحدث والمناسبة، ودعا آخرون إلى الخروج بمحفوظ من الجانب التكريمي، لأن تكون هذه الأحداث منطلقات لفتح آفاق جديدة لدراسة ونقد وتحليل فلسفة نجيب محفوظ وأفكاره من خلال أعماله المختلفة.

يقول مندي "نجيب محفوظ في مناسبة مثل ذكرى مرور 20 عاماً على رحيله لا يمكن حصره في الروايات والمنجز الأدبي، إنما لا بد من الإشارة إلى جوانب متعددة، فهو كان كاتباً وسيناريست، وتحولت أعماله إلى أفلام سينمائية أصبحت علامات في تاريخ السينما المصرية، هناك جانب فني يتمثل في أغلفة كتبه على سبيل المثال، وكيف عبر الفن عن أدب نجيب محفوظ، يمكن أن تقام معارض ترتبط بهذا الشأن، هناك كثير من الجوانب كانت تحتاج إلى إبرازها تواكباً مع هذا الحدث".

وفي رأي مندي، فإن نجيب محفوظ حالياً عند قطاعات من الناس، من بينها الأجيال الجديدة، "هو المعلوم المجهول، فقد يعرف بعضهم اسمه، وأنه حاصل على جائزة نوبل، لكنه لا يدرك إلا النزر اليسير عن أفكاره أو فلسفته، ولا يستوعب ماذا يمثل عالم نجيب محفوظ، وربما لم يقرأ له كتاباً، وقد يعرف بعضهم أحداثاً مثلت علامات فارقة مثل محاولة اغتياله على يد الإسلاميين، والادعاء بأنه يسيء في كتاباته إلى الأديان والأنبياء، وفي هذا العصر حيث الشباب غارقون في السوشيال ميديا وأخيراً الذكاء الاصطناعي الذي جعلهم يعتمدون على عقل آخر يفكر لهم مع البعد من مصادر الثقافة الحقيقية فإن هذا العام كان فرصة ذهبية لتعريفهم بنجيب محفوظ".

وزارة الثقافة لن تنجح وحدها

هناك تصور شائع بأن كل ما يتعلق بالكتابة والأعمال الأدبية والإبداعية عموماً هو شأن ثقافي بحت تختص به وزارة الثقافة، وتعنى به وحدها بمعزل عن المجتمع، فتقام الندوات في القاعات الثقافية بين جدران مغلقة، ويشارك فيها المهتمون الذين تمثل لهم أولوية بالفعل، وفي حالة نجيب محفوظ فإن الإطار العام يحتاج إلى تجاوز فكرة كونه مثقفاً أو كاتباً، فهو من المفترض أن يكون رمزاً وطنياً وصورة من صور قوة مصر الناعمة.

يقول الباحث محمد سيد ريان "أتصور أن حصر الاحتفاء بنجيب محفوظ على وزارة الثقافة فقط وتصديره باعتباره حدثاً خاصاً بالمثقفين هو قرار لم يكم صائباً، نجيب محفوظ ليس كاتباً عادياً، إنما شخصية قومية مصرية من المفترض أن يكون الاحتفاء بها على نطاق أوسع، وأن يكون بالتعاون بين وزارات متعددة، من بينها الثقافة والتعليم التعليم العالي والسياحة، التي يمكن أن تروج للمواقع التي كان لها حضور في روايات نجيب محفوظ، وتدعو إلى زيارتها، وكثير من المؤسسات التي يمكن أن تكون جزءاً من احتفالية متكاملة تشهدها البلاد طوال عام كامل للاحتفاء برمز مصري ذو قيمة استثنائية".

 

ويتابع ريان "في أحيان كثيرة يكون هناك أفكار عظيمة، لكن الجهود المشتتة تضيع جزءاً من قيمتها، فحصر نجيب محفوظ في مرتادي المؤسسات الثقافية هو إهدار لقيمته، ووزارة الثقافة لن تنجح بمفردها في هذا الحدث، إنما لا بد من أن تكون هذه المناسبة احتفالية وطنية شاملة تمتد في كل أنحاء البلاد، وتقام لها فعاليات متنوعة، يشارك فيها الناس من كل الفئات والطبقات".

نجيب محفوظ والجيل زد

حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل عام 1988، أي قبل نحو 10 أعوام من مولد أبناء الجيل زد، ورحل قبل أن يولد الجيل ألفا بنحو سبع سنوات، وكلاهما حالياً يمثل نسبة ليست بالقليلة من المجتمع المصري، وهذه الأجيال ليس لديها نهم القراءة مثل السابقة عليها، وتمثل السوشيال ميديا عالمهم الرئيس، وربما بعض منهم لا يعرف إلا القليل عن نجيب محفوظ، فكيف يمكن استغلال فعاليات مثل المقامة حالياً في مد جسر بينهم وبين عالم نجيب محفوظ.

وفق رؤية ريان فإن "الأجيال الجديدة مثل جيل زد لهم سمات مثل ارتباطهم التام بالسوشيال ميديا واهتمامهم بالأكثر شهرة في كل المجالات، وهذا ينطبق تماماً على نجيب محفوظ، وأحد المقترحات التي كان يمكن تنفيذها في إطار عام نجيب محفوظ هو إطلاق منصة إلكترونية لجمع كل ما يتعلق بنجيب محفوظ على كل المستويات سواء أعماله الأدبية، وأرشيفه السمعي والمرئي الذي لم يجمع حتى الآن، حواراته ورؤيته في القضايا المختلفة فهي لا تقل عن الأعمال الأدبية، لكن لا يوجد انتباه كبير لها، حالياً أعمال نجيب محفوظ المطبوعة تصدر عن أحد دور النشر، والإلكترونية تمتلك حقوقها مؤسسة ثقافية أخرى، والدراسات والبحوث تصدر عن هيئة الكتاب ومؤسسات مختلفة، فلا توجد جهة واحدة شاملة لتراث محفوظ، وهذا يشتت الجهود".

