Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أسطول الظل" تحت الضغط: واشنطن تستهدف شريان طهران

مئات الناقلات تمنحها هامشاً للمناورة لكن الحصار والاستهداف يضيقان قدرتها على تصدير النفط

هبطت تحميلات الخام الإيراني من نحو مليوني برميل يومياً في مارس الماضي إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً خلال أغسطس الماضي (سنتكوم)

ملخص

أفاد متخصصون "اندبندنت عربية" بأن ميزان الضغط في حرب الناقلات بدأ يميل تدريجاً لمصلحة الولايات المتحدة، مع تراجع قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، بالفاعلية التي كانت تراهن عليها، في وقت أصبحت فيه طهران أكثر انكشافاً أمام استهداف شبكة نقل النفط التي تمثل شرياناً رئيساً لإيراداتها من العملة الأجنبية.

تدخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال الصراع إلى شريان بالغ الحساسية بالنسبة إلى طهران، وهو أسطول نقل النفط، فاستهداف واشنطن ثلاث ناقلات إيرانية في الخامس من سبتمبر (أيلول) الجاري يوسع دائرة الضغط من العقوبات والحصار وتقييد الصادرات، إلى الأدوات التي تعتمد عليها إيران فعلياً في نقل خامها وتخزينه وتسويقه، مما يجعل الناقلات جزءاً من معركة استنزاف تستهدف قدرة طهران على تحويل النفط إلى إيرادات، وتمويل اقتصادها.

وتبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد إحصاء السفن التي ترفع العلم الإيراني، إذ بنت طهران خلال أعوام العقوبات شبكة واسعة لنقل الخام، تضم أسطولها الرسمي إضافة إلى ناقلات تعمل ضمن شركات وواجهات بحرية ورايات وهياكل ملكية مختلفة، فيما يعرف بـ "أسطول الظل".

وتفاوت التقديرات في شأن حجم هذه الشبكة يعكس طبيعتها المتغيرة، لكنه يكشف أيضاً عن حجم البنية اللوجستية التي احتاجت إليها إيران للحفاظ على صادراتها تحت العقوبات، وقدرتها على تبديل السفن والمسارات وطرق التشغيل، كلما اشتد الضغط عليها.

غير أن امتلاك عدد كبير من الناقلات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة نفسها على تشغيلها، فالعقوبات ترفع كلفة التمويل والتأمين والصيانة والتسجيل، بينما يزيد الحصار والاستهداف العسكري أخطار كل رحلة، مما يجعل التحدي الحقيقي بالنسبة إلى طهران هو عدد السفن التي تستطيع تشغيلها بصورة آمنة ومنتظمة، والوصول بها إلى مشترين مستعدين لتحمل أخطار العقوبات، وليس العدد الإجمالي للناقلات المرتبطة بها.

انكشاف متبادل 

تحمل "حرب الناقلات" في الوقت نفسه معادلة انكشاف متبادل، فإيران تتمركز عند واحد من أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم، وتملك القدرة على رفع أخطار الملاحة والشحن والتأمين في الخليج ومضيق هرمز، حيث تمر مصالح نفطية وتجارية ضخمة للولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي، ولذلك فإن توسيع المواجهة إلى أساطيل نقل النفط قد يمنح واشنطن قدرة أكبر على تضييق منافذ تصدير الخام الإيراني، لكنه يفتح في المقابل مساحة أمام طهران لنقل جزء من كلفة الضغط إلى حركة الملاحة وتجارة الطاقة، مما يحول استنزاف الأسطول الإيراني من مواجهة ثنائية إلى مصدر خطر أوسع على الإمدادات والأسعار والتجارة العالمية.

أسطول يتجاوز العلم الإيراني

ولا تعكس الناقلات التي ترفع العلم الإيراني وحدها الحجم الحقيقي لقدرة طهران على نقل النفط، إذ تعتمد على شبكة أوسع من السفن والشركات والوسطاء، وتختلف تقديرات حجم هذه الشبكة بحسب تعريف السفن المرتبطة بالنفط الإيراني، إذ قدرت "ستاندرد أند بورز غلوبال" الأسطول المستخدم حصراً في تجارة الخام الإيراني بنحو 170 ناقلة، من بينها 86 ناقلة نفط عملاقة، بينما تشير بيانات "تانكر تراكرز" المتخصصة في حركة ناقلات النفط إلى تتبع 633 ناقلة، ارتبطت بإيران على مدى أعوام، منها 397 خاضعة للعقوبات الأميركية حتى أبريل (نيسان) الماضي.

