Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مش للكلّ" مسرحيّة ديستوبيّة تفضح هيمنة التكنولوجيا

عندما يضطرّ الإنسان إلى طلب إذن الآلة لنيل أبسط حقوقه البشريّة

"مش للكل"مسرحية لبنانية ديتسوبية (خدمة الفرقة)

ملخص

يقدّم كريم شبلي وسارا عبدو مسرحيّتهما الجديدة بعنوان "مش للكلّ"، بطولة سارا عبدو، مجسّدة دور النظام أو الآلة، ونور حجّار وإيلي متري بدوري الملفّ 981 والملفّ 264، على خشبة مسرح مونو (بيروت).

"مش للكل" عرض ديستوبيّ كوميديّ، يخلط بين النظرة السوداويّة إلى المستقبل وخفّة الظلّ التي اعتادها الجمهور من المخرجين والممثّلين الذين عُرفوا بأعمال مسرحيّة واقعيّة كوميديّة ناجحة.

يضطرّ جمهور "مش للكلّ" انتظار مرور دقائق متعدّدة من بداية العرض ليفهم ماذا يجري بالضبط وأين تدور الأحداث وما هي الظروف التي أوصلت الملفّ رقم 981 والملفّ رقم 264 إلى حيث هما اليوم. فنور نجّار وإيلي متري ما عادا ممثّلين ولا شخصيّتين، ولا حتّى رجلين من بيئتين مختلفتين وخلفيّتين مختلفتين، صارا في هذه المسرحيّة مجرّد ملفّين يخضعان لاختبارات كثيرة ومراحل صعبة لينجحا وينتقلا إلى المرحلة النهائيّة وينالا مأربهما ومطلبهما.

وفيما يدخل الجمهور المسرح متوقّعاً عرضاً له علاقة بالماء أو الخيانة أو مثلّث حبّ كما يمكن أن يوحي به الإعلان الدعائيّ المخصّص للمسرحيّة، يجد نفسه في دائرة رسميّة في لبنان ذات عام من الأعوام القادمة. يجد الجمهور نفسه في دائرة رسميّة مغلقة على رجلين يقومان باختبار بول وهو ما لا علاقة له بتاتاً بإعلان العمل، فهل هو فخّ أم أنّ للماء كنايات معيّنة؟

يتحوّل الذكور والإناث في مسرحيّة "مش للكلّ" إلى ملفّات، أرقام تقدّم طلبات للزواج والإنجاب وغيرها من الأمور الأساسيّة بانتظار أن يوافق عليها نظام الآلة، الـ System. إنّما قبل أن يوافق هذا النظام، لا بدّ من اختبارات وتجارب تتزايد صعوبتها قبل بلوغ المرحلة الأخيرة التي ينال عقبها الطالب مطلبه. أمّا كيف يختار النظام الفائز وكيف يعمل، فهنا يكمن اللغز.

الإنسان اللبناني

يكتشف الجمهور في هذا العرض رويداً رويداً، أنّه في زمن المستقبل "بعد الحرب العالميّة الرابعة" على الأرجح، في دائرة رسميّة لبنانيّة يسيطر عليها الذكاء الاصطناعيّ ويسخر فيها من الإنسان اللبنانيّ وميله إلى العواطف والمشاعر. وتفادياً لفضح أيّ معلومة ستزيل الغموض والإثارة والتشويق من العرض لمن سيشاهدونه، نكتفي بأن نقول بأنّ هذا العالم الغريب الغرائبيّ الذي تخلقه المسرحيّة هو عالم ديستوبيّ يخضع فيه الإنسان لحكم الآلة والذكاء الاصطناعيّ. أمّا ماذا يفعل هذان الرجلان/ الملفّان في الدائرة الرسميّة فهو أكبر مفاجأة في العرض.

يعيش الجمهور في مسرحيّة "مش للكلّ" زمناً مخيفاً قاتماً، هو زمن المستقبل الذي تسيطر فيه الآلة على الإنسان وعلى طلباته ورغباته وتوجّهاته الحياتيّة. قرار حياتيّ مهمّ يتّخذه الإنسان لكنّه يعجز عن تنفيذه من دون موافقة الآلة والدائرة الرسميّة الغريبة التي تتحكّم به. صوت أنثويّ بارد جافّ (سارا عبدو) يحرّك نور حجّار (الملفّ 981) وإيلي متري (الملفّ 264) ويأمرهما بتنفيذ أمور محدّدة لا يمكنهما أن يخالفاه فيها. ليكتشف الملفّان ومعهما الجمهور أنّ الأمر يتطلّب أن يخضع كلّ ملفّ إلى اختبارات ومراحل كثيرة، من اختبار بول إلى اختبار جسديّ فاختبار الذكاء واختبار نفسيّ وصولاً إلى الاختبار الأخير الذي يضع الملفّين في منافسة محتدمة. مئة اختبار واختبار لتحديد أهليّة كلّ ملفّ وقدراته ولتقرّر هذه الدائرة الرسميّة إن كانت ستمنح الملفّ مطلبه أم ستتركه معلّقاً.

في موقف عبثيّ وسيطرة عدميّة للآلة يترسّخ النمط الديستوبيّ الذي كُتبت به المسرحيّة، ديستوبيا سيطرة الآلة وعبوديّة الإنسان واختفاء الإرادة الحرّة وتحوّل البشر إلى ملفّات وأرقام. يخسر الإنسان في هذا الزمن المتخيّل وظيفته ودوره ومهنته وموهبته وتحتلّ الآلة مكانه. وحده الفنّان يبقى آخر من ينجو من طغيان اللآلة. ويجسّد هذا العرض السوداويّ بموضوعه - الكوميديّ بتفاصيله، المستقبل المعتم والخانق الذي ستعلق به البشريّة في السنوات أو العقود القادمة إذا ما ظلّت ناحية النحو الذي هي عليه من تعلّق بالآلة واعتماد على الذكاء الاصطناعيّ وتسليم الأمور كلّها إلى الإلكترونيّات والتكنولوجيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن اللافت أنّ أداء الممثّلين إنّما يكرّس موضوعات المسرحيّة وسوداويّتها وتراجيديّتها الديستوبيّة بكلّ مهارة. فمن ناحية نور حجّار وإيلي متري، فهما يوظّفان تاريخهما في الكوميديا خير توظيف ويرفعان من ألق النصّ في أماكن كثيرة. وبينما يجسّد حجّار شخصيّة الفنّان المتمرّد الثائر الذي يتعرّض للعقاب عند كلّ اعتراض، يأتي متري ليؤدّي دور المواطن الخاضع الخانع الذي يحاول أن يقنع الفنّان بتنفيذ الأوامر لتسريع العمليّة الإداريّة. يوظّف كلٌّ من متري وحجّار مهاراتهما الكوميديّة الهائلة لإضحاك الجمهور والتخفيف من حدّة الموقف، أمّا سارا عبدو التي تؤدّي دور الآلة فهي الأخرى إنّما تؤدّي دورها بكلّ تقنيّة وتماسك وجدّيّة باردة من حيث الصوت والحركة على المسرح وتعابير الوجه مانحة العرض الكثير من القوّة والحركة الدراميّة. تُضاف إلى هؤلاء الممثّلين الثلاثة، أصوات ممثّلين شاركوا في العرض بتسجيلات صوتيّة، منهم فؤاد يمين وسنتيا كرم وندى أبو فرحات وزينا دكّاش وغيرهم.

تجسّد هذه المسرحيّة رؤية مستقبليّة للعلاقات بين البشر، وللعلاقات التي ستقوم بينهم وبين الآلة التي يبدو أنّهم سيخضعون لها لا محالة. ويطرق النصّ المعروض ثيمات ديستوبيّة سوداويّة قاتمة بلغة مضحكة كوميديّة تنجح في مواضع كثيرة في تخفيف التوتّر والعدميّة المسيطرين. لكنّ النصّ يقع في مواضع متعدّدة في رتابة وهبوط في الإيقاع. يشعر الجمهور في مواضع وسط العرض بملل ورغبة بحدوث أمر جديد وغير متوقّع. إنّ التصاعد الدراميّ بطيء في أماكن كثيرة كما أنّ الديكور لم يُوظَّف كثيراً لتكريس فكرة زمن المستقبل. وظّف العرض عناصر نظريّة مختلفة مفيدة وغرائبيّة كعمامة الأفكار أو الطفلين البلاستيكيّين إنّما كان بالإمكان توظيف عناصر أكثر غرابة في الديكور لتعكس الزمن الذي تسرده المسرحيّة وهو المستقبل الذي تسيطر عليه الآلة والتكنولوجيا. حبّذا كذلك لو عكست ملابس الممثّلين حجّار ومتري غرائبيّة النصّ ورؤيويّته كما هي حال ملابس سارا عبدو التي تؤدّي دور الآلة والتي جسّدت بملابسها وأكسسواراتها مظهراً يليق بآلة قادمة من المستقبل.

مسرحيّة "مش للكلّ" هي فعلاً مسرحيّة غير مخصّصة للجميع، فهي دعوة لإعادة النظر بالاتّجاه الذي تسير فيه حياتنا كبشر، كما أنّها نوع من تحذير عنيف بعض العنف من نمط العيش الذي نحياه ومن هدمنا للقيم الإنسانيّة والقيم الحياتيّة والطبيعة. يسلّط هذا العمل الضوء على الوعي بإنسانيّتنا كما يطرق موضوعات حضور الآلة والذكاء الاصطناعيّ والإلكترونيّات الطاغي، وهيمنة التكنولوجيا هيمنة تدعو إلى التوجّس والتروّي والعودة إلى الأصول.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة