Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مفتاح شهرة" مسرحية عن معاناة الممثلين الكومبارس

 تدور الأحداث داخل غرفة الملابس التي تتحول مكانا للاتهام بالفشل

مشهد من المسرحية (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - صفحة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي - فيسبوك)

"مفتاح شهرة" عرض مسرحي مصري، قدمته إحدى الفرق المستقلة ضمن مسابقة العروض الحية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي على خشبة المسرح الصغير في دار الأوبرا.

يتناول العرض عالم "الكومبارس" ومعاناتهم مع صناع السينما ومنتجيها، وكيف يتم التعامل معهم بقسوة وبلا إنسانية، وكذلك تطلعات الموهوبين منهم المشروعة للترقي والخروج من حالة الصمت إلى حالة الكلام، وما يتيحه من شهرة وتحقق وانتقال من عالم العوز إلى دنيا الكفاية. غير أن كل هذه التطلعات تبوء بالفشل دائماً، نظراً لوجود خطأ ما وكأنه مكتوب عليهم أن يظلوا قابعين في الظل في حين ينعم بالشمس من هم أقل منهم موهبة وكفاءة.

اثنان من أفراد هذا العالم (شهرة ومفتاح) يؤديان مشهداً عابراً في أحد الأفلام لايروق للمخرج فيتم طردهما من مكان التصوير. يخرجان إلى غرفة الملابس التي يتم إغلاقها عليهما بالخطأ ليظلا محبوسين خمساً وأربعين دقيقة.

داخل غرفة الملابس يستمر الخلاف وتبادل الاتهامات بالفشل بينهما وبعد حين يأنس كل منهما إلى الآخر ويسعى إلى التعرف عليه وقد وضعتهما الظروف في أزمة واحدة، الطرد من المشهد من ناحية والحبس الاضطراري من ناحية أخرى. ومن خلال الحوار بينهما نتعرف على تاريخهما الشخصي ومعاناتهما في هذا العالم الذي ينتصر للبطل أو النجم فقط ويمنحه كل شيء، في حين يتعامل مع غيره وكأنهم زوائد يمكن استئصالها من دون أن يتأثر العمل ويمنحهم الفتات، على الرغم من أهميتهم وكذلك على الرغم من وجود موهوبين بينهم يمكنهم لعب أدوار رئيسية، لكنه الحظ أو ربما الاختيار الخاطئ الذي لا يستند إلى أي منطق أو أية عدالة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مشاهد سينمائية

ولأن مدة الحبس الاضطراري طويلة والغرفة مملوءة بملابس شخصيات سينمائية شهيرة، يستغل الممثلان ذلك في أداء بعض المشاهد من أفلام معروفة تزجيةً للوقت وانتظاراً لفتح الغرفة، نتعرف من خلالها ومن الإرشادات التي يقدمها مفتاح لشهرة على موهبتين كبيرتين في التمثيل، لكنهما لم ينالا فرصتهما بسبب النظرة الدونية التي يتم التعامل بها معهما وكذلك بسبب عدم امتلاكهما" مفاتيح الشهرة" التي قد تتعدد وتتنوع لكنها في الغالب لا تتضمن مفتاح الموهبة.

وعلى الرغم من الموهبة التي يمتلكها الاثنان ورغبتهما في الخروج من الغرفة المهملة وطموحهما للترقي، فإنهما عندما يهم الآخرون بفتح الغرفة يسعيان إلى إغلاقها عليهما من الداخل كأنهما اكتفيا بهذا العالم الموازي الذي أتاح لهما استعراض مواهبهما وينتهي بهما الأمر بالاكتفاء بالحصول على بعض الملابس المستعملة لاستخدامها في التشخيص وقت الفراغ، كأنه القدر الذي يجعلهما راضيين بالفتات والوقوف في خلفية المشهد وفي إضاءته الخافته ليبقى الوضع كما هو عليه ويغنيان معاً "عيني علينا يا أهل الفن يا عيني علينا"، وكأنهما يرثيان حالهما وحال من ينتمي إلى طائفتهما بل وحال كل مستضعف في هذا العالم القاسي غير الإنساني.

تلك هي القراءة الأولى أو الظاهرة التي يمكن استخلاصها من العرض، لكن نظرة أعمق يمكنها تجاوز ذلك السطح إلى الحياة بكل تجلياتها بشكل عام، فكما ردد الممثلان أغنية إسماعيل ياسين الشهيرة "في ناس بتتعب ولا تكسبش وناس بتكسب ولا تتعبش" فإن هناك، في حياتنا مظاهر عدة تعكس خللًا في التقييم وغياباً للعدالة في توزيع الأدوار، فكم من أكفاء لا ينالون فرصتهم في حين ينالها من هم أقل لأسباب تبدو عبثية في كثير من الأحيان.

يبدأ العرض من البهو الخارجي للمسرح وسط الجمهور المنتظر الدخول، وتحدث مناوشات بين فتاة وشاب يرتدي كل منهما زي العرس ويجري حوار مرتجل ومقصود بينهما وبين الجمهور بعدها يدخلان من الصالة ويصعدان إلى خشبة المسرح لنتعرف على حكايتهما، وينتهي العرض كذلك بخروجهما من الصالة وسط الجمهور، هذا الدخول والخروج لم يكونا مجاناً، لكن دلالتهما تشيران إلى أن الجمهور جزء من العرض والممثلين جزء من الجمهور وأن ما يحدث في عالم التمثيل يحدث خارجه وكأن ما على خشبة المسرح معادل لما يحدث خارجها من غياب للعدالة في لعبة توزيع الأدوار ومنح الفرصة لمن يستحقها.

وكما يشير عنوان العرض " مفتاح شهرة" إلى اسمَي الشخصيتين من ناحية، فإنه يشير من ناحية ثانية إلى فكرة ضياع ذلك المفتاح ومن ناحية ثالثة إلى ضياعهما هما وعدم قدرتهما على العثور على نفسيهما وسط هذا العالم الملتبس وغير العادل.

مباراة في التمثيل

طبيعة العرض ورسالته اقتضتا مباراة في التمثيل تنعكس من خلالها مواهب الشخصيتين اللتين يفترض أنهما لم يحصلا على فرصتهما كاملة على الرغم من استحقاقهما لها، وإلا فقد العرض مبرر وجوده أو على الأقل تحوّل إلى عرض كوميدي فيه سخرية من طائفة "الكومبارس" أكثر مما فيه من الإنصاف لها وهو ما فطنت إليه بطلة العرض ومؤلفته ومخرجته (دعاء حمزة) وكذلك بطله عماد إسماعيل. وكانت فكرة تقديم مشاهد من أفلام شهيرة، مثل "الناصر صلاح الدين" و "وا إسلاماه"، و"شيء من الخوف" وغيرها، حلاً ذكياً لاستعراض مواهب الشخصيتين وبيان قدرتهما على أداء مختلف الأدوار ببراعة، سواء المونولوجات أو الديالوجات. اجتهد الممثلان كثيراً في تقديم المشاهد بوعي وحرفية بخاصة مع تنوعها ما بين التراجيدي والكوميدي وكأنهما يشيران إلى امتلاك شخصيتَي الكومبارس كل الأدوات التي تؤهلهما لتقديم مساحات أكبر من مجرد الأدوار الصامته التي تم حبسهما فيها بالخطأ، تماماً كما تم حبسهما بالخطأ في غرفة الملابس.

فضلًا عن رسالة العرض فنحن أمام "عرض تمثيل" بامتياز، تتقوّض كل أركانه وتمحى رسالته تماماً إذا لم نستشعر موهبة الشخصيتين أمامنا وقدرتهما الفائقة على الإقناع وهو ما حدث عبر الدقائق الخمس والأربعين التي تم حبسهما خلالها حيث برع الممثلان ومن دون أية مبالغات في أداء عديد الأدوار التي لعبها ممثلون كبار قبلهما وكاد المشاهد يحفظها عن ظهر قلب كما يقولون ذلك حتى يكون السؤال مشروعاً: لماذا لم يحصلا على مفتاح الشهرة وأين يوجد ذلك المفتاح أصلاً وما مقوّمات من يمتلكه؟

ديكورات متقشفة

ديكورات العرض، وكعادة أغلب الفرق المستقلة التي تعمل بميزانيات ضئيلة جاءت بسيطة ومتقشفة لكنها أدت الغرض بشكل جيد، غرفة ملابس في حالة من الفوضى ومجموعة من حاملات الملابس وبعض المقاعد المتناثرة هنا وهناك وهو ديكور مناسب تماماً لأجواء العرض فضلاً عن إتاحته مساحة جيدة للتمثيل وعدم إعاقة حركة الممثلين وكذلك سهولة نقله من مسرح إلى آخر من دون تكاليف مادية كبيرة تفوق قدرات صناع العرض.

إجمالًا نحن أمام عرض بسيط في فكرته لكنه أصاب هدفه بدقة شديدة، بل إنه تجاوز الهدف الأولي أو الرئيسي وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير حاذفاً الأقواس ومانحاً فرصة التأويلات المتعددة. عرض متقشف في ديكوراته وميزانية إنتاجه وعدد المشاركين فيه، لكنه غني بدلالاته وما طرحه من قضايا عن قسوة عالم التمثيل في تعامله مع طائفة "الكومبارس" على أهمية وضرورة وجودها وهو انعكاس لكل ما هو خارج هذا العالم من قسوة وعنف وتوق إلى العثور على "مفتاح العدالة" الذي كُتب على البشر البحث عنه طوال سنين حياتهم من دون جدوى في معظم الأحيان، وكأنه لا جنّة على الأرض بالفعل.

المزيد من ثقافة