وتكشف الفجوة بين التقديرين صعوبة التعامل مع "الأسطول الإيراني" باعتباره رقماً ثابتاً، إذ تتغير السفن المستخدمة مع العقوبات وعمليات البيع وتبديل الأعلام والملكية وشركات الإدارة، ولذلك تبقى القدرة الفعلية لطهران مرتبطة بعدد الناقلات التي تستطيع إبقاءها في الخدمة، وتأمين مسارها وتمويلها والوصول بها إلى المشترين، مستفيدة من أدوات طورتها خلال أعوام العقوبات، من بينها تغيير أعلام السفن وتعقيد هياكل الملكية ونقل الشحنات بين السفن، واستخدام ناقلات قديمة وشركات وسيطة، ويمنح ميناء جاسك طهران منفذاً خارج مضيق هرمز، يخفف جزئياً اعتمادها على جزيرة خارك، لكن فاعلية هذه الأدوات تتراجع كلما انتقلت المواجهة من العقوبات المالية إلى الحصار والاستهداف المباشر للسفن.

القدرة التشغيلية أهم من العدد

ازدادت أهمية هذه الشبكة مع تراجع قدرة إيران على إيصال نفطها إلى المشترين، فقد هبطت تحميلات الخام الإيراني من نحو مليوني برميل يومياً في مارس (آذار) الماضي إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً خلال أغسطس (آب) الماضي، في مؤشر على اتساع أثر الحصار والقيود على الصادرات، ومن هنا لا تقاس خسارة أية ناقلة بقيمتها أو حمولتها وحدهما، وإنما بما تمثله من قدرة تشغيلية داخل سلسلة تصدير أصبحت أكثر صعوبة، فاستبدال سفينة بأخرى لا يحل المشكلة بالضرورة، لأن الناقلة الجديدة تحتاج إلى تمويل وتأمين ومسار ملاحي وميناء استقبال ومشتر مستعد لتحمل الأخطار.

ومع استهداف القوات الأميركية ثلاث ناقلات إيرانية في الخامس من سبتمبر الجاري، دخل الضغط مرحلة مختلفة، إذ لم يعد يقتصر على معاقبة الشركات والسفن أو تقييد تعاملاتها، إنما امتد إلى أصول تستخدمها طهران مباشرة في نقل النفط، وكلما خرجت سفن إضافية من الخدمة، ارتفعت كلفة تصريف البراميل الإيرانية، وضاقت المساحة المتاحة للالتفاف على الحصار.

ماذا يملك الجانب الأميركي؟

تظهر بيانات الإدارة البحرية الأميركية أن الأسطول التجاري الأميركي العامل في الرحلات الدولية يضم 188 سفينة، بينها 75 ناقلة، بطاقة إجمالية لنقل السوائل تتجاوز 31 مليون برميل، لكن هذه الأرقام تعبّر عن الأسطول الأميركي عالمياً، ولا تعني وجود هذا العدد من الناقلات داخل الخليج أو قرب إيران، وقد يكون قياس الانكشاف الأميركي بعدد السفن التي ترفع العلم الأميركي وحدها مضللاً، نظراً إلى الطبيعة الدولية لصناعة الشحن، فالمصالح المرتبطة بواشنطن تشمل سفناً مملوكة أو مشغلة من شركات أميركية، إضافة إلى ناقلات تنقل الخام إلى حلفاء الولايات المتحدة وأسواق رئيسة، مما يجعل دائرة المصالح المعرضة لاضطرابات الملاحة أوسع من الأسطول الأميركي المباشر.

وتزداد هذه الحساسية مع تعرض ناقلات خليجية لهجمات خلال التصعيد الأخير، مما يوضح أن قدرة إيران على الرد لا تتطلب استهداف سفن أميركية حصراً، إذ يمكن لأي تهديد واسع للملاحة أن يرفع كلفة النقل والتأمين، ويؤثر في صادرات الدول المنتجة وحركة الإمدادات العالمية.

هرمز يضاعف ميزان الضغط

تكمن الورقة الأهم في الموقع الجغرافي للمواجهة، فقبل اندلاع الحرب كان مضيق هرمز يستقبل نحو 125 سفينة تجارية يومياً، باعتباره ممراً رئيساً لصادرات النفط والغاز والمنتجات البترولية من الخليج إلى الأسواق العالمية، قبل أن تتراجع حركة المرور المرصودة عبره بصورة حادة مع تصاعد العمليات العسكرية، ولا يعني انخفاض حركة السفن بالضرورة فقدان الكمية نفسها من الإمدادات، إذ تستخدم بعض الدول مسارات بديلة، وكذلك فإن جزءاً من السفن قد يعمل بعيداً من أجهزة الرصد، لكن استمرار انخفاض العبور يرفع كلفة الوصول إلى النفط حتى قبل حدوث نقص مادي كبير، لأن شركات النقل والتأمين تعيد تسعير الأخطار، وبعض الناقلات قد تفضل الانتظار أو تغيير مساراتها، بدلاً من دخول منطقة عالية الخطورة، وبذلك تختلف "حرب الناقلات" الحالية عن مواجهة تستهدف أسطولين متقابلين من الحجم نفسه، فالولايات المتحدة تستطيع زيادة الضغط المباشر على شبكة تصدير النفط الإيراني، وإجبار طهران على تشغيل أسطولها بكلفة وأخطار أعلى، فيما تستطيع إيران رفع كلفة الملاحة على نطاق أوسع، من خلال موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد الحركة في هرمز.

وتصب هذه المعادلة في ميزان استنزاف غير متماثل، إذ يضرب تعطيل الصادرات الإيرانية مصدراً رئيساً للعملة الأجنبية، بالنسبة إلى طهران، بصورة مباشرة، بينما تتوزع الكلفة المقابلة على شركات شحن وتأمين ومنتجين ومستهلكين وأسواق عدة، ولهذا تبدو أفضلية واشنطن أكبر كلما طال أمد الضغط وبقيت الملاحة العالمية قادرة على التكيف، فيما تزداد قدرة إيران على تعديل الميزان كلما نجحت في جعل كلفة العبور عبر هرمز مرتفعة، بما يكفي لنقل الأزمة من صادراتها وحدها إلى سوق الطاقة العالمي.

شبكة واسعة من الناقلات

وأفاد متخصصون "اندبندنت عربية" بأن ميزان الضغط في حرب الناقلات بدأ يميل تدريجاً لمصلحة الولايات المتحدة، مع تراجع قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، بالفاعلية التي كانت تراهن عليها، في وقت أصبحت طهران نفسها أكثر انكشافاً أمام استهداف شبكة نقل النفط، التي تمثل شرياناً رئيساً لإيراداتها من العملة الأجنبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات الإستراتيجية والأبحاث الاقتصادية"، طارق الرفاعي، أن إيران لا تزال تمتلك هامشاً للمناورة من خلال شبكة واسعة من الناقلات، تضم سفناً مرتبطة بها مباشرة وأخرى تعمل ضمن "أسطول الظل"، مع صعوبة تحديد رقم ثابت لحجم هذه الشبكة، بسبب تغير الملكيات وأسماء السفن وهياكل التشغيل بصورة مستمرة، مشيراً إلى أن الضغط الأميركي يمكن أن يرفع كلفة تشغيل هذه الشبكة ويخرج بعض الناقلات عن الخدمة، لكنه لا يعني بالضرورة قدرة واشنطن على تعطيلها بالكامل، إذ تستطيع طهران تعويض جزء من السفن عبر ناقلات قديمة وهياكل ملكية معقدة وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، غير أن هذه البدائل تصبح أكثر كلفة وأعلى مخاطرة كلما اتسع نطاق الاستهداف والعقوبات.

ويضيف الرفاعي أن قدرة إيران على الضغط المقابل لا تعتمد على أسطولها النفطي وحده، إذ تمتلك أدوات عسكرية قادرة على رفع أخطار الملاحة في محيط مضيق هرمز، وذلك يعني أن طهران تستطيع زيادة كلفة الشحن والتأمين وتهديد تدفقات الطاقة من المنطقة، لكنها تواجه في الوقت نفسه معضلة أساسية، إذ إن استمرار تعطيل الملاحة يضر اقتصادها أيضاً، نظراً إلى اعتماده الكبير على تصدير النفط والحصول على العملة الأجنبية.

ويرى الرفاعي أن هذه المعادلة تمنح واشنطن أفضلية نسبية في حرب الاستنزاف، لأن خسارة ناقلة أو تعطلها يمثل ضغطاً مباشراً على قدرة إيران على تصريف خامها، بينما تتوزع كلفة اضطراب الملاحة على نطاق أوسع من الشركات والدول والأسواق، ومع ذلك فإن تحول استهداف الناقلات إلى نمط مستمر قد يوسع دائرة الخسائر، ويرفع أسعار النفط والشحن وأقساط التأمين، مما يجعل كلفة المواجهة تتجاوز الطرفين.

الحصار يضيق هامش المناورة

أما المتخصص في شؤون النفط والغاز، علي الريامي، فيرى أن نقل النفط الإيراني بات أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق، نتيجة تشديد الحصار والعقوبات، لكنه يستبعد في الوقت نفسه قدرة الولايات المتحدة على تصفير الصادرات بالكامل، في ظل امتلاك طهران خبرة طويلة في استخدام "أسطول الظل"، وأساليب متعددة لنقل الخام والالتفاف على القيود، مشيراً إلى أن إيران أعدت نفسها مسبقاً لمثل هذا السيناريو، ويمكنها الاستمرار في تهريب كميات من النفط عبر شبكات وسفن تعمل خارج الأسطول الرسمي، لكن الفارق اليوم يكمن في ارتفاع مستوى المخاطرة، فكل رحلة أصبحت أكثر كلفة، وكل ناقلة تدخل الخدمة تواجه احتمالات أكبر للتعقّب أو العقوبات أو الاستهداف.

ويؤكد الريامي أن الضربات الأميركية الأخيرة التي استهدفت ثلاث ناقلات إيرانية رفعت مستوى الحذر لدى طهران، خصوصاً مع صعوبة تعويض بعض أنواع السفن بسرعة، وبذلك أصبحت عمليات التصدير خاضعة لمعادلة أكثر حساسية، بين الحاجة إلى الحفاظ على تدفقات الإيرادات، وخطر خسارة أصول بحرية يصعب تعويضها مع استمرار الحرب.

حركة النفط عبر "هرمز" ستظل منخفضة

ويوضح كبير الاقتصاديين في "ريستاد إنرجي"، كلاوديو غالمبرتي، أن حركة النفط عبر المضيق ستظل منخفضة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مع استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران، لافتاً إلى أن هذه القراءة تكتسب أهمية في ميزان الضغط، لأن استمرار تراجع الحركة فترة طويلة يحول الأزمة من صدمة عسكرية موقتة إلى استنزاف اقتصادي ولوجستي متراكم، مضيفاً أن "أسطول الظل" لا يزال يوفر قدراً من المرونة لإيران، لكنه لم يعد كافياً وحده لضمان استمرار الصادرات بالمستويات التي سبقت الحرب، فعمليات نقل النفط بين السفن وتغيير الملكيات والمسارات، تستطيع تخفيف أثر القيود، لكنها لا تلغي أخطار العقوبات أو الاستهداف، فيما يؤدي انخفاض عدد السفن المستعدة لتحمل المخاطرة إلى زيادة كلفة تصدير كل برميل.

وبذلك يبقى لدى طهران مجال للمناورة، لكنه أصبح أضيق وأكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار لفترة طويلة، وهو ما يعزز الضغط الأميركي عليها، فيما تحتفظ بورقة رفع كلفة الملاحة في هرمز، بما يمكن أن ينقل جزءاً من الخسائر إلى صادرات الخليج، وأسواق النفط والغاز وشركات الشحن والتأمين، ومن هنا تبدو "حرب الناقلات" أقرب إلى معركة حول القدرة على تحمل الاستنزاف منها إلى مقارنة مباشرة بين عدد السفن، فالولايات المتحدة تستطيع زيادة الضغط على شبكة تصدير النفط الإيراني، بينما تستطيع طهران رفع الكلفة الاقتصادية للمواجهة، لكن الفارق الأساس أن تعطيل حركة النفط يضرب مصدر الإيرادات الرئيس لإيران بصورة مباشرة، فيما تتوزع الأضرار المقابلة على شبكة أوسع من المنتجين والمستهلكين والأسواق العالمية.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز