ملخص
قبل أن تنتهي مهلة اعتماد اتفاق "4+4"، أعاد عقيلة صالح ومحمد تكالة من أنقرة لجنة "6+6" إلى الواجهة. خطوة تتجاوز خلافاً بين لجنتين إلى معركة أكبر، من يملك حق رسم الطريق إلى الانتخابات الليبية، المجلسان أم المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة؟
في السياسة الليبية لا تموت المسارات تماماً، بل تبقى معلقة إلى أن تستدعيها موازين القوى من جديد، هكذا عادت لجنة "6+6" التي صنعت القوانين الانتخابية عام 2023 إلى قلب المشهد، ليس بعد انهيار مسار جديد، وإنما بينما لا يزال اتفاق لجنة "4+4" الموقع برعاية الأمم المتحدة في الـ30 من أغسطس (آب) الماضي ينتظر قرار مجلسي النواب والدولة في شأن اعتماده.
من العاصمة التركية أنقرة، اتفق رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة على استئناف اجتماعات "6+6" خلال أيام، وسط استعداد تركي لاستضافتها، وشددا على أن "العملية السياسية يجب أن تجري ضمن الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي، وبما يحترم اختصاصات المجلسين، إضافة إلى ضرورة توحيد المناصب السيادية والسلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام المؤسسي".
بهذه البنود، بدا لقاء أنقرة أبعد من مجرد إحياء لجنة متوقفة، فهو يعيد طرح السؤال الأكثر حساسية في الأزمة الليبية، من يملك حق صناعة القاعدة التي ستقود البلاد إلى الانتخابات؟ هل هي لجنة "4+4" التي رعتها الأمم المتحدة ونجحت في جمع أطراف من الشرق والغرب حول تسوية جديدة، أم مجلسا النواب والدولة اللذان يستندان إلى الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي والتعديل الدستوري الـ13 في كون "6+6" الأداة صاحبة الاختصاص في إنتاج القوانين الانتخابية؟
مساران وشرعيتان
نص اتفاق "4+4" الموقع في طرابلس لمعالجة المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتسوية القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات.
وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه إن "التوقيع يمثل خطوة مهمة لتجاوز الانسداد السياسي والمؤسسي الذي عطل الانتخابات"، وينص المسار على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أجل لا يتجاوز 24 شهراً وفي ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات موحدة.
لكن القوة السياسية للاتفاق لم تمنحه تلقائياً قوة تشريعية، كما يرى الباحث الأكاديمي، محمد العنيزي، موضحاً أن "البعثة أحالته إلى مجلسي النواب والدولة ومنحتهما شهراً من تاريخ التوقيع لاعتماده، وأكدت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام ستيفاني خوري، أن الاتفاق يرمي إلى كسر الجمود، واستكمال تشكيل المفوضية ووضع الإطار القانوني للعملية الانتخابية".
وأضاف "هنا تكمن حساسية تحرك أنقرة، فعوض أن يتجه المجلسان مباشرة نحو قبول أو رفض النص المحال إليهما، اتفق رئيساهما على إعادة الجهة التي سبق أن أنتجت قوانين الانتخابات إلى العمل، وهو ما يمكن قراءته، سياسياً في الأقل، على أنه محاولة لإعادة مركز الثقل من (4+4) إلى (6+6)، ومن مسار تشرف عليه البعثة إلى مسار تتحكم المؤسستان التشريعيتان في تفويضه ومخرجاته".
وكان رئيس مجلس الدولة محمد تكالة تبنى هذا الموقف قبل توقيع اتفاق "4+4"، ففي رسالة إلى المبعوثة الدولية هانا تيتيه اعتذر عن عدم حضور مراسم التوقيع، قائلاً إن اللجنة "تفتقر إلى الشرعية"، وإن "القضايا الجوهرية المتعلقة بالمسار السياسي والانتخابي لا يمكن تقديمها كتوافق وطني من خلال مسار محدود التمثيل لم يكن مجلس الدولة شريكاً في صياغته".
وشدد تكالة على أن "دور الأمم المتحدة ينبغي أن يكون تمكين المؤسسات الليبية من صناعة التوافق، لا دعوتها لاحقاً لمنح الشرعية لمخرجات لم تشارك فيها".
ولم يبقِ مجلس الدولة اعتراضه في حدود المخاطبات الرسمية، ففي الثامن من سبتمبر (أيلول) أسقط عضوية عبدالجليل الشاوش وعلي عبدالعزيز على خلفية مشاركتهما في لجنة "4+4" وتوقيعهما على مخرجاتها "من دون تفويض أو إذن من المجلس"، بعد قرار سابق بتجميد عضويتهما.
أما عقيلة صالح، فاتخذ موقفاً أقل صداماً لكنه وضع منذ البداية شرطاً واضحاً، إذ أعلن في يوم توقيع الاتفاق دعمه للمبادرات التي تقود إلى الانتخابات، لكنه أكد أن أي "تفاهمات لا ينبغي أن تتعارض مع الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي"، وأن "مجلس النواب سيتخذ موقفه عندما يعرض الاتفاق عليه"، وهي الصيغة نفسها تقريباً التي تحولت لاحقاً إلى أرضية البيان المشترك مع تكالة في أنقرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جوهر الخلاف
وينوه العنيزي إلى أن "الصراع ليس إجرائياً فقط، فـ(4+4) أعادت صياغة أجزاء أساسية من التسوية الانتخابية التي أنتجتها (6+6)، ففي الانتخابات الرئاسية أبقت القانون (رقم 28) لعام 2023 أساساً، مع تعديلات تسمح بترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية وفق ضوابط محددة، وتفك الارتباط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية".
وتابع "أما بالنسبة إلى الانتخابات التشريعية، فعادت إلى القانون (رقم 10) لعام 2014 القائم على الانتخاب الفردي، مع إمكان مشاركة أعضاء الأحزاب كأفراد، بدلاً من القانون (رقم 27) لعام 2023 الذي أنتجته (6+6) واعتمد نظاماً مختلطاً يسمح بمشاركة القوائم الحزبية".
انقسام مجلس الدولة
لكن مجلس الدولة نفسه ليس كتلة موحدة ضد الاتفاق، فعضو المجلس منصور الحصادي دعا مجلسي النواب والدولة إلى "التعاطي الإيجابي واعتماد الاتفاق النهائي للجنة المصغرة"، مطالباً بـ"إلزام البعثة باستكمال خريطة الطريق وفق توافق واسع وجدول زمني ملزم، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على تهيئة البلاد للانتخابات".
في المقابل، قال عضو المجلس نوح المالطي إن "مخرجات (4+4) لا تخدم التفاهم بين المجلسين، وإنها غيرت مسائل سبق أن جرى التوافق عليها عبر (6+6)".
أما مقرر مجلس الدولة بلقاسم دبرز، فذهب إلى أن "اللجنة لا تمثل الأطراف المحلية"، في مؤشر إلى أن معركة اعتماد الاتفاق ستجري أيضاً داخل المؤسسات نفسها، وليس فقط بينها وبين الأمم المتحدة.
وسيط مثير للجدل
مكان اللقاء الذي حصل فيه الاتفاق بين رئيسي البرلمان ومجلس الدولة يضيف بعداً آخر للمشهد، فأنقرة، التي احتفظت طوال أعوام بنفوذ واسع في غرب ليبيا، وسعت في الفترة الأخيرة قنواتها مع مؤسسات وقيادات الشرق، وشارك رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في الاجتماع مع صالح وتكالة، وأعلنت تركيا استعدادها لاستضافة "6+6"، وتناولت محادثاته معهما، وفق وكالة الأناضول الحكومية، "الوحدة السياسية والعسكرية والاستقرار والتعاون بين البلدين".
الصحافي الليبي الصديق الورفلي، يرى في هذا السياق أن "تركيا تحاول الانتقال من موقع الطرف المؤثر إلى موقع الوسيط القادر على جمع مؤسسات متنافسة، لكن نجاحها سيقاس، بقدرتها على تحويل استئناف (6+6) إلى تفاهمات عملية، لا بمجرد استضافة الاجتماعات، خصوصاً أن اللجنة نفسها سبق أن أنتجت قوانين بقي تنفيذها معلقاً بفعل الخلافات السياسية".
كذلك يشير إلى أن "اتفاق أنقرة لا يعني حتى الآن في الأقل سقوط اتفاق (4+4)، فالاتفاق يحظى بغطاء أممي ودعم دولي، ورحب مجلس الأمن بالتقدم المحرز ودعا إلى البناء عليه، بينما لا يزال العد التنازلي لمهلة اعتماد الاتفاق مستمراً، كذلك أن بعض عناصر الاتفاق يمكن دمجها نظرياً في أي تفاهم جديد تنتجه (6+6)، لكن عودة اللجنة الأخيرة تعني أن النص الموقع في طرابلس لم يعد الطريق الوحيد على الطاولة".
وأوضح أنه "من هنا تبرز ثلاثة احتمالات، أن تتحول (6+6) إلى منصة لتعديل (4+4) واحتوائه داخل تسوية يقبلها المجلسان، أو أن يستخدمها صالح وتكالة لإنتاج بديل يسقط عملياً الاتفاق الأممي، أو أن تمضي البعثة بعد انتهاء المهلة نحو آلية وطنية أوسع، فتجد ليبيا نفسها أمام مسارين متوازيين يتنازعان الشرعية بدلاً من مسار واحد يقود إلى صناديق الاقتراع".