ملخص
تتغير ملامح السينما الإيرانية مع اتساع الهوة بين المخرجين والرقابة. من الإنتاج السري إلى المنفى، يبحث أربعة مخرجين عن مساحة للحرية، فيما تتحول أفلامهم إلى تأملات في القمع والتسوية والهوية والاقتلاع، وتؤكد أن مغادرة الوطن لا تعني بالضرورة التحرر منه.
من داخل إيران، وكذلك من ألمانيا وفرنسا والمنفى. عبر مخرج لا يزال يوجه كاميرته نحو طهران، وآخر يقول إنه لم يعد قادراً على العمل داخل النظام، ومخرجة اكتشفت أن الهجرة قد تعني أيضاً حرية فنية، ومخرج رسوم متحركة مدتها 10 دقائق تختزل المنفى في صورة بالغة البساطة: رجل فر من الحرب، لكنه لا يستطيع الهرب من ذكرياتها.
أربعة مخرجين، وأربع علاقات مختلفة بإيران، وسؤال واحد في النهاية: أين يستطيع المخرج الإيراني أن يكون حراً اليوم؟
يأتي أبرز جواب في البندقية من علي أصغري.
فيلمه "كمي نور" (بصيص من النور) Kami Nour، هو الفيلم الإيراني المشارك في المنافسة على جائزة الأسد الذهبي هذا العام. وتولى إنتاجه، من بين آخرين، ميلاد خسروي. تدور أحداث الفيلم حول طبيب أغلقت عيادته بعد اعتقاله. وقد فقد الأمل في بلده ومستقبله، وقرر أن ينهي حياته. يقضي اليوم الذي يعتقد أنه سيكون الأخير في حياته متنقلاً بين أشقائه ووالدته.
لكن "بصيص من النور" ليس في جوهره فيلماً عن الموت، بل عن تلك الأشياء الصغيرة، شبه الخفية، التي تمنعنا من الاستسلام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يصف أصغري الحياة المعاصرة في إيران بأنها مثقلة بالضيق الاقتصادي وعدم اليقين السياسي والحرب التي تلقي ظلالها دائماً، لكن سينماه تعود دائماً إلى شيء يظل حياً بعناد تحت كل ذلك: أناس يعتنون ببعضهم بعضاً.
ولعل هذا ما يجعل أصغري شخصية لافتة في السينما الإيرانية المعاصرة. فأفلامه سياسية من دون أن تتصرف كبيانات سياسية. النظام حاضر في كل مكان، وكذلك العبث، وكذلك الحنان. وكثيراً ما تكون الكوميديا حاضرة أيضاً.
الفيلم الذي تحول إلى واقع
التقيت أصغري العام الماضي في مراكش، خلال عرض فيلمه "الكوميديا الإلهية" Divine Comedy، وهو فيلم تبدو فكرته اليوم وكأنها تنبأت بما سيحدث على نحو غريب.
يحكي الفيلم عن مخرج صنع فيلماً ترفض السلطات الإيرانية منحه الموافقة. فيقضي أيامه متنقلاً في طهران مع منتجه، محاولاً العثور على صالة سينما سرية تقبل عرض الفيلم على رغم ذلك.
كل شيء في الفيلم مضحك ومحبط، وفي بعض لحظاته يكاد يذكر بأفلام وودي آلن: فنان عالق داخل بيروقراطية عبثية إلى حد تصبح معه مقاومة النظام نفسها مثاراً للكوميديا.
بعد عام، جلست في البندقية مع المخرج محسن قرائي والمنتج ميلاد خسروي، فسمعت ما بدا وكأنه النسخة الواقعية من قصة أصغري المتخيلة.
لإنجاز فيلم "بيت يتهاوى" Falling House (العنوان الإيراني للفيلم "مراقب" Moragheb)، قدم قرائي إلى السلطات الإيرانية سيناريو، ثم صنع فيلماً آخر.
أتاح السيناريو الوهمي للعملية الإنتاجية الحصول على التصاريح اللازمة. وبعد ذلك، صور قرائي الفيلم الذي أراد فعلاً صنعه، متخذاً احتياطات خاصة أثناء تصوير أكثر مشاهده حساسية. وصور بعضها بحضور عدد محدود جداً من أفراد طاقم العمل.
يصعب ألا نلاحظ المفارقة. ففي "الكوميديا الإلهية" يبتكر مخرج حيلاً للإفلات من الرقابة، أما في "بيت يتهاوى"، فينفذ مخرج آخر الأمر فعلياً.
لكن القليل جداً مما حدث بعد ذلك يمكن وصفه بالكوميدي. فقرائي لم يكن مخرجاً معارضاً مغموراً يعمل من هامش السينما الإيرانية، بل كان العكس تماماً. يقول خسروي: "قدم محسن ثلاثة أفلام ناجحة جداً في إيران... حققت نجاحاً كبيراً على مستوى شباك التذاكر والجوائز، محلياً ودولياً".
ولأعوام، تمكن قرائي من صناعة أفلام داخل البلاد، على رغم الصعوبات المتزايدة التي واجهها مع السلطات.
لكن، كما يقول خسروي، جاءت لحظة لم يعد فيها التكيف ممكناً.
ويضيف، "وصلنا إلى نقطة لم يعد فيها تقديم مزيد من التنازلات ممكناً، ولا الاستمرار في قبول الأمر الواقع".
وبالنسبة إلى قرائي، لا يمكن فصل تلك القطيعة عن حركة ’المرأة، الحياة، الحرية‘ التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني عام 2022. ويقول: "كانت حركة ’المرأة، الحياة، الحرية‘ أهم انتفاضة ثورية في إيران، وقد دفعتني فعلاً إلى التوقف عن قبول كل ذلك".
ويؤكد خسروي الأمر بالقدر نفسه من الحسم: "لقد غيرت [الحركة] كل شيء. كان ذلك تحولاً اجتماعياً كبيراً جداً في بلدنا".
"لماذا نساير؟"
في ظاهره، يبدو فيلم "بيت يتهاوى" حكاية عائلية.
ثلاثة أجيال من النساء اللاتي يعشن تحت سلطة رب الأسرة، فيما تواجه العائلة احتمال فقدان منزلها. وما يبدأ بتنازلات صغيرة ومساومات محدودة، يتحول تدريجاً إلى شيء أكثر قتامة. يتكيف الجميع، والجميع يقدم تنازلات. يخفون أشياء ويكذبون ويتلاعبون بالظروف، ويقنعون أنفسهم بأن التنازل المقبل سيكون الأخير. إلى أن يبلغوا نقطة لا يبقى فيها مجال للتراجع.
وأنت تشاهد الفيلم، يصعب ألا ترى في هذه العائلة شيئاً أكبر منها. ويستخدم قرائي مساحة الأسرة الصغيرة عن قصد، بوصفها صورة للمجتمع بأسره، بما يتيح لملايين المشاهدين رؤية أنفسهم فيها.
لا يفرض قرائي هذا التأويل على المشاهد، لكن حديثنا ينتقل، حتماً، من المنزل إلى البلد.
يسأل: "لماذا نساير؟"، وهو سؤال بسيط حد القسوة.
ويقول: "ندرك في مثل هذه المواقف أنه كان بإمكاننا فعل شيء قبل 20 عاماً. كان بإمكاننا أن نقول شيئاً. لماذا لم نفعل؟"
وهذه الآلية تحديداً هي ما يشغله في "بيت يتهاوى".
ويقول: "في البداية، تحاول العائلة تقديم التنازلات، وتحاول التفاوض وحل الأمور عبر الإخفاء أو الكذب أو التلاعب، فقط لكي تستمر".
لكن المجال المتاح من حولهم يبدأ يضيق أكثر فأكثر.
ما يصفه قرائي ليس مجرد سلطوية تفرض من أعلى، بل عملية تطبيع بطيئة معها، تلك اللحظة التي يصبح فيها البقاء داخل النظام مشروطاً بالمشاركة في منطقه.
ثم يأتي يوم يصبح فيه التعايش الذي أتقنته مع النظام، مستحيلاً.
وخلال حديثنا، أذكر فيلمين آخرين شاهدتهما في البندقية: "أصدقائي غير المرغوب فيهم" My Undesirable Friends لجوليا لوكتيف، عن نفي معظم الصحافيين الروس المستقلين، و"هل قتلت أشخاصاً يا سيد نيلسون؟" Did You Kill People, Mr Nelson لشينيا تسوكاموتو، عن محارب قديم في فيتنام يناضل ضد الحرب. عملان مختلفان جداً، لكنهما يبدوان وكأنهما يوجهان التحذير نفسه: يمكن أن يحدث هذا هنا أيضاً. ويمكن أن يحدث لأي شخص، لأطفالك، ولوطنك، وفي غضون يوم واحد قد تجد نفسك بلا وطن.
يفهم قرائي الصلة على الفور، ويقول: ""نحن تلاميذ روسيا الجيدون، فهي معلمتنا!"
ثم يضيف بصوت يقترب من الهمس: "انتبهوا إلى ما يحدث. ماذا ستفعلون حياله؟ هذه في الحقيقة واحدة من الرسائل الأساسية للفيلم".
لكن هذا التحذير جاء بالنسبة إلى قرائي بثمن باهظ على الصعيد الشخصي.
فهو يعيش الآن في المنفى. تمت مصادرة منزله وأصوله في إيران، وتلقى هو وعائلته تهديدات بالقتل. وقال إن العودة إلى إيران ستعني، على الأرجح، السجن. وازدادت الضغوط بعد فيلم "بيت يتهاوى" وكذلك عقب تصريحات أدلى بها عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في وقت سابق من هذا العام.
ويقول خسروي إن رد الفعل شمل حملة في وسائل إعلام مرتبطة بالدولة، وآلاف الرسائل التي حملت تهديدات.
لكن عندما أسأل قرائي عما إذا كان قراره العمل خارج إيران نهائياً، تأتي إجابته أقل حدة مما قد توحي به ظروفه.
فهو يصفه بأنه "قرار موقت".
لأنه يحب إيران، ولأن المنفى، حتى عندما يصبح ضرورياً، ليس هو نفسه الرغبة في الرحيل.
العثور على الحرية في المنفى
تتحدث هدى طاهري عن المنفى بطريقة مختلفة تماماً.
فهي تعيش في ألمانيا منذ أعوام، وفيلمها "وضعت يدي في الحديقة" I Put My Hand in the Garden، الذي أخرجته بالاشتراك مع بوريس هادجيا، يبدو تقريباً عصياً على وضعه داخل التصور التقليدي لـ"السينما الإيرانية". وربما تكمن الفكرة تحديداً في ذلك.
تتنقل أعمال طاهري بحرية بين المنفى والجنس والجسد الأنثوي والأمومة والإجهاض والهجرة والأسرة والرغبة. إيران حاضرة فيها، لكنها بصمة واضحة في كل مشهد.
وعندما أسألها عن الانتماء إلى سينما وطنية، تشكك في الفكرة نفسها.
تقول إن هناك توقعاً بأن يؤدي المخرجون بطريقة ما أدواراً تمثل بلدانهم الأصلية. "أنت من إيران، إذاً تصنع هذا النوع من السينما... أنت من صربيا، إذاً تصنع هذا النوع من الأفلام. إيران لم تمول فيلمي، لكنني إيرانية وأتقاضى أجراً، فهل يمكننا القول إن هذا الفيلم إيراني؟" تسأل بصدق.
لكن العمل مع هادجيا، الذي ينحدر من خلفية بلقانية، كشف لها شيئاً آخر. فالثقافات التي يفترض أنها متباعدة يمكن أن تتشارك أوجهاً شبه حميمية، فيما تستطيع الهجرة أن تعيد خلط هذه التصنيفات برمتها.
تقول باحثة عن تعبير أدق: "عندما تهاجر، تصبح حراً بطريقة ما... تتحرر قليلاً من حمل كل هذا الإرث معك".
ولا تعني تلك الحرية رفض المكان الذي أتيت منه، بل اختيار ما تريد الاحتفاظ به منه.
تتابع: "يمكنك أيضاً أن تأخذ منه الجزء الذي تريد، وأن تنتظم في ما يتيحه لك المنفى".
وبعد أعوام في الخارج، تقول إنها شعرت "بالسعادة لأنني لست مضطرة حتماً إلى حمل أشياء لا تعنيني. قلت لنفسي: حسناً، يمكنني أن أضع هذه الحمولة جانباً".
قد يكون هذا واحداً من التعريفات الأكثر إثارة للاهتمام للمنفى التي سمعتها في البندقية.
فالأمر لا يتعلق ببساطة بفقدان وطن، بل بوضع بعض أحماله جانباً، والعثور على صوتك الخاص، بعيداً من القيود الثقيلة.
لكن طاهري تحرص على ألا تضفي طابعاً رومانسياً على المسافة. وتذكرني مراراً بأنها لم تعد إلى إيران منذ أعوام، ولذلك لا تريد أن تعطي انطباعاً بأنها قادرة على التحدث عما يحدث هناك اليوم.
لكن ما تسمعه من أصدقائها يتلخص في أن مشهداً فنياً مستقلاً شديد التقدم يتشكل داخل إيران، ويتجاوز في بعض جوانبه ما ينجزه المخرجون الإيرانيون في الخارج.
في المقابل، أصبحت سينما طاهري مساحة يمكن أن تجري فيها، بصورة غير مباشرة، حوارات قد يكون من الصعب خوضها في الحياة.
تظهر والدتها مراراً في أفلامها. وتصف طاهري علاقتهما بأنها معقدة، وتقول إن السينما تحولت إلى وسيلة للتواصل معها، موضحة: "أحياناً كنت أجد صعوبة في التواصل معها بطريقة مباشرة، لذلك كان التواصل غير مباشر".
في أحد أفلامها، تأخذ طاهري حتى عبارة قالتها والدتها عن الإجهاض، حين وصفته بأنه خطيئة، وتجعلها تقولها مرة أخرى على هيئة حوار. تفهم والدتها الإشارة، لكن طاهري تقول إن السينما تجعل الأمر "أشبه بانتقاد شديد اللطف، ولذلك يصبح أسهل علينا نحن الاثنتين".
إنها سياسة سينمائية من نوع آخر، ليست مواجهة مع الدولة، بل إعادة تفاوض مع كل ما نرثه: الأسرة والدين والأنوثة والجنس والأمومة والجنسية.
وإذا كانت سينما قرائي تسأل متى تصبح المساومة غير محتملة، فإن سينما طاهري تطرح سؤالاً مختلفاً قليلاً: بعدما تغادر بلدك، من أنت حقاً؟
المنتج بين إيرانين
ثمة شخصية أخرى تصل هذه الحكايات ببعضها بهدوء: ميلاد خسروي.
فهو منتج فيلم "بيت يتهاوى"، وأحد المنتجين المشاركين في فيلم أصغري "بصيص من النور".
وتكتسب هذه الصلة أهميتها لأن الفيلمين يشغلان موقعين مختلفين تماماً في المهرجان: أحدهما في قسم آفاق، والآخر في المسابقة الرئيسة، لكنهما يخرجان من المشهد السينمائي الإيراني نفسه، وهو مشهد يتغير بسرعة.
يتحدث خسروي عن حركة "المرأة، الحياة، الحرية" لا باعتبارها مجرد حدث سياسي، بل باعتبارها نقطة تحول في ما كان الفنانون الإيرانيون مستعدين لقبوله.
كثيراً ما كانت المساومة جزءاً من المشهد، فالمخرجون الإيرانيون معروفون بمهارتهم في التعامل مع القيود والضوابط والرقابة، وقد خرج بعض أهم أفلام السينما الإيرانية تحديداً من خلال لغة الإيحاء.
لكن شيئاً ما تغير.
اتسعت المسافة بين السينما الإيرانية الرسمية والسينما التي أراد المخرجون فعلاً صنعها إلى حد لم يعد تجاهله ممكناً. بالنسبة إلى بعضهم، جاء الرد عبر الإنتاج السري، وبالنسبة إلى آخرين عبر الإنتاج المشترك دولياً، ثم المنفى كخيار أخير.
إن جغرافيا السينما الإيرانية تتغير، لأن جغرافيا صناعها تتغير هي الأخرى.
رجل عالق في زرقة البحر
تمتد هذه الجغرافيا أيضاً إلى فيلم "الأزرق البعيد" Distant Blue، وهو فيلم رسوم متحركة قصير لأمير هوشنك معين، مدته 10 دقائق، ويشارك في قسم "آفاق".
معين رجل إيراني ويعيش في فرنسا. فيلمه خالٍ من الحوار، وربما لا يحتاج إليه. صياد فر من الحرب ويعيش الآن على شاطئ ناءٍ. هو آمن جسدياً، لكن المنفى لم يحرره مما عاشه. تلاحقه ذاكرته، ويتخيل نفسه سمكة عالقة في شبكة. وفي النهاية يغوص في البحر، في منطقة ملتبسة بين الغرق والخلاص.
بعد كل ما دار من حديث عن الرقابة والتصاريح والعروض السرية والمساومة الفنية، تبدو بساطة صورة معين مؤثرة إلى حد الإيلام تقريباً.
فالمنفى يبدأ حيث تنتهي الرقابة. والخروج لا يعني بالضرورة الحرية. تحمل وطنك معك: لغته وعنفه وذكرياته وأمهاته وحروبه، وأحياناً شعوره بالذنب.
يتحدث قرائي عن خطر المساومة، فيما تتحدث طاهري عن أن يكون المرء صادقاً مع نفسه، متحرراً من إملاءات المجتمع. أما معين، فيجسد ثقل المنفى.
وفي "بصيص من النور" يظل أصغري منشغلاً بالروابط الإنسانية الهشة التي تجعل البقاء ممكناً حين يصبح المستقبل نفسه عسير التخيل. ودائماً ما تخوض شخصياته، على اختلافها، صراعاً مع نظام يريد تحطيمها، سواء كان ذلك الصراع مع النظام من حولها أو صراعاً في داخلها.
أربعة مخرجين، وأربعة مواقف مختلفة، لكن لا أحد منهم بعيد تماماً من إيران.
السينما الإيرانية خارج أسوار الوطن
لعقود، اعتاد الجمهور العالمي النظر إلى "السينما الإيرانية" بوصفها سينما وطنية واضحة الملامح، صاغتها الرقابة والاستعارة والابتكار الشكلي الاستثنائي، ومخرجون تعلموا كيف يقولون شيئاً بينما يبدون وكأنهم يقولون شيئاً آخر. لا تزال تلك السينما موجودة، لكن أخرى تنشأ إلى جوارها، سينما لم تعد بالضرورة تطلب الإذن، وأحياناً لا تطلبه حرفياً.
مخرج يقدم سيناريو زائفاً ويصور فيلماً آخر، وثانٍ يصنع كوميديا تتناول البحث عن سينما سرية لعرض فيلم محظور. ومخرجة ترفض أن تختزل عملها في الجنسية التي ولدت بها. وآخر يغادر إيران ويحول الحالة النفسية للمنفى إلى رسوم متحركة.
ما يجمع هؤلاء ليس أسلوباً واحداً، بل البحث عن مساحة يستطيعون فيها التعبير. ولعل هذا هو أكثر ما يلفت في السينما الإيرانية التي تصل إلى البندقية هذا العام: ليست مجرد حكايات عن القمع، بل عن اللحظة التي يرفض فيها الإنسان القمع وما يأتي بعدها.
في "بيت يتهاوى" تقضي عائلة قرائي أعواماً وهي تتكيف، قبل أن تطرح السؤال الذي يأتي متأخراً: لماذا سايرنا؟ وتستكشف طاهري الأسرة من قلب المنفى، فيما يجسد الصياد الذي يقدمه معين ألمه من خلال الرسوم المتحركة. أما أصغري، فيجد وسط الاضطراب السياسي واليأس، بصيصاً من النور في أولئك الذين يبقون على حياة بعضهم بعضاً.
قد يكون المنفى عقوبة وصدمة، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول، على نحو غريب، إلى مساحة خصبة للإبداع.
أحياناً، لا بد من مغادرة الوطن حتى يتمكن المرء من الحديث عنه بصوته الخاص.