Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تفضل إيران استخدام صواريخ الوقود الصلب؟

لا تتطلب عملية التحضير لإطلاقها سوى دقائق معدودة

يعود برنامج إيران المكثف للصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب إلى حقبة التسعينات (رويترز)

ملخص

من المرجح أن تعتمد بنية القوة الناشئة التي تحرك برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بصورة أكبر على الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، وأن تحافظ في الوقت ذاته على صواريخها التي تعمل بالوقود السائل كمكون استراتيجي لمهام الضربات الثقيلة ولضمان قدرة انتقامية موثوقة طوال فترة الصراع.

باتت إيران في الأعوام الماضية تمتلك أضخم ترسانة صاروخية وأكثرها تنوعاً في الشرق الأوسط، إذ شملت ما يصل إلى ثمانية تصاميم لصواريخ باليستية تعمل بالوقود السائل وأكثر من 10 أنظمة تعمل بالوقود الصلب.

وخلال جولات القتال الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أطلقت إيران أكثر من 2000 صاروخ باليستي في أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك 580 صاروخاً استهدفت إسرائيل وأكثر من 550 صاروخاً استهدفت دولة الإمارات، واخترقت قرابة 170 من هذه الصواريخ الدفاعات الإقليمية وأصابت أهدافها. وقد استهدفت الهجمات الإيرانية، التي تم التصدي لبعضها، أراضي حليفة لحلف شمال الأطلسي في تركيا، وامتدت لتشمل القاعدة المشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في "دييغو غارسيا" بالمحيط الهندي.

والحال أن التقييمات العسكرية تشير إلى اعتماد إيران المتزايد على صواريخ الوقود الصلب، فلماذا تفضل إيران هذا النوع من الصواريخ، وما دور الصين في تعزيز ترسانة إيران من صواريخ الوقود الصلب، وما أهم منشآت لتصنيع الصواريخ الإيرانية؟

الميزة العملياتية للصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب

لا تتطلب عملية التحضير لإطلاق الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب سوى دقائق معدودة، مقارنة بالساعات التي تستغرقها الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل. وبحلول نهاية عام 2024، بدأت إيران في إطلاق صواريخ باليستية متوسطة المدى أكثر تطوراً تعمل بالوقود الصلب، مثل "فتاح-1" و"خيبر شكن"، مستهدفة مجموعة محددة من الأهداف العسكرية. وعلى رغم أن طهران لم تتخل تماماً عن صواريخها التي تعمل بالوقود السائل، فإن نمط الاستخدام المتطور هذا يعكس مفهوماً عملياتياً يركز على سرعة التحضير وتقليل فرص رصدها من قبل الدفاعات المعادية.

وقد عززت حرب الأيام الـ12 عام 2025 هذا المفهوم العملياتي، إذ لا تزال صواريخ "شهاب-3" و"قدر" و"عماد" و"خرمشهر" (التي تستخدم وقوداً سائلاً أكثر تطوراً) تحتفظ بقيمتها بالنسبة لإيران لقدرتها على حمل رؤوس حربية ثقيلة لمسافات طويلة، غير أن متطلبات التزويد بالوقود ودورات الإطلاق الأطول لهذه الصواريخ تحد من معدلات إطلاق الدفعات الصاروخية وتزيد من انكشاف إيران أمام عمليات الرصد والضربات الاستباقية، لا سيما عند مقارنتها بصواريخ "فتاح-1" و"الحاج قاسم" و"خيبر شكن" التي تعمل بالوقود الصلب.

كيف تطورت صواريخ الوقود الصلب الإيرانية؟

يعود برنامج إيران المكثف للصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب إلى حقبة التسعينيات، حيث أثمر ذلك العمل في البداية عن تزويد طهران بصاروخ "فاتح-110" الذي يعمل بالوقود الصلب، مع توفر نسخ لاحقة قادرة على حمل رأس حربي يزن حوالى نصف طن. وقد تحسنت دقة الصاروخ باطراد مع تصنيع إيران نسخاً أكثر تطوراً، إذ أسهم استخدام رؤوس حربية قياسية ومحركات دفع مركبة تزداد حجماً تدريجاً في تحويل أنظمة الوقود الصلب الإيرانية إلى سلاح متزايد القوة.

أضاف صاروخ "فاتح-313" الذي كشفت عنه طهران عام 2015 هيكلاً مركباً للمحرك، ونظام ملاحة بالقصور الذاتي متطوراً، وقدرات توجيه في المرحلة النهائية من الطيران، ومدى يصل إلى 500 كيلومتر. وفي عام 2016، ظهر صاروخ "ذو الفقار" القادر على حمل الحمولة ذاتها لمسافة تصل إلى أكثر من 700 كيلومتر، وتلا ذلك ظهور صاروخ "دزفول" عام 2019، الذي يتشابه في مظهره الخارجي مع سابقيه، لكنه قادر على بلوغ مدى يصل إلى نحو 1000 كيلومتر، ومزود برأس حربي أكثر تدميراً.

أما صاروخ "الحاج قاسم" الذي كُشف عنه عام 2020 فقد وسّع نطاق هذه العائلة من الصواريخ ليصل إلى أكثر من 1200 كيلومتر، وقد استخدمت إيران النسخ المشتقة كافة من طراز "فاتح-110" الأساس، بما في ذلك "الحاج قاسم"، خلال مواجهاتها الأخيرة.

ويمثل صاروخ "خيبر شكن" وهو صاروخ باليستي متوسط المدى يعمل بالوقود الصلب ويمكن نقله برياً، وكشف عنه "الحرس الثوري" عام 2022، مرحلة انتقالية بين الفئتين التكتيكية والاستراتيجية في ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية. وتشير التقارير إلى أن "خيبر شكن" يتمتع بمدى يبلغ بين 1400 و1450 كيلومتراً، وهو قادر على المناورة أثناء توجيهه نحو الهدف، مما يشكل ضغطاً على الدفاعات الجوية المعادية.

إلى ذلك يمثل صاروخ "سجيل-2"، ثنائي المراحل، والمتنقل برياً، رأساً حربياً استراتيجياً ضمن أنظمة الوقود الصلب الإيرانية، ويُقال إن هذا الصاروخ قادر على حمل رأس حربي يزن 1497 كيلوغراماً لمسافة تزيد على 2000 كيلومتر. وبعد اختباره بين عامي 2008 و2011، عاد "سجيل-2" للظهور عام 2021 مع تحسينات في نظام التوجيه، إلا أن جاهزيته القتالية الكاملة لا تزال غير مؤكدة على رغم بعض التقارير التي تُشير إلى استخدامه في عمليات قتالية عام 2026.

أهمية الصين في إنتاج الوقود الصاروخي الصلب

يتسم إنتاج الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب بالتركز الصناعي والحساسية تجاه الاختناقات الإنتاجية، ويتطلب هذا النوع من الصواريخ خلاطات صناعية ضخمة، وهي معدات ثقيلة تُستخدم لخلط المكونات اللازمة لإنتاج وقود الصواريخ الصلب. كما تتطلب هذه الصواريخ إمدادات مضبوطة من المواد الأولية (السلائف الكيماوية) للوقود، وبنية تحتية لعمليات الصب والمعالجة، وهياكل محركات مركبة، وأنظمة توجيه، ورؤوس بحث وتوجيه نهائي في بعض الطرازات المتقدمة.

وتكمن أهمية الصين بالنسبة لجهود إيران الرامية لاستعادة قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية بصورة أساسية في مساعدة طهران على معالجة تحديات صناعية خطرة، وتكشف التقارير التي تتحدث عن اعتراض شحنات مقبلة من موانئ صينية وعرقلة شحنات الخلاطات، عن مدى اعتماد طهران على الآلات الأجنبية، وليس من قبيل المصادفة أن الخلاطات التي تم اعتراضها تُستخدم لإنتاج الوقود الصلب الذي تعتمد عليه إيران في عائلات صواريخها: "فتاح-1"، و"خيبر شكن"، و"الحاج قاسم"، و"سجيل".

وعلى رغم أن البنية التحتية الإيرانية لتصنيع الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب تستخدم منشآت تخزين تحت الأرض، فإنها تعتمد أيضاً على عمليات معقدة ومتعددة، إذ تربط جهود إيران في هذا المجال بين معالجة السلائف الكيماوية، وإنتاج الوقود، وتجميع محركات الصواريخ، وبين قدرات الاختبار والتخزين والنشر الموزع. ومن شأن إلحاق الضرر بأي مركز حيوي، لا سيما معدات الخلط المتخصصة أو البنية التحتية للاختبار، أن يعوق سلسلة الإنتاج بأكملها، لذلك، يجد "الحرس الثوري" الإيراني أن إعادة بناء المنشآت المادية أسهل من إعادة تكوين تدفقات المواد الكيماوية الخاضعة للرقابة، وإمدادات المعدات المتخصصة، وعمليات مراقبة الجودة، وفرق الإنتاج الماهرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لإمدادات "بيركلورات الصوديوم" القادمة من الصين بالنسبة لطهران، إذ يمكن لإيران تحويل هذا المركب الكيماوي إلى "بيركلورات الأمونيوم"، وهي المكون الرئيس المستخدم في أنظمة الوقود الصاروخي الصلب. وبعد ذلك، تستطيع طهران استخدام هذه المادة لتغذية عمليات الخلط والصب الصناعية التي تنتج محركات الصواريخ الكاملة.

وتشير التقديرات إلى أن 1000 طن من "بيركلورات الصوديوم" يمكن أن تنتج ما يقرب من 960 طناً من "بيركلورات الأمونيوم"، وهي كمية تكفي لتصنيع نحو 260 صاروخاً باليستياً متوسط المدى يعمل بالوقود الصلب. كما تشير البيانات المتاحة حول الشحنات المحتملة لـ "بيركلورات الصوديوم" إلى أن سفينتين فحسب يمكنهما نقل ما يصل إلى 1000 طن من هذه المادة في عملية نقل واحدة. وبالتالي، فإن ما يقرب من 10 آلاف طن من مادة "بيركلورات الصوديوم" قد توفر لإيران إمدادات كافية من هذا المركب الكيماوي لإعادة بناء ترسانتها الصاروخية الباليستية بالكامل تقريباً.

منشآت إيران لصواريخ الوقود الصلب

تتوزع البنية التحتية الإيرانية لتصنيع الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب على مجمعات متعددة، وتشمل هذه المنشآت كلاً من مجمع "خوجير" (الذي يُستخدم أيضاً لتصنيع أنظمة الوقود السائل)، ومجمع "بارتشين" الواقع في ضواحي طهران، ومجمع "شاهرود" الذي يقع على بعد حوالى 346 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة.

وقد استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المجمعات الثلاثة في صراعات سابقة، ففي أعقاب الضربات التي وقعت خلال "حرب الأيام الـ12"، كشفت صور الأقمار الاصطناعية المتاحة للعامة عن أن إيران قد شرعت في جهود سريعة لإعادة بناء هذه المواقع. وتُعد وتيرة هذه الجهود مؤشراً استراتيجياً مهماً، إذ ينظر النظام الحاكم في إيران إلى برنامجه الصاروخي باعتباره أداة محورية للقوة الوطنية، وهو مستعد لتخصيص موارد كبيرة كأولوية قصوى لإعادة بناء هذا البرنامج.

ما مستقبل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني؟

بعد كل ما ذكرناه يمكننا القول إن برنامج الصواريخ الإيرانية سيعتمد بصورة متزايدة على الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، إذ توفر هذه الأنظمة لطهران مزايا تشمل دورات إطلاق أسرع، وفرصاً أكبر للإخفاء، وقدرة أعلى على بقاء منصات الإطلاق، وإمكان شن هجمات صاروخية مكثفة بفعالية. ومع ذلك، ستحتفظ إيران بصواريخها التي تعمل بالوقود السائل للمهام التي تتطلب حمولات أثقل وقدرات ضرب بعيدة المدى.

على سبيل المثال، يتميز صاروخ "خرمشهر" الذي يعمل بالوقود السائل بـ"نصف قطر الخطأ الدائري"، ويتميز الصاروخ برأس حربي ثقيل من نوع "الشوتغن" (المتعدد الشحنات)، ما يجعله خياراً مناسباً لاستهداف القواعد العسكرية الكبيرة والمراكز السكانية، فضلاً عن تنفيذ هجمات الإغراق الصاروخي. وتعتمد صواريخ "قدر" و"عماد" وهي أيضاً أنظمة صواريخ باليستية تعمل بالوقود السائل بصورة أكبر على كثافة النيران، بينما يعتمد صاروخ "شهاب-3" على التأثيرات التدميرية واسعة النطاق.

لذا من المرجح أن تعتمد بنية القوة الناشئة التي تحرك برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بصورة أكبر على الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، وأن تحافظ في الوقت نفسه على صواريخها التي تعمل بالوقود السائل كمكون استراتيجي لمهام الضربات الثقيلة ولضمان قدرة انتقامية موثوقة طوال فترة الصراع.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير