Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا تخشى أميركا على الدولة-الأمة في السودان خشيتها عليها في غيره؟

"للولايات المتحدة تجارب غير سارة مع صفوات ضاقت ذرعاً بجيوشها لسبب أو آخر"

انتقلت "صمود" في مشروعها للإصلاح الأمني والعسكري، من دمج "الدعم السريع" في الجيش إلى حل القوتين في جيش قومي مهني (أ ف ب)

ملخص

يغلب في مقاربة أميركا والمجتمع الدولي لأزمة السودان الإلحاح على إنهاء الحرب. وصح منهم هذا القلق من الكارثة الإنسانية لحرب الأعوام الثلاثة ونيف التي آذت السودانيين كثيراً، غير أن المرء لا يعرف منهم صورة الدولة التي اتفقت لهم بعد وقف الحرب. فما قرروا وجوب وقف الحرب حتى انتقلوا إلى قيام حكومة انتقالية يتولى أمرها مدنيون باستبعاد كامل للعسكريين. فما لا تتطرق له هذه الدوائر الدولية إن كانت ستقوم هذه الحكومة المدنية بمنطق الدولة التي لها حصرية السلاح، أم أنها ستكون دولة بالقوات المسلحة وقوات "الدعم السريع" معاً مما يفتح الباب للكيان الموازي للدولة.

تدور تحليلات كثيرة حول السياسة الأميركية في المنطقة العربية، وتحديداً في ما يخص الحرب المشتعلة في السودان، فتُذكر مواجهات أميركا الراهنة مع الجماعات المسلحة من خارج الدولة (الحوثيين، الحشد الشعبي العراقي، 'حزب الله')، ويرى مراقبون أن على أميركا أن تقدم في سياساتها الخارجية وجود الدولة-الأمة نفسها على ما سواه.

ونفع هذه العبارة للسودان في حربه القائمة عظيم لأنه حتى أكثر المتفائلين يكاد يكون فرغ من أن دولة السودان إلى انهيار قريب.

وقال الرئيس اللبناني جوزاف عون في السياق إن ما نحن حياله هو منطق الدولة واللادولة.

وجاء التئام شمل الأمة السورية عرباً وكرداً في نهاية الشهر الماضي، عنواناً على نجاح السياسة الأميركية في صون الدولة-الأمة. فاكتملت في 25 أغسطس (آب) المنصرم، عملية اندماج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) و"الإدارة الذاتية" إلى جسد وهيكليات الدولة السورية، وفق اتفاق الـ29 من يناير (كانون الثاني) 2026. فأعلن مظلوم عبدي، قائد "قسد" انتهاء مهامها وحل تشكيلاتها في كلمة له حول المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي اعترف فيه الرئيس السوري أحمد الشرع بحق التعلم باللغة الكردية، وبعيد نوروز عيداً وطنياً، وكذلك منح الجنسية السورية للمجردين منها وفق قانون الإحصاء منذ عام 1962. وأيدي أميركا على الواقعة بيضاء. فلاقى القرار ترحيبها على لسان المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا توم براك، واصفاً إياها بالخطوة التاريخية. وأضاف في تغريدة إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المستمرة للشرق الأوسط، أدت إلى بزوغ سوريا موحدة للجميع. وإن "قيادة الرئيس ترمب بعيدة النظر فتحت الطريق أمام الاندماج المنظم لقوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية، مما حوّل انقسامات الماضي إلى شراكة دائمة". وختم براك قائلاً “هذه ليست عملية غالب ومغلوب، بل هي التوصل إلى حل دبلوماسي لتعزيز سيادة الدولة السورية في ظل جيش واحد، وحكومة واحدة، ودولة واحدة".

وتنتظر أميركا في العراق نضج ثمرة سياستها في لمّ شعث الدولة الأمة. فكانت استحثت رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بمنطق الدولة لتفكيك الفصائل المسلحة. ولم يتفق لها قانون "الحشد الشعبي" الذي عرضته الحكومة على البرلمان في قراءة ثانية، فكفت عنه. فمشروع القانون منح "الحشد" صلاحيات موازية للجيش فصار به "جزءاً من القوات المسلحة يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة وله حق التسليح لحماية النظام الديمقراطي والدستوري. فأثار مخاوف الولايات المتحدة من أن يؤدي إقراره إلى تمكين مجموعات مسلحة موالية لإيران تستظل بـ"الحشد".

وجاء علي فالح الزيدي لرئاسة الوزراء في مايو (أيار) الماضي بمباركة أميركية، بل بإرادة مباشرة في أعقاب رفضها تولي نوري المالكي الوظيفة لشبهاتها عليه منذ سنوات ولايته الأمر الباكرة.

وباشر الزيدي مساعيه بمنطق الدولة لتفكيك الكيان الموازي. فأمهل المجموعات المسلحة حتى 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، للتخلي عن سلاحها تزامناً مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب القوات الأميركية. وبينما تشجع الزيدي بقبول بعض الفصائل حل نفسها مثل "سرايا السلام" التي تحت إمرة السيد مقتدى الصدر وغيرها، إلا إنه يواجه مثل "عصائب أهل الحق" التي تستعصي على الدمج. وتنهض فصائل أخرى ذات خطر بوجهه. فهددت كتائب "حزب الله"، الأكثر عدة ونفوذاً وقرباً من إيران، بالرد عليه عيناً بعين لأن أفعاله في نظرها "استفزازية" و"غير مسؤولة".

وتتمسك تلك الفصائل بحقها في حمل السلاح حتى تتحقق لها شروطها العصيبة كـ "تحرير القرار السياسي والاقتصادي من الهيمنة الأميركية" و"إخراج القوات التركية" المتمركزة منذ سنوات بشمال العراق بحجة محاربة حزب العمال الكردستاني، و"حل قوات البشمركة" المسلحة التابعة لحكومة إقليم كردستان.

والمطلب الأخير فيه نذر خلاف منتظر مع الأكراد. فحذر إقليم "كردستان العراق" من أي محاولة لربط ملف دمج الفصائل المسلحة في العراق بملف دمج قوات البشمركة. فحكومة الإقليم تعدها جزءاً من بنيته الدستورية بنص الفقرة الخامسة من المادة 121 من الدستور العراقي. فحلها، لا كما مع الفصائل، قرين بتغيير الدستور.

ولهذه الاستماتة من الفصائل دون الدمج، سبب جاء في قول أحدهم من أنها ليست مجرد ظاهرة عسكرية، بل تكويناً سياسياً إيديولوجياً تنتمي إليها معظم الشخصيات السياسية وأحزابها التي تأسست في المنفى، بخاصة المنفيان السوري والإيراني.

لا خفاء أن السودان غير مشمول في السياسة الأميركية التي تريد لمّ شمل الأمة بعونها في التخلص من الكيان الموازي مثل "قسد" أو "حزب الله العراقي" وغيرهما. ويستغرب المرء هذا منها لأن السودان منذ نهض مستقلاً منذ ثورته في ديسمبر (كانون الأول) 2018 لإزالة الكيان الموازي للدولة وهو "قوات الدعم السريع"، أو ما سماه كاتب بـ "الزائدة الدودية" في الأمة. فجاء مبدأ حصرية السلاح في الاتفاق الإطاري في يناير 2023، وهو إصلاح عسكري أمني خرجت به "قوى الحرية والتغيير" (قحت) برعاية "المجموعة الرباعية" المكونة من الولايات المتحدة، وبريطانيا والسعودية، والإمارات، وبوساطة من الآلية الثلاثية للبعثة السياسية للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيغاد. ودعت فيه إلى دمج قوات "الدعم السريع" والحركات المسلحة قاطبة في القوات المسلحة بما هو حصر للسلاح بيد الدولة.

 وهو ما لم يتفق للفريق محمد حمدان دقلو لا خلال فترة الحكم الانتقالي التي كان المبدأ حداء الشارع: "ما في ميليشيات بتحكم دولة". العسكر للثكنات والجنجويد (الدعم السريع) ينحل وحسب، بل خلال فترة "دولة الإنقاذ" نفسها. ففاوض الرئيس السابق عمر البشير، رئيس الجمهورية يومها، بقوة من فوق عقيدته باستقلال قواته عن غيرها ليخرج بقانون الدعم لعام 2017 الذي وطنّه جيشاً ثانياً كما عرض لذلك الدكتور سلمان محمد سلمان في كتابه عنه. وبدا من الحرب أن "حميدتي" لم يستعد لأمر مثل استعداده ألا "يؤكل لحماً ويرمى عظماً" بالاتفاق الإطاري كما قال في لقاء خلال حكم الإنقاذ جمعه مع الإعلامي الطاهر أحمد التوم على "س24".

ومع تعلق ممثلي الولايات المتحدة للسودان بنظرة أن الجيش والدعم السريع سواء، إلا أن لهم، ونادراً، فواقاً ثبتوا المؤسسية للقوات المسلحة. فسمعنا من توم بيرييلو، ممثل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في السودان، ما يميز الجيش بما تخطى رأيهم في الحرب كـ "صراع جنرالين" طموحين للاستحواذ على الحكم. فقال، بعد حديثه عن الجيش الموحد، إن "القوات المسلحة السودانية عمرها أكبر من عمر الدولة ولا بد من احترامها".

وحدث نفس الشيء مع مسعد بولس، مبعوث الرئيس ترمب للسودان. فأكد في 18 يناير 2026 أن الولايات المتحدة لا تعترف بأي كيانات موازية في السودان، لكنها تتواصل مع جميع الأطراف في سبيل التوصل إلى حل سلمي. وشدد على أن واشنطن لا تساوي بين الحكومة السودانية وأي كيان موازٍ، قائلاً إن "هناك حكومة سودانية معترف بها، ونحن نتعاطى معها". فمتى لم يلتزموا بالقوات المسلحة ودولتها كانت زلة لسان.

يغلب في مقاربة أميركا والمجتمع الدولي لأزمة السودان الالحاح على إنهاء الحرب. وصح منهم هذا القلق من الكارثة الإنسانية لحرب الأعوام الثلاثة ونيف التي أذت السودانيين كثيراً. غير أن المرء لا يعرف منهم صورة الدولة التي اتفقت لهم بعد وقف الحرب. فما قرروا وجوب وقف الحرب حتى انتقلوا إلى قيام حكومة انتقالية يتولى أمرها مدنيون باستبعاد كامل للعسكريين. فما لا تتطرق له هذه الدوائر الدولية إن كانت ستقوم هذه الحكومة المدنية بمنطق الدولة التي لها حصرية السلاح، أم أنها ستكون دولة بالقوات المسلحة وقوات "الدعم السريع" معاً مما يفتح الباب للكيان الموازي للدولة.

 وتجد القوى المدنية في تحالف "صمود" وغيرها، تعود من غير كثير تفكيرها إلى قيام جيش واحد تندمج فيه كل من القوات المسلحة. ومع أن الوضع سيعتمد إلى حد كبير على توازن القوى وقت إنهاء الحرب المنتظر، إلا أن الخشية أن نكرر تجربتنا الفاشلة في دمج القوتين العسكرتين بالاتفاق الإطاري (2022) الذي اشتعلت الحرب بأثره.

وانتقلت "صمود" في مشروعها للإصلاح الأمني والعسكري، من دمج "الدعم السريع" في الجيش إلى حل القوتين في جيش قومي مهني. وليس هذا الدمج مخالفاً للاتفاق الإطاري الذي قضى بدمج "الدعم" في الجيش، بل اختلف عن السياسة الأميركية في سوريا والعراق التي دمجت، أو خططت لدمج، الكيان الموازي في الجيش الوطني. ومهما يكن من أمر فصورة الدولة في السودان بعد إنهاء الحرب مبهمة إن لم تكن مخيفة. فلا يعرف المرء إن كانت حكومة انتقالية مدنية صرف ستحسن إدارة قوتين عسكريتين بعد حرب أدخلت المدنيين فيها أفواجاً.    

وبدا أن من حسن التفكير لصورة الدولة السودانية بالحرب هو التواصي على السياسة الأميركية التي رأيناها تلملم شعث الأمة في سوريا بدمج الكيان الموازي، وهو هنا "الدعم السريع"، إلى القوات المسلحة كما سعى "الإطاري" إلى ذلك برغم أنه لم يوفّق فيه. فبمثل هذا الدمج توطن كياناً موازياً غير مهني في قوات مهنية احتفلت بعيدها الثاني بعد المئة قبل أسابيع. ونوه بقِدمها كل من بيريللو وبولس. وتحتاج مثل هذه الخطوة لتسوغ إلى تحليل أدق مما بيدنا عن سوء الصيت الذي اكتنف القوات المسلحة حتى صارت هي وقوات "الدعم السريع" في حد السواء من التفلت والتوحش. ومتى أحسنّا التحليل لوجدنا أن سوء السمعة هذا قريب العهد ومن صنع الصفوة المدنية في مثل "صمود" والتحالف الجذري وغيرهما. بل لوجدنا أنه ساء عندهم منقلباً بأكثر من "الدعم السريع". فهو عندها مَن وجب حله لا قوات "الدعم السريع" مثلاً. فجاؤوا إلى تسوئته عن طريق خصمهم التاريخي في السياسة الطلابية وما بعد الطلابية وفي "دولة الإنقاذ" لثلاثين عاماً وهو "الكيزان". ونفثوا فيها غبينتهم لانتكاسة ثورة ديسمبر ودولتها التي اتهموا "الكيزان"، لا بإسقاطها من وراء انقلاب الجيش و"الدعم السريع" عليهم في أكتوبر 2021 فحسب، بل في إشعالهم الحرب نفسها للعودة إلى الحكم.

فلننظر قليلاً في أدبياتهم لنقف على سقم هذه الصفوة من القوات المسلحة سقماً أزهدهم فيها.

فشاعت إشانة الجيش بين الناشطين من هذه الصفوة. فسماه كمال عباس منهم، "جيش العار". وصار عندهم صنواً للحركة الإسلامية، لا إرادة له بغيرهم. فقال شمس الدين ضو البيت، محرر جريدة "الحداثة"، إنه "جيش لا نفع منه" مختطف بـ "الكيزان" "أشعل حرباً من أجل السيطرة وحماية تمكين الحركة الإسلامية". فالجيش لم يعد مَن يحارب في رأي نعمات مالك، النقابية اليسارية، بل مَن يحارب الآن هم كتائب الإسلاميين ويحملون السلاح تحت لجنة الرئيس السابق عمر حسن البشير، الأمنية ما يزال. وخلصوا بالنتيجة إلى أنه "ميليشيا كيزانية" كمثل "الدعم السريع" والحركات المسلحة الأخرى. وجاء اتفاقهم في إعلان أديس أبابا بنص صريح يقول بحل هذه الميليشيات المتعددة في جيش وطني مهني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن عقائد هذا السقم ما جاء به خالد عمر يوسف، القيادي بـ "صمود"، الذي قال إن "الجيش كيان خالص للإسلاميين زرعوا فيه شبكاتهم كما في دوائر الدولة الأخرى". وعليه فهو بخلاف نموذج "الكيان الموازي" مثل "الحشد الشعبي" أو "حزب الله" أو الحوثيون، من المعدودين أذرعاً إيرانية، ينمو داخل الدولة بصورة مستقلة عنها حتى يبتلعها. وزاد بأن إسقاط هذا النموذج على السودان دون تدبر هو إسقاط مضلِّل. فالسودان، وإن كان جزءاً من النطاق الجغرافي الذي تسعى إيران لبسط نفوذها فيه عبر حلفائها، إلا أنه يمثل حالة مغايرة، إذ أننا لا نواجه كيانات متطرفة تحاصر الدولة من خارجها، بل نواجه الأخطر من ذلك وهو اختطاف الدولة من داخلها بمثل تمكين الإسلاميين لأنفسهم فيها، وفي الجيش خاصةً، حتى أطلقوا عليه اسم "ميليشيا الكيزان" كما تقدم. والملاحظ أن خالد لم يأت هنا قط بسيرة قوات "الدعم السريع" في سياق "الكيان الموازي" مع أنها نمت داخل "دولة الإنقاذ" في تعريف خالد الحرفي لذلك الكيان، حتى سارت عليها عبارة أنها "خرجت من رحم الإنقاذ"، بل وكانت مما أراد بها "الكيزان" التمكين لأنفسهم في الجيش والسياسة، وخرجت لتختطف الدولة. وسادت بين هذه الصفوة إسقاط العفو عن "الدعم السريع" منذ خرج محمد حمدان دقلو في نوبة طلب لحلفاء ضد القوات المسلحة بعد انقلابهما في أكتوبر 2021. فاعتذر عن الانقلاب ونصّب "الكيزان" خصماً له. فصار يغضون الطرف عنه حتى في ما لا يأذن به السياق كما رأينا خالد يفعل.

 وتخطئ هذه الصفوة بحق الجيش بوجوه. من ذلك أن القول بأن الجيش مختطف من الداخل بواسطة "الكيزان" مما استجد لخالد ورفاقه. فلم يطلب "الاتفاق الإطاري" للإصلاح العسكري والأمني لـ "قوى الحرية والتغيير" في 2021، من الجيش سوى العودة إلى الثكنات، بينما قضى بدمج "الدعم السري"ع فيه ببينة أنه كيان موازي: "الجنجويد ينحل وما في مليشيا بتحكم دولة" كما تقدم. فلو صحّ الجيش أنه مختطف من الكيزان لعقود، لما اكتفوا بالطلب منه العودة للثكنات ليحلوا "الدعم السريع" داخله.

أما الوجه الآخر فهو ضيق الصفوة منه لأنه مباءة انقلابات في أعوام 1958 و1969 و1989 و2021. وهذا تطور آخر استحق الوقوف عنده. فلم يكن المدنيون بعامة يحمّلون الجيش مغبة الانقلابات وتولي الحكم لغالب عمر السودان المستقل. فراجت نظرية تامة القبول عندهم تقول بأن الانقلاب هو ما يوحي به السياسيون المدنيون للجيش. وأشاعت هذه النظرية صفوة النادي السياسي في تجاحدهم، ولومهم ولومهم المضاد، أي في تلاومهم عمن أساء سياسة البلاد وجر الجيش، المبرّأ من السياسة وشاغل الحكم، لنصرته في مغامرته الإيدلوجية ليحكم. فحزب الأمة القومي متهم بأنه من وسوس للجيش بالانقلاب في 1958. والشيوعيون مدموغون بأنهم من وسوس للجيش أن ينقلب في 25 مايو 1969. كما يوزر الإسلاميين بدفع الجيش لانقلاب 1989. وبين تلك الانقلابات، أخرى فاشلة مثل انقلاب البعثيين في 1990 وغيره. ومن أفدح ما ترتب على هذا التبسيط التاريخي أن راجت فكرة أن الانقلاب هو ما نجنيه على أنفسنا بإفسادنا الديمقراطية لمسارعة فرق الصفوة المