ملخص
تتراجع إيرادات إيران النفطية بصورة حادة مع استمرار الحصار البحري الأميركي، فيما تتناقص كميات الخام المخزنة على الناقلات خارج منطقة الحصار.
تواجه إيران أزمة اقتصادية متفاقمة مع جفاف أحد أهم مصادر دخلها من العملة الأجنبية، إذ أدى الحصار البحري الأميركي إلى خنق صادرات النفط من الخليج العربي، بينما تتناقص تدريجاً الكميات التي كانت طهران قد خزنتها على ناقلات في المياه خارج نطاق الحصار.
وبعد مرور ستة أشهر على الحرب، بدأت آثار الضغوط النفطية تظهر بصورة أوضح على الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلاً ارتفاعاً حاداً في التضخم وتراجعاً متواصلاً في قيمة الريال، فيما تتقلص قدرة الحكومة على الحصول على العملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات ودعم الاقتصاد.
وتشير بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة السفن إلى أن أي شحنات جديدة ذات أهمية من النفط الخام الإيراني لم تتمكن من عبور الحصار منذ إعادة فرضه من قبل البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
ولا تزال إيران تحمّل كميات محدودة من النفط على الناقلات، لكن هذه الشحنات تبقى عالقة داخل الخليج، من دون أن تتمكن من الوصول إلى الأسواق والمشترين.
وتكشف بيانات حديثة وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال" عن حجم الضغوط المتزايدة على طهران، إذ تراجعت كميات النفط الإيراني الموجودة على ناقلات خارج منطقة الحصار إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وهذا المخزون العائم هو المصدر المتبقي الذي لا تزال إيران تعتمد عليه لتوليد إيرادات من صادرات نفطية سبق شحنها قبل تشديد القيود.
لكن استمرار وتيرة التسليم الحالية قد يؤدي إلى نفاد هذه الكميات خلال الأسابيع المقبلة، وهو ما يعني أن تدفقات الإيرادات النفطية ستتعرض لمزيد من الانكماش.
وتذهب معظم الشحنات الإيرانية المتبقية إلى الصين، التي تعد حالياً أكبر مشتر للنفط الإيراني، فيما تشير تقديرات إلى أن المخزون الموجود على الناقلات قد ينفد بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
أما المدفوعات الناتجة من شحنات سبق تسليمها، فقد تبدأ في التراجع بصورة كبيرة بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول) القادم، مع انتهاء دورة البيع والتحصيل المالي.
وبذلك تواجه طهران احتمال فقدان تدريجي لأهم شريان يمد اقتصادها بالعملة الأجنبية.
وتؤكد بيانات الصحيفة أن الحصار الحالي أحدث أثراً لم تحققه سنوات من العقوبات الاقتصادية وحدها، إذ توقفت تقريباً الشحنات الجديدة من الخام الإيراني المتجهة إلى الصين عبر مضيق هرمز منذ منتصف يوليو.
النفط... شريان الاقتصاد الإيراني
يمثل النفط أحد أهم مصادر التمويل للدولة الإيرانية، إذ يشكل عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الحكومية، كما يوفر جزءاً كبيراً من العملات الأجنبية التي تحتاج إليها البلاد.
وتستخدم طهران عائدات النفط في تمويل الواردات، ودعم العملة المحلية، وتوفير المواد الخام للمصانع، فضلاً عن تمويل جزء من الإنفاق الحكومي.
وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن عائدات النفط تساعد أيضاً في تمويل القوات المسلحة الإيرانية، بما في ذلك الحرس الثوري، عبر شركات وشبكات نقل نفط تعمل ضمن ما يعرف بـ"أسطول الظل".
ويعتمد هذا النظام على ناقلات وشركات وسطاء وهياكل تجارية معقدة للالتفاف على العقوبات وتسويق الخام الإيراني.
لكن الحصار البحري جعل عملية نقل النفط أكثر صعوبة، بعدما انتقل الضغط من ملاحقة المشترين والوسطاء إلى تقييد حركة الناقلات نفسها.
وتظهر بيانات كبلر أن إيران حملت نحو 255 ألف برميل يومياً على ناقلات داخل الخليج خلال أغسطس (آب) الماضي، وهو مستوى يقل بنحو 85 في المئة عن متوسط التحميل خلال الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان) الماضيين.
وتبقى غالبية هذه الكميات عالقة، إذ لا تستطيع الناقلات المحملة بالنفط عبور المنطقة باتجاه الأسواق الآسيوية.
وكانت صادرات إيران قبل الحرب تقترب من مليوني برميل يومياً، مما يعني أن التراجع الحالي يمثل ضربة كبيرة لقدرة البلاد على تحقيق إيرادات من النفط.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الحصار أدى إلى هبوط عمليات تحميل الخام الإيراني إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً خلال أغسطس الماضي، مقارنة بنحو مليوني برميل يومياً في مارس (آذار) من العام.
المخزون العائم يشتري الوقت فقط
وفرت الشحنات التي كانت إيران قد أرسلتها خارج منطقة الحصار قبل تشديد القيود متنفساً موقتاً للاقتصاد، فخلال فترة الهدوء الدبلوماسي التي أعقبت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، تمكنت طهران من نقل كميات كبيرة من النفط إلى خارج الخليج لتسليمها لاحقاً.
ولا تزال الحكومة الإيرانية تستفيد من عائدات تلك الشحنات.
وقال وزير النفط الإيراني، محسن باك نجاد، إن عمليات بيع النفط وتسليمه للعملاء جرت "على بعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عمان".
لكن هذه الآلية أصبحت أقل قدرة على حماية الاقتصاد مع تقلص الكميات المتاحة.
ويرى محللون أن المخزون العائم وفر لإيران فترة موقتة من الحماية، لكن لا يمكن تعويضه ما دامت الناقلات الجديدة غير قادرة على مغادرة منطقة الحصار.
وكل برميل يجري تسليمه إلى الصين يقلص المخزون المتبقي، من دون أن تستطيع طهران إرسال كميات جديدة لتعويضه، وهذا يعني أن الأزمة قد تصبح أكثر حدة مع مرور الوقت.
وبحسب "كبلر"، يمكن أن تستمر الشحنات الموجودة في المياه الآسيوية في توفير تدفقات نقدية لفترة محدودة، لكن استمرار الحصار سيؤدي في النهاية إلى توقف الإيرادات الجديدة.
الصين تبحث عن بدائل
بدأت ندرة النفط الإيراني تؤثر أيضاً في المشترين الصينيين، فقد أفاد مسؤولون في قطاع الطاقة الخليجي بأن بعض المصافي الصينية بدأت تتجه إلى النفط الخام من السعودية والعراق والإمارات لتعويض نقص الإمدادات الإيرانية.
وكان النفط الإيراني يمثل خياراً جذاباً لبعض المصافي المستقلة في الصين بسبب الخصومات السعرية التي يقدمها عادة مقارنة بالخامات الأخرى. لكن تقلص المعروض أدى إلى تغير المعادلة.
وفي بعض الحالات أصبح النفط الإيراني أكثر كلفة نسبياً بسبب ندرته، بينما قدم منتجون آخرون خصومات لجذب المشترين.
ويقول مسؤولون إن العراق عرض خصومات تصل إلى نحو 30 دولاراً للبرميل لبعض أنواع الخام، مما عزز المنافسة على السوق الصينية، ومع تقلص الكميات المتاحة، قد تخسر إيران تدريجاً جزءاً من السوق الذي ظلت تعتمد عليه على رغم العقوبات الغربية.
خفض الإنتاج لتجنب امتلاء الخزانات
لا يقتصر تأثير الحصار على الصادرات، بل يمتد إلى الإنتاج نفسه، فعندما لا يتمكن المنتج من تصدير النفط، تتراكم الكميات في الخزانات وعلى الناقلات، وفي نهاية المطاف يصبح من الضروري خفض الإنتاج.
ويقول رئيس تحليل أسواق النفط الخام في شركة "كبلر"، همايون فلكشاهي، للصحيفة إن محدودية الزيادة في المخزونات الإيرانية تشير إلى أن طهران بدأت بالفعل تقليص الإنتاج.
وأضاف أن السيناريو الذي توقعه المحللون خلال المراحل الأولى من الحصار، والمتمثل في خفض الإنتاج لتجنب الوصول إلى الحد الأقصى لقدرة التخزين، بدأ يتحقق.
وتراجعت مخزونات النفط في جزيرة خرج، المركز الرئيس لصادرات الخام الإيراني، بينما انخفضت عمليات التحميل بصورة كبيرة، وهو ما يعزز فرضية تقليص الإنتاج.
الطرق البرية لا تعوض الناقلات
لا توفر الطرق البرية حلاً عملياً لإيران.فيمكن نقل كميات محدودة من النفط بالشاحنات أو السكك الحديدية، لكن هذه الوسائل لا تستطيع الاقتراب من حجم الصادرات البحرية.
وتفتقر إيران إلى عدد كاف من عربات السكك الحديدية المخصصة لنقل النفط الخام والمنتجات النفطية، ويقدر محللون أن إيران لا تستطيع نقل أكثر من 40 ألف برميل يومياً بواسطة الشاحنات، وهي كمية ضئيلة مقارنة بمستويات صادراتها قبل الحرب.
لذلك يبقى النقل البحري الطريق الوحيد القادر على التعامل مع الكميات الضخمة التي ينتجها قطاع النفط الإيراني.
ضربة لقطاع البتروكيماويات
لا تقتصر الأزمة على النفط الخام. فالبتروكيماويات، التي تعد ثاني أكبر مصدر للعملة الأجنبية في إيران بعد النفط، تعتمد أيضاً بدرجة كبيرة على النقل البحري.
وتشير تقديرات "كبلر" إلى أن صادرات البتروكيماويات تراجعت بنحو الثلثين بحلول أغسطس الماضي مقارنة بمستويات بداية عام 2026.
ويمثل ذلك مشكلة إضافية للاقتصاد الإيراني، لأن استمرار تراجع الصادرات قد يؤدي إلى امتلاء مرافق التخزين وإجبار بعض المصانع على خفض الإنتاج أو وقف عملياتها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن قطاع البتروكيماويات يعد أيضاً مصدراً رئيساً للوظائف.
وتشير تحليلات "كبلر" إلى أن صادرات البتروكيماويات الإيرانية انخفضت 63 في المئة منذ بداية عام 2026، مما يزيد احتمال اتساع التداعيات الاقتصادية للحصار.
تضخم وانهيار في قيمة الريال
يأتي تراجع عائدات النفط في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أزمة واسعة، فالعملة المحلية فقدت جزءاً جديداً من قيمتها أمام الدولار، بينما أدى نقص العملات الأجنبية إلى ارتفاع كلفة الواردات.
وتحتاج إيران إلى العملة الصعبة لشراء السلع الأساسية والمواد الخام والمعدات الصناعية، وكل انخفاض في إيرادات النفط يقلص قدرة البنك المركزي على دعم الريال، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، ثم تنتقل هذه الزيادات إلى المستهلكين في صورة تضخم أعلى.
ويقول الاقتصادي في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" حمد حسين، للصحيفة، إن الريال فقد نحو 15 في المئة من قيمته مقابل الدولار منذ إطلاق الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي الجديدة على إيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير التقديرات إلى أن التضخم تجاوز مستويات مرتفعة للغاية، بينما توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال العام، وهو ما سيكون من أسوأ الانكماشات التي تشهدها البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وتؤكد تقارير حديثة أن انخفاض صادرات النفط والعقوبات الأشد صرامة يزيدان الضغوط على الاحتياطات من العملات الأجنبية وعلى الاقتصاد الإيراني.
التجارة لم تتوقف بالكامل
لكن على رغم الضغوط، لم تتوقف التجارة الإيرانية تماماً، فقد صدرت إيران ما يقارب 15 مليار دولار من السلع غير النفطية خلال الفترة الممتدة من منتصف مارس (آذار) إلى منتصف أغسطس الماضيين، بحسب وسائل إعلام إيرانية، لكن هذه القيمة أقل من مستويات العام الماضي.
وأصبحت طرق التجارة أكثر تعقيداً وكلفة، فيما لا تزال بعض التجارة مستمرة عبر شركات وسيطة وشبكات غير مباشرة.
وفي الوقت ذاته، تتحول بعض التدفقات التجارية إلى طرق تمر عبر تركيا والعراق وسلطنة عمان وباكستان، لكن هذه المسارات تستغرق وقتاً أطول وتزيد كلفة النقل والمعاملات.
هل سيجبر الضغط إيران على التراجع؟
السؤال الأهم بالنسبة إلى واشنطن هو ما إذا كان الضغط الاقتصادي سيؤدي فعلاً إلى تغيير سلوك طهران، إذ تراهن الولايات المتحدة على أن خسارة الإيرادات النفطية، وانخفاض قيمة الريال، وارتفاع التضخم، ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات.
لكن محللين ومسؤولين في دول الخليج يحذرون من أن النتيجة قد تكون مختلفة، فبدلاً من التراجع، قد تختار طهران تصعيد ردها العسكري والإقليمي.
وشهدت الأيام الأخيرة تصعيداً جديداً بعدما ضربت الولايات المتحدة ثلاث ناقلات نفط إيرانية، عقب إطلاق إيران صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أميركية.
وقال حمد حسين، إن مستقبل الأزمة سيتوقف على حجم الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله لتحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.
من جانبها تعتقد المتخصصة في الشأن الإيراني لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرانمايه، أن الضغط الأميركي سيؤثر بقوة في الأسر الإيرانية، لكنها تشكك في أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى استسلام طهران على طاولة المفاوضات.
وقالت إن الأدلة تشير إلى أن النظام الإيراني قد يختار المقاومة بدلاً من تقديم تنازلات.
وبينما يزداد الحصار ضغطاً على الاقتصاد الإيراني، تبقى النتيجة السياسية غير محسومة، فخنق صادرات النفط قد يضعف قدرة طهران المالية بصورة غير مسبوقة، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيير حساباتها الاستراتيجية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحصار يضغط بقوة على المصدر الرئيس للعملة الأجنبية في إيران، لكن استمرار الصراع قد يجعل الأزمة الاقتصادية عاملاً إضافياً للتصعيد بقدر ما قد يكون أداة لدفع الأطراف نحو التفاوض.