ملخص
قدمت فرقة الطائف للمسرح عرضها "الناعشون" داخل المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، من تأليف فهد ردة الحارثي وإخراج أحمد الأحمري. وهو عرض يطرح كثيراً من الأسئلة المتعلقة بإنسان هذا العصر الذي تحاصره الحروب والأوبئة.
تبدأ المسرحية السعودية "الناعشون" الذي قدمته فرقة الطائف للمسرح، في المسابقة الرسمية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، بمجموعة من الممثلين يحملون نعوشاً، ثم يضعونها على الأرض، ويقومون بالرقص حولها.
هكذا يضع العرض مشاهديه في حيرة منذ اللحظة الأولى، ويدفعهم إلى السؤال المبكر، من هؤلاء، ولماذا يرقصون حول جثث الموتى؟ أم أن العرض استهل حكايته بمشهد تعبيري يضع مشاهده أمام مجموعة من القتلة الذين يحتفون بجريمتهم ويرقصون على جثث قتلاهم؟
الرقص والهمهمات والدعوات التي يطلقها الممثلون، فيها من الحزن والأسى والرجاء، مما ينفي عنهم فكرة القتل، فمن يكونون إذاً؟ ولماذا تبدو حركتهم، وخطوطها الحادة، على هذا النحو الملغز والملتبس؟ مما يطرح مزيداً من الأسئلة، وربما يثير مزيداً من الارتباك، وتحفيز ذهن المشاهد، فيؤدي إلى مزيد من اليقظة لديه، وسعي إلى فك الدلالات التي يضعها العرض في طريقه.
خشبة عارية
الأجواء مقبضة تماماً وكئيبة والصورة قاتمة والخشبة عارية إلا من بانوراما سوداء في الخلفية، وبعض القطع التي يمكن تصورها كشواهد، وتُستخدم كمنصة للإلقاء، أو كمقعد للجلوس. هذا التقشف في الديكور (تصميم صديق حسن) واكتفاء مصمم الإضاءة (عبدالله دواري) باللونين الأزرق والأحمر فقط، بدوَا مقصودين، ومتسقين مع طبيعة العرض وأسئلته. وعندما بدأ العرض، راح يفصح شيئاً فشيئاً عن طبيعته، من خلال لغته الشعرية المكتنزة بالدلالات (النص لفهد ردة الحارثي)، اللغة التي تحيل إلى قصيد شعري جنائزي، يتدفق في دراما أفقية، لا يتصاعد فيها الحدث عمودياً، بل عبر مراكمة الأسئلة.
إنها مجموعة من الأفكار تبناها الكاتب والمخرج، وجرى توزيعها على ألسنة النماذج، لا الشخصيات، أمامنا، مما يمثل خطورة على العرض وإيقاعه، ما لم تكُن هناك "حرفية" لدى صناع العرض في توظيف الكلمة مع الحركة ولغة الجسد بغية إنتاج المعنى أو المغزى، من دون الوقوع في فخ التكرار، مما وعاه مخرج العرض أحمد الأحمري، وبدا في ذلك التنوع الذي حرص عليه في توظيف عناصره، كل بمقدار لا يطغى على الآخر.
لا مكان محدداً تدور فيه الأحداث، ولا شخصيات معينة، باستثناء السارد أو الراوي. ربما هي تشير فقط إلى إنسان هذا العصر، أي إنسان. والملابس هي الأخرى فيها شيء من التجريد الذي لا يشير، بصورة قاطعة إلى فئة معينة أو شعب معين. وقد بدا حسناً لجوء العرض إلى التجريد، فأسئلته لا تتعلق بفئة من الناس في مكان ما، بل بإنسان هذا العصر عموماً، ذلك الذي يحتفي بالموت أكثر من احتفائه بالحياة، وكأنه ثائر على زمنه، رافض له، يتوق إلى مغادرته.
لوحات متحركة
"الناعشون" هنا ليسوا فقط من يحملون جثث الموتي، بل إنهم، في طقوسهم وحركتهم وغنائهم (موسيقى سلطان ردة) موتى أيضاً، صاروا نعوشاً متحركة، بلا هدف أو طموح. وهذا بسبب ما يحاصرهم من مآسٍ، حتى إنه لم يبقَ مكان لمزيد من الجثث، فكل من هنا موتى، واقعياً أو مجازياً، ولا أحد يستطيع التفرقة بين الحالين، فالجثث أيضاً تمرض وتصيبها الحمى ويُطلب لها العلاج.
إنه الزمن الأصعب الذي يحيا فيه الإنسان بلا حياة أصلاً، وفيه يتساوى من مات مع من لم يمُت بعد، فالجميع موتى ينشدون الصعود والخلاص.
هي ليست رؤية تشاؤمية أو عدمية، بل رؤية واخزة، كأنها تسعى إلى إيقاظ الوعي، وتعترض على مصير الإنسان، أو على من يدفعونه إلى هذا المصير المرعب الذي صارت فيه حياته موتاً، وفرحه حزناً، وضحكاته بكاء.
وعلى رغم تقشف الديكور، نجح المخرج أحمد الأحمري في صناعة الصورة المشهدية، مستخدماً أجساد الممثلين في تشكيل عدد من التكوينات التعبيرية التي تفصح عن أجواء العصر وأزماته وأوبئته، مما يبرر فكرة الاحتفاء بالموت، والتوق إلى الفرار من عالم لم يعُد جديراً بالعيش.
حيرة الإنسان
من أعلى المسرح تهبط مجموعة من "البانويات" تمثل أبواباً، لكنها أيضاً تطرح سؤالاً، هل هي أبواب للخروج أم للدخول؟ والخروج من أين، والدخول إلى أين؟ حتى هذه العلامة محيرة، كأنها حيرة الإنسان، أمام أسئلته الوجودية التي تكتفي بأنها أسئلة. ويكتفي صناع العرض بطرحها من دون البحث عن أجوبة، مدركين طبيعة الفن ودوره القائم على السؤال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفضلاً عن هذه الأبواب، استخدم المخرج مجموعة من الحبال، سواء تلك التي تستخدم في الخنق، أو في القيد، أو حتى كسياط يجلد بها بعضهم بعضاً. هي في كل الأحوال واحدة من العلامات التي تشير إلى وطأة الحياة الحديثة وقسوتها وعنفها، وإلى دفعها الإنسان للتمسك بنعشه والاحتفاء به، احتجاجاً ورفضاً وضيقاً بكل ما يكبله من قيود، ويحيط به من حروب ومجاعات وأزمات. وقد أصبحت تثقل على روحه، وتجعله حيّاً لكنه ميت، حاضراً لكنه غائب.
سامي الزهراني وبدر الغامدي وممدوح الغشمري ومطر السواط وعبدالوهاب فندي وعادل الحارثي وأحمد الخمري وسعود المالكي، ثمانية ممثلين نهضوا بعبء العرض، تمثيلاً واستعراضاً وغناء. واستطاع المخرج توظيفهم بصورة جيدة، في توافق محسوب، ولغة فصحى جرت على ألسنتهم سلسة وواضحة، بمخارج حروف منضبطة، مما يشير إلى اشتغالهم على العرض فترة طويلة من الزمن، ومكّنهم من هذا الأداء المنضبط، بعيداً من المبالغات الأدائية التي لا تناسب طبيعة العرض. فكل منهم يعرف دوره وخطوط حركته وطبيعة طبقته الصوتية التي يتطلبها هذا الموقف أو ذاك. وكذلك كيفية استخدامه جسده، كشخص يرزح تحت وطأة زمن ينكسر فيه كل شيء وتتقوض دعائمه.
"الناعشون" هو عرض الأسئلة الصعبة في الزمن الأصعب، اختار طريقاً صعباً في طرح أسئلته، ليس عبر نص تقليدي ملتزم بالمثلث الأرسطي، ولكن عبر نص تجريبي متمرد، يخوض الدراما من أبواب أخرى، يبدأها بالذروة، وربما لا يغادرها، تاركاً المقدمات لأننا نعرفها، والنهايات، وهي ربما كتبناها أو كُتبت علينا.