Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمطار تسجن ذوي الإعاقة في خيام غزة البالية

دمرت الحرب الإسرائيلية نحو 2.8 مليون متر طولي من شبكات الطرق والشوارع مما عرقل تنقل الكراسي المتحركة والعكاكيز المهترئة

خسر 83 في المئة من ذوي الإعاقات المعدات التي تساعدهم مع عدم تمكن معظمهم من تحمل كلف معدات بديلة (أ ف ب)

ملخص

الآلاف من ذوي الإعاقة باتوا مكشوفين بالكامل لظروف الطقس القاسية مما يزيد المخاوف الصحية والإنسانية، وبخاصة في ظل نقص الأغطية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة، وباتوا عرضة لخطر الفيضانات بسبب إقامتهم داخل ملاجئ سيئة التجهيز

كانت سماء غزة ملبدة بالغيوم والأمطار تتساقط بغزارة من دون توقف، تحب فاتن فصل الشتاء وتعشق القطرات التي تسقط خلاله، بحماسة تجهزت لقضاء موعدها مع النقطة الطبية التي تتسلم منها أدويتها بعد إصابتها في الحرب، جهزت نفسها وبدأت تحرك بيديها الضعيفتين دواليب الكرسي المتحرك الذي أصبح ملازماً لها.

دفعت فاتن وحدها الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه، وخرجت من خيمتها التي تحولت لمأوى دائم بعد تدمير بيتها جراء الحرب الإسرائيلية على غزة، كانت تشعر بالمتعة لأنها ستذهب إلى النقطة الطبية والمطر سينهمر عليها وكأنها تعيش أجواء سينمائية رائعة تحب مشاهدتها.

تقبلت الإعاقة لكن غزة لم تتقبلها

خرجت فاتن والابتسامة لا تفارق وجهها، نشيطة تلقي الصباح والسلام على كل من يقابلها، وما إن بدأت طريقها حتى صادفت بركة مياه أمطار كبيرة تجمعت في الشارع وأغلقته وعرقلت حركة المارة، نظرت باستهجان للكرسي المتحرك وأوقفت عجلاته عن الدوران، حينها شعرت بالعجز واهتزت حالتها النفسية.

خلال الحرب على غزة أصيبت فاتن بشظية اخترقت ظهرها واستقرت في العمود الفقري، وعلى رغم التدخلات الطبية المنقذة للحياة لكنها أصيبت بشلل رباعي وفقدت القدرة على الحركة، وباتت تستخدم كرسياً متحركاً مهترئاً تقضي يومها جالسة عليه، ولا تفارقه إلا أثناء النوم.

عزيمة فاتن قوية، بسرعة تقبلت إعاقتها وعدم قدرتها على الحركة وحاولت التعايش معها، لكن الظروف المحيطة بها داخل مدينة حرب مدمرة بالكامل لم تساعدها كثيراً على تجاهل إعاقتها ومواصلة حياتها الجديدة من دون صعوبات وتعقيدات.

برك أمطار ووحل

تسمرت فاتن أمام بركة تجمع الأمطار في الشارع ولكنها لم تُصب باليأس، طلبت من المارة مساعدتها على قطع الطريق ودفع كرسيها المتحرك نحو الناحية الأخرى من السيول التي تجري بين ركام المنازل، وبالفعل حصلت على ذلك.

تقول "سقطت الأمطار بغزارة لمدة سبع دقائق فحسب، كنت أستمتع بالهطول ولكن لا أعرف أن غزة تحولت لمدينة ركام وأن البنية التحتية المدمرة غير قادرة على استقبال فصل الشتاء، انصدمت مع أول منخفض جوي وأيقنت أن أيام الغيوم ستكون مُرةً على ذوي الإعاقة".

لم تكن تجربة قطع الطريق الذي تجمعت فيه المياه وشكلت بركة قطرها خمسة أمتار بالأمر السهل حتى وإن دفعها مارة لا تعرفهم، وتضيف "علو المياه الراكدة عن الشارع وصل إلى 25 سنتيمتراً، مما يعني أن أكثر من نصف العجلات غرقت أسفل مياه الأمطار".

الكراسي المتحركة توقفها الأمطار

تبللت ملابس فاتن بمياه الأمطار المتسخة بعدما خالطت ركام المنازل المدمرة العالق بها مواد كيماوية خطرة بعد سقوط قنابل ضخمة عليها، أما عجلات كرسيها المتحرك فتعثرت بحصوات من الحجارة بصورة متكررة وكادت الفتاة تُطرح أرضاً.

تبدل حب فاتن للمطر عذاباً، وتتابع "في شوارع قطاع غزة المدمرة لم تعد الإعاقة الحركية مجرد مشكلة صحية، بل تحولت إلى معاناة يومية مضاعفة بفعل الدمار الواسع الذي لحق بالطرق والبنية التحتية، فالأرصفة التي كانت أصلاً غير مهيأة للاستخدام أصبحت اليوم مُحفَّرة ومُكسرة ومغمورة بالمياه، مما يجعل التنقل على الكراسي المتحركة شبه مستحيل".

المنخفض العاصف دمر مخيماً كاملاً لذوي الإعاقة

منذ يومين، يضرب خيام النازحين في قطاع غزة منخفض جوي بعواصف رعدية وأمطار غزيرة تسببت بغرق آلاف المآوي البالية، مما شكل كارثة إنسانية عجز الدفاع المدني عن التعامل معها بسبب نقص حاد في الوقود ومعدات الإنقاذ، وهو ما يهدد بوقف عمليات التدخل الإنساني خلال أية لحظة.

يقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل "الخيام في القطاع لا تصلح مطلقاً للعيش ولا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة، وبخاصة مع دخول فصل الشتاء واشتداد المنخفضات الجوية، إذ تتسرب إليها مياه الأمطار وتفشل في حماية الأطفال والنساء وكبار السن من البرد والرياح وتفتقر إلى شروط السلامة والخصوصية، وبسبب ذلك أصبحت مصدر معاناة وخطراً حقيقياً على حياة الناس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المنخفض الذي تسبب بكل هذه المعاناة له جانب آخر من الألم، إذ كشف الأوضاع المأسوية لذوي الإعاقة الذين غمرت المياه خيامهم التي تفتقر أساساً لأبسط مقومات الحياة، وبسببه دمرت الأمطار مخيماً يسكنه أكثر من 100 شخص من ذوي الإعاقة، الذين يعانون نقص الملابس والأسرة الملائمة لحالاتهم فضلاً عن الكراسي المتحركة والبطاطين والفرش الطبية.

كأنهم في سجن

بسبب المطر لم يعد ذوو الإعاقة قادرين على مغادرة خيامهم الغارقة نتيجة عجز ذويهم عن تحريكهم في الشوارع المدمرة التي أحالها المطر بركاً من الوحل، وظلوا داخل خيامهم الضيقة البالية وكأنهم داخل سجن محرومين من القيام بأي نشاط خلال أيام المنخفض الجوي.

بُترت ساقا كمال جراء الحرب، وبات يجد صعوبة بالغة في تسيير حياته اليومية وسط الدمار الحاصل داخل الشوارع، إذ يستخدم كرسياً متحركاً قديماً، وبسبب المنخفض الجوي أصبح تنقله مستحيلاً، يقول "الشوارع مليئة بالحفر والأنقاض، ومع المطر تتحول إلى برك لا تسمح بقطع الطريق، لقد اضطررت إلى أن أطلب من المارة مساعدتي لدفع الكرسي".

المشكلة التي تزيد صعوبة المنخفض الجوي أن الكرسي المتحرك الذي يستخدمه كمال قديم ومتهالك، والعجلات تهترئ بسرعة بسبب الطرق المدمرة، يضيف "خلال الأيام الممطرة لا أستطيع الخروج مطلقاً، لأن الماء يغرق الشوارع والكراسي تغوص في الوحل وكأنني عالق في مكان واحد".

الحال النفسية

يهتز كمال نفسياً ويشعر بالاختناق، ويوضح "كنت أذهب بنفسي إلى المركز الصحي لأخذ الأدوية، الآن أنتظر أن يذهب أي أحد نيابة عني، الإعاقة ليست في الجسد الإعاقة الحقيقية حين يصبح المكان حولك غير قابل للعيش".

لا يستطيع كمال تحريك الكرسي لأمتار قليلة بمفرده وهو ما بات يشعره بالعجز، مشيراً إلى أن "المطر أسوأ لحظات حياة ذوي الإعاقة، إذ تتحول الشوارع إلى مجارٍ طينية وأية حركة في الكرسي تصبح مغامرة، نحن آخر من تفكر الجهات المتخصصة في حاجاتهم".

مع دخول فصل الشتاء تضحى حياة ذوي الإعاقة قطعة من الجحيم، وتتحول الشوارع المدمرة إلى برك طينية وتصير الحفر العميقة مصائد خطرة ويصبح الانزلاق احتمالاً دائماً، والكراسي المتحركة التي بالكاد تتحرك على الأرض الجافة تتوقف تماماً في الطين، ويجد كثر أنفسهم معزولين داخل بيوتهم الآيلة للسقوط وخيامهم.

83 في المئة بلا أدوات مساعدة

تقول رنا "الخروج من الخيمة يعد مغامرة غير محسوبة العواقب، فالكرسي الكهربائي الذي كنت أعتمد عليه تضرر أكثر من مرة بسبب الحفر الكبيرة في الشوارع إلى أن تعطل تماماً، وتزيد الأمطار من تعقيد المشهد".

أصبح توفير الكراسي المتحركة السليمة والعكازات والأدوات الطبية المساعدة إضافة إلى إصلاح الطرق الحيوية ضرورة ملحة لضمان الحد الأدنى من الكرامة والحركة لآلاف الأشخاص، الذين فُرض عليهم أن يخوضوا يوماً بعد آخر معركة النجاة في شوارع يغطيها الوحل والدمار والركام.

وفقاً لبيانات اللجنة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للأمم المتحدة، فإن أكثر من 22500 مصاب حرب في غزة يعانون إصابات غيرت مجرى حياتهم وتتطلب خدمات إعادة التأهيل لأعوام مقبلة، وخسر 83 في المئة من ذوي الإعاقات المعدات التي تساعدهم مع عدم تمكن معظمهم من تحمل كلف معدات بديلة.

الصرف الصحي وشبكات الطرق

يقول المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك "آلاف من ذوي الإعاقة باتوا مكشوفين بالكامل لظروف الطقس القاسية، مما يزيد المخاوف الصحية والإنسانية، وبخاصة في ظل نقص الأغطية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة، وباتوا عرضة لخطر الفيضانات بسبب إقامتهم داخل ملاجئ سيئة التجهيز".

أما مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة يقول "ألقت إسرائيل نحو 100 ألف طن من المتفجرات تسببت بتدمير 88 في المئة من البنى التحتية في القطاع، ولم تكن شبكات الصرف الصحي بمنأى عن الدمار الإسرائيلي، حيث وثقنا تدمير نحو 655 ألف متر من شبكات الصرف الصحي داخل القطاع".

ويضيف الثوابتة "هذا التدمير تسبب بتوقف شبه كامل لخدمات الصرف الصحي مما أدى إلى تسرب المياه العادمة للمناطق المأهولة بالسكان، القصف الإسرائيلي والتفجير والتجريف للشوارع أدى لزيادة المعاناة في مواسم الأمطار".

ويوضح أن إسرائيل جرفت شوارع وطرقات في أنحاء مختلفة من قطاع غزة، وبلغ إجمال ما دُمر من شبكات الطرق والشوارع نحو 2.8 ألف متر طولي، وهذا ما يسبب مشكلات في تنقل ذوي الإعاقة خلال موسم الأمطار".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير