Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إستراتيجية القضم البطيء: كيف تعيد إسرائيل رسم الجنوب؟

المنطقة تقسم تدريجاً إلى مناطق محتلة وأخرى عازلة وثالثة خاضعة للمراقبة والنار

كلما تأخرت الدولة اللبنانية في ترجمة حصرية السلاح إلى خطوات قابلة للتحقق، ستنتقل إسرائيل من مطالبتها بتنظيف المناطق إلى القيام بالمهمة بنفسها (أ ف ب)

ملخص

لا يكمن الخطر الحقيقي فقط في اجتياح واسع ومعلن، بل في أن تتحول السيطرة على "علي الطاهر" إلى نموذج قابل للتكرار في جبل الريحان وإقليم التفاح والتلال المشرفة على شمال إسرائيل، فإذا اقتنعت القيادة الإسرائيلية بأن الاستيلاء على نقطة إستراتيجية لا يستدعي رداً إيرانياً مباشراً، ولا يواجه مقاومة تمنعها من تثبيت سيطرتها، فستغريها النتيجة بتكرار التجربة.

لا يمكن أن يحجب غبار الغارات فوق مدينة النبطية (جنوب)، ما قد تكون إسرائيل تخطط له على الأرض حدوداً أمنية جديدة داخل لبنان، أو ربما تخطيط لاجتياح، فيما لا تزال الدولة اللبنانية تتصرف كأن الوقت لم ينفد بعد.

إسرائيل تصعّد، وهي فعلياً وسعت مساحة عملياتها من القرى الحدودية إلى عمق منطقة النبطية، ولكن هل يمثل هذا التصعيد تمهيداً لاجتياح بري واسع؟ أم أن إسرائيل تستخدم النار لفرض شروطها في الجولة المقبلة من المفاوضات؟

حتى الآن لا تبدو إسرائيل في طريقها إلى اجتياح تقليدي واسع يصل إلى النبطية، أو يمتد على كامل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، ولا مؤشرات معلنة عن حشد بري استثنائي جديد، أو استدعاء واسع للاحتياط، أو خطة لإخلاء عشرات البلدات دفعة واحدة، وهي عادة من الإشارات التي تسبق عملية برية كبرى، لكن هذا لا يعني أن الخطر غير موجود، بل يعني أن شكل الاجتياح الذي تفكر فيه إسرائيل قد يكون مختلفاً: توغلات محدودة ومتدرجة، السيطرة على التلال والممرات الإستراتيجية، توسيع الحزام الأمني، ومنع الجيش اللبناني والأهالي من العودة لمناطق محددة، وبمعنى آخر لن نشاهد رتلاً إسرائيلياً يتجه نحو مدينة النبطية، لكننا قد نشهد تمدداً عسكرياً زاحفاً يحول أجزاء إضافية من الجنوب إلى مناطق خاضعة للنار، والمراقبة الإسرائيلية، حتى لو بقيت جغرافياً داخل الأراضي اللبنانية.

 

الاستيلاء على "علي الطاهر" هو البداية

ما يحدث اليوم في النبطية لا يمكن فصله عن التكتيك الذي اعتمدته إسرائيل في تلة علي الطاهر، وقبلها في محيط قلعة الشقيف وبنت جبيل، فإسرائيل لم تعد تبدأ عملياتها باجتياح بري واسع ومباشر، بل بعزل الهدف عن محيطه، وقطع طرق الإمداد والوصول إليه، ثم إخضاعه لأحزمة نارية كثيفة ومراقبة جوية متواصلة، قبل إدخال وحدات برية محدودة ووسائل روبوتية لتفتيش الأنفاق وتدمير البنى العسكرية، وبعد السيطرة على النقطة المستهدفة تنتقل إلى ضرب القرى والطرق الواقعة ضمن دائرتها الجغرافية، بذريعة منع "حزب الله" من إعادة التموضع أو الاقتراب منها.

بهذا المعنى لم تكن السيطرة على "علي الطاهر" نهاية العملية، بل بداية توسيع محيطها الأمني، فالنبطية الفوقا وكفررمان وعربصاليم تشكل الامتداد الطبيعي للتلة وطرق الربط بينها وبين قلعة الشقيف وإقليم التفاح، ويوحي استهدافها اليوم إلى أن إسرائيل تطبق الأسلوب نفسه الذي اتبعته في محاور بنت جبيل، أي تفريغ المنطقة تدريجاً من قدرتها العسكرية والبشرية، وتدمير نقاط الاشتباه وممرات الحركة، ثم فرض واقع أمني يجعل العودة إليها أو التحرك داخلها خاضعاً للمراقبة والنار الإسرائيلية، وعليه لا تتقدم القوات الإسرائيلية نحو النبطية بخط بري واضح يمكن وصفه باجتياح تقليدي، بل توسع مجال سيطرتها حولها بالنار، إذ تبدأ من التلال والمواقع الحاكمة، ثم تضرب محيطها وتدفع السكان إلى النزوح، قبل أن تحول المنطقة الواقعة بين مواقعها الجديدة والقرى المأهولة إلى مساحة عازلة، يصعب على الجيش اللبناني أو الأهالي دخولها بحريّة، وهذا هو الخطر الحقيقي، ألا تعلن إسرائيل اجتياح النبطية لكنها تعزلها تدريجاً عن جنوبها، وتحول محيطها إلى امتداد للحزام الأمني الذي بدأت ترسمه من بنت جبيل إلى الشقيف و"علي الطاهر".

 

النبطية لم تُستهدف مصادفة

وكان التصعيد الأخير من أعنف موجات القصف منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) الماضي، حيث استهدفت الغارات النبطية الفوقا وعربصاليم وكفررمان ودير الزهراني، وطاولت مباني سكنية ومنشآت مدنية، في وقت أوقعت الضربات على كفررمان 12 قتيلاً بينهم أطفال ونساء ومسعفون، وقال الجيش الإسرائيلي إن ضرباته استهدفت عناصر ينقلون أسلحة وبنى تابعة لـ "حزب الله"، وإنها جاءت رداً على إطلاق مسيّرات باتجاه قواته، فيما لم تصدر إنذارات مسبقة في بعض الضربات التي أصابت مباني مأهولة، مما رفع مستوى الخسائر المدنية، في حين أعرب رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون عن إدانته تجدد الاعتداءات الإسرائيلية على مدينة النبطية وبلداتها، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا وإلحاق أضرار جسيمة بمبنى وزارة المالية فيها، وتدمير مستشفى "غندور"، مؤكداً أن هذا الاستهداف يشكل تصعيداً خطراً يتجاوز حدود الخروق المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية و"اتفاق الإطار"، ليطاول هذه المرة مؤسسات الدولة اللبنانية ومرافقها الخدمية التي تُعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم الحياتية، إضافة إلى مستشفى ومراكز صحية، محمّلاً الجانب الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد المستمر، ومطالباً الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف هذه الخروق ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن لبنان، على رغم كل هذه الاعتداءات، ماض في التزامه بما يصون سيادته واستقرار جنوبه وسلامة مواطنيه.

 

النبطية عقدة جغرافية

لاختيار النبطية دلالة تتجاوز الرد على مسيّرة أو استهداف عنصر هنا وآخر هناك، فالمنطقة تشكل عقدة جغرافية وعسكرية تربط الشريط الحدودي بعمق الجنوب، وتجاور تلة علي الطاهر وقلعة الشقيف ومحاور إقليم التفاح، وبعد إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق "سيطرة عملياتية" فوق تلة علي الطاهر وتحتها، وإخراج عناصر الحزب من مسارين تحت الأرض، بات منطقياً أن ينتقل الاهتمام الإسرائيلي إلى البيئة المحيطة بالتلة، وإلى طرق الإمداد المحتملة التي تربطها بالنبطية وإقليم التفاح، لذلك لا يمكن فصل ما حدث في كفررمان وعربصاليم والنبطية الفوقا عن معركة "علي الطاهر"، فإسرائيل لا تتعامل مع التلة بوصفها هدفاً منفرداً انتهت مهمته، بل بوصفها نقطة انطلاق لإعادة رسم المجال الأمني حول النبطية، وهي تريد قطع الطريق على أية محاولة لـ"حزب الله" لإعادة تشكيل وجوده العسكري في محيطها، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها أو تعديل تموضعها.

هل تفكر إسرائيل باجتياح حقيقي؟

قد تكون الإجابة الدقيقة هي أن إسرائيل تحتفظ بهذا الخيار، لكنها لا تبدو في حاجة إليه الآن ما دام بإمكانها تحقيق أهدافها بكلفة أقل، فالاجتياح الواسع يعني دخول مناطق مأهولة، وخوض قتال بري، وتعريض القوات الإسرائيلية للكمائن والعبوات والصواريخ المضادة للدروع، ويتطلب بقاء طويلاً وقوات كبيرة وخسائر بشرية قد تتحول إلى عبء داخلي على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، خصوصاً في مرحلة انتخابية حساسة.

أما العمليات الموضعية، فتسمح لإسرائيل بأن تختار أهدافها وتسيطر على التلال الحاكمة وتدمر الأنفاق، ثم تعدل انتشارها من دون إعلان احتلال شامل للمنطقة، وهي بذلك تحافظ على حرية الحركة العسكرية، وتضع الجيش اللبناني أمام امتحان متواصل، إما أن يدخل المنطقة وينزع منها البنية العسكرية للحزب، وفق المعايير التي تطالب بها إسرائيل، وإما أن تعتبر إسرائيل أن مهمته فشلت فتعود لتنفيذها بنفسها.

إذاً، يكمن الخطر الحقيقي ليس فقط في اجتياح واسع ومعلن، بل في أن تتحول السيطرة على "علي الطاهر" إلى نموذج قابل للتكرار، في جبل الريحان وإقليم التفاح والتلال المشرفة على شمال إسرائيل، فإذا اقتنعت القيادة الإسرائيلية بأن الاستيلاء على نقطة إستراتيجية لا يستدعي رداً إيرانياً مباشراً، ولا يواجه مقاومة تمنعها من تثبيت سيطرتها، فستغريها النتيجة بتكرار التجربة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما السيناريوهات الإسرائيلية المحتملة؟

السيناريو الأقرب حالياً هو استمرار الغارات والاغتيالات والتفجيرات بالتزامن مع توغلات محدودة، بهدف تنظيف محيط النقاط التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وقطع طرق الإمداد عنها، أما السيناريو الثاني فهو توسيع ما يسمى "الخط الرمادي" أو الحزام الأمني إلى عمق ثلاثة أو أربعة كيلومترات في بعض المناطق، مع إبقاء مواقع عسكرية تنطلق منها العمليات، وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية حديثاً عن إعادة تموضع أقرب إلى الحدود، لكن ضمن خط دفاعي جديد يمنح الجيش حرية العمل داخل لبنان، فيما يتمثل السيناريو الثالث والأخطر في عملية برية واسعة باتجاه أجزاء من النبطية وإقليم التفاح، يصبح مرجحاً إذا كثف الحزب إطلاق المسيّرات والصواريخ، أو حاول استعادة "علي الطاهر" بالقوة، أو أعلنت إسرائيل اكتشاف منشآت إستراتيجية أخرى تعتقد أن الجيش اللبناني عاجز عن الوصول إليها، فعندها ستقدم إسرائيل على العملية باعتبارها ضرورة أمنية لا خياراً سياسياً.

لماذا التصعيد الآن؟

يأتي التصعيد في توقيت متعمد، قبيل الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية، وهذا لا يشكل تناقضاً بين الحرب والتفاوض، لأن إسرائيل لا تنظر إليهما باعتبارهما مسارين منفصلين، بل على العكس، فبالنسبة إليها أن النار أداة لتحسين شروط التفاوض.

وتريد تل أبيب الوصول إلى الطاولة وهي تحمل وقائع ميدانية، لا مجرد مطالب مكتوبة، وأن تقول للبنان والوسيط الأميركي "لقد سيطرنا على 'علي الطاهر' لأن الدولة اللبنانية لم تفعل، وسنكرر ذلك في أماكن أخرى إذا لم يقدّم الجيش ضمانات عملية بأن المناطق التي يدخلها أصبحت خالية من عناصر الحزب وسلاحه وأنفاقه".

وتريد كذلك فرض معادلة مختلفة عن المعادلة اللبنانية، ذلك أن لبنان يطالب بوقف النار أولاً ثم الانسحاب والإفراج عن الأسرى، وبعدها استكمال خطوات حصر السلاح، أما إسرائيل فتريد تثبيت العكس، تقدّم لبناني قابل للتحقق في ملف السلاح أولاً، ثم انسحاب إسرائيلي تدرجي ومشروط، ومن هنا يمكن فهم الإفراج عن خمسة موقوفين لبنانيين بالتزامن مع السيطرة على "علي الطاهر"، فالرسالة جمعت ين الترغيب والتهديد، أي أنه يمكن إحراز تقدم في ملف الأسرى عبر التفاوض، لكن يمكن أيضاً تغيير الحدود الأمنية بالقوة إذا لم تنفذ الدولة التزاماتها، وهذا أيضاً ربما يخدم حسابات نتنياهو الداخلية، فهو يستطيع تقديم السيطرة على منشأة إستراتيجية بناها الحزب وإيران خلال عقدين، باعتبارها إنجازاً أمنياً، ويظهر أمام جمهوره أنه لا يكتفي بالاتفاقات الورقية، ولا يسمح بعودة التهديد لشمال إسرائيل.

لماذا تستمر المفاوضات إذاً؟

يبدو أن لبنان وإسرائيل لا يريدان إغلاقها الآن، ولكن كلاً منهما يريد استخدامها بطريقة مختلفة، فبيروت بحاجة إلى المفاوضات لأنها القناة الوحيدة المتاحة لوقف الضربات واستعادة الأسرى وضمان الانسحاب الإسرائيلي، والحصول على دعم دولي لإعادة الإعمار والجيش، وتحتاج تل أبيب إليها لأنها تريد اتفاقاً يمنح ما تقوم به شرعية سياسية لاحقة، وينقل مسؤولية ضبط الجنوب إلى الجيش اللبناني وآلية تحقق دولية.

وقد تكون إسرائيل لا تريد البقاء إلى ما لا نهاية داخل لبنان، لكنها لا تريد الانسحاب إلى الحدود ثم اكتشاف أن الحزب عاد للأنفاق والقرى والمواقع نفسها، لذلك تحاول تحويل المفاوضات من نقاش حول الانسحاب إلى نقاش حول الشروط التي تسبق الانسحاب، والمفارقة اللافتة هنا أن التصعيد قد لا يكون محاولة لنسف المفاوضات، بل لفرض شكلها ونتائجها مسبقاً، وما يجري في الميدان هو رسم للمسودة الإسرائيلية قبل وضعها على الطاولة.

سلاح "حزب الله" ذريعة إسرائيلية لتوسيع الحزام الأمني

والأخطر من الغارات نفسها أن تتحول الخطوط التي ترسمها إسرائيل ميدانياً إلى حدود أمر واقع داخل الأراضي اللبنانية، فبعد "الخط الأصفر" الذي ثبّت مناطق سيطرة عسكرية، تتحدث اليوم عن "خط رمادي" بعمق إضافي، وتنتشر خلفه مواقع تنطلق منها العمليات الإسرائيلية، وتعدد التسميات لا يغير الحقيقة، فالجنوب يُقسم تدريجاً إلى مناطق محتلة وأخرى عازلة وثالثة خاضعة للمراقبة والنار، فيما تنحسر سلطة الدولة وينكمش حضور الجنوبيين.

في المقابل، يتمسك "حزب الله" بسلاح لم يعد يحمي الجنوب ولا يمنع إسرائيل من احتلال تلاله وتدمير قراه، بل تحول إلى ذريعة جاهزة لتوسيع الحزام الأمني، ويتحدث الحزب عن المقاومة فيما يخسر الجنوب أرضه وسكانه ومقومات بقائه، وكأن المحافظة على السلاح أهم من المحافظة على الأرض التي يفترض أن هذا السلاح وُجد لحمايتها، أما الدولة اللبنانية فتكتفي بالإدانات والاتصالات وانتظار الوساطات، من دون قرار فعلي يثبت سيادتها أو ينقذ البشر والأرض.

المعضلة اللبنانية الحقيقية

خسر لبنان كثيراً من الوقت بين هدنة نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 و"اتفاق الإطار" في يونيو الماضي، وكان يفترض أن يستثمر الزخم الأميركي والدولي لإظهار تقدم ملموس في حصر السلاح، لكنه دخل في نقاشات داخلية طويلة، بينما كانت إسرائيل تبني على الأرض وقائع جديدة، واليوم لم يعد كافياً أن تقول الدولة إنها نشرت الجيش، فالمطلوب منها أن تثبت أن انتشار الجيش غيّر طبيعة المنطقة فعلاً ومنع عودة الحزب، وأوقف استخدام القرى والمنازل والأنفاق في النشاط العسكري، وفي المقابل لا يمكن مطالبة الجيش بتنفيذ مهمة بهذه الحساسية من دون منحه القرار السياسي والإمكانات والمعلومات والغطاء القضائي.

"حزب الله" بدوره يواجه مأزقاً صعباً، فإذا صعّد وأطلق صواريخ باتجاه الشمال الإسرائيلي، فسيمنح إسرائيل ذريعة أكبر لتوسيع عملياتها وتثبيت احتلالها لنقاط إضافية، وإذا تراجع فستظهر إسرائيل أنها استطاعت السيطرة على موقع إستراتيجي، وإجبار الحزب على الانكفاء من دون أن تنفذ إيران تهديداتها، ولا تبدو إسرائيل في هذه اللحظة متجهة نحو اجتياح شامل للنبطية، لكنها تتحرك نحو ما قد يكون أخطر على المدى البعيد، اجتياح متدرج بلا إعلان، يبدأ بتلة إستراتيجية ثم يمتد إلى محيطها، قبل أن يتحول إلى حزام أمني جديد تفرضه الوقائع لا الاتفاقات.

في المحصلة، ليس التصعيد الحالي بديلاً عن طاولة المفاوضات، بل وسيلة لفرض شروط إسرائيل عليها، وكلما تأخرت الدولة اللبنانية في ترجمة حصرية السلاح إلى خطوات قابلة للتحقق، ستنتقل إسرائيل من مطالبتها بتنظيف المناطق إلى القيام بالمهمة بنفسها، ثم مطالبة لبنان بالتفاوض على ما بقي منها، ولن تكون الجولة المقبلة مجرد مفاوضات على انسحاب إسرائيلي، بل على سؤال أشد خطورة، من يملك القرار الأمني الفعلي جنوب لبنان؟ الدولة اللبنانية؟ أم "حزب الله"؟ أم إسرائيل التي بدأت ترسم حدود أمنها داخل الأراضي اللبنانية؟

وبين سلاح لا يردع ودولة لا تقرّر، ترسم إسرائيل خطوطها داخل لبنان، خطاً بعد آخر، وتحوّل ما يفترض أنه موقت إلى واقع يصعب تغييره لاحقاً.

المزيد من تحلیل