 

ويستكمل،"الجيل زد بوابته للانفتاح على العالم هي السوشيال ميديا والتكنولوجيا عموماً، وفي عصر الذكاء الاصطناعي المتحيز، الذي أحياناً يقدم معلومات مغلوطة يبقى الوصول إلى هذا الجيل بالوسائل التي تناسبه أولوية قصوى، في الوقت نفسه لا بد من إشراك الأجيال الجديدة في الحدث في أماكن وجودها، فمثلاً خلال العام في ديسمبر (كانون الأول) تواكباً مع ذكرى ميلاده لماذا لا يقام أسبوع نجيب محفوظ في المدارس والجامعات وتقام فعاليات يشارك فيها الأطفال والشباب ترتبط بالحدث، وطوال العام لماذا لا تقام فعاليات في مراكز الشباب في كل البلاد، ومن الممكن إقامة مسابقة باسم نجيب محفوظ لها فئات متعددة لكل الأعمار من الأطفال والشباب وحتى الكبار، تكون جوائزها بعض إصدارات نجيب محفوظ".

إعادة قراءة لإرث محفوظ الثقافي

جاء نجيب محفوظ من قلب القاهرة القديمة وطوال حياته كان بين الناس، فلم يعرف عنه أنه كان الكاتب المنفصل عن المجتمع الذي يعيش في برج عاجي، كما عبرت رواياته عن كل أطياف المصريين، بخاصة أهل المناطق الشعبية التي تأثر بها بفعل النشأة، فالإنسان العادي كان حاضراً في حياة محفوظ وفي شخوص رواياته، كما كان هناك حضور كبير للأحداث السياسية المتوالية التي شهدتها البلاد خلال القرن الـ20 وأثرها في الناس، فهي كانت جزءاً رئيساً من أعماله التي تجاوزت حالياً كونها مجرد روايات أو أعمال أدبية وتحولت لواحدة من المصادر التي يمكن من خلالها التأريخ لهذه الحقب لو جاز التعريف، مما يفتح المجال أمام القراءة وإعادة القراءة والنقد برؤى جديدة ومختلفة بعد انقضاء العصر الذي كتبت فيه بسنوات طويلة .

وفق رؤية الناقدة الأدبية سعاد صابر، "روايات نجيب محفوظ وشخصياته تعبر عن الواقع وعن مشكلات إنسانية في العصر الذي تدور فيه من جوانب اجتماعية وسياسية مختلفة، وهي حالياً عند قراءة هذه الروايات تعكس مرحلة زمنية لا عاصرها الشباب ولا الكبار، بعض الأعمال رصدت فترة أوائل القرن الـ20، وكثير منها حالياً كتبت من أكثر من 50 سنة، وتناولت أحداثاً اجتماعية وسياسية، مثل الاحتلال الإنجليزي وثورة 1919 وغيرها، كما قدمت نماذج اجتماعية جديرة بالبحث والدراسة مثل شخصية سي السيد على سبيل المثال، التي يعرفها كل مصري حتى لو لم يقرأ لنجيب محفوظ، أو التباينات الكبيرة في صورة المرأة في أعماله التي تراوحت ما بين الضعيفة والمستسلمة والشديدة القوة".

 

وتضيف صابر "عبر محفوظ عن قيم وأفكار كانت سائدة في فترة زمنية دارت فيها رواياته المستوحاة من المجتمع ومن حياة الناس، هناك ضرورة للبحث تأثير شخصياته وأفكاره على المجتمع من خلال رؤية المثقفين والمتخصصين وعوام الناس في هذا الأمر، ويمكن أن يكون هذا محل تساؤل يدفع إلى إعادة القراءة والنقد بمنظور مختلف، كما يمكن أن تركز الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة في هذا المجال على هذه النوعية من الأبحاث، في الوقت نفسه هناك ضرورة لإعادة نقد الأعمال التي تسببت في أزمات مثل رواية ’أولاد حارتنا‘، التي قرأها بعضهم بمنظور ضيق وصدر للناس أفكار معينة عن نجيب محفوظ".

وتؤكد "رحل محفوظ من 20 عاماً، والجيل الذي ولد في هذه الفترة أو قبلها بسنوات لم يعاصره، وغالباً لا يعرف إلا القليل عن أعماله، وكل ما يتعلق بها مثل الأفلام السينمائية التي قدمت لرواياته وبالتواكب مع هذا الحدث هناك ضرورة لإعادة عرض هذه الأعمال، سواء في وسائل الإعلام أم الإشارة إليها بأشكال مختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي لاستهداف الشباب، ففي هذا العصر هناك ضرورة لتقديم محتوى رقمي عن نجيب محفوظ يخاطب هذه الفئة، وقد يدفعها إلى قراءة أعماله، مع أهمية إقامة فعاليات عامة يشارك فيها الجمهور العادي لا فقط رواد الفعاليات الثقافية".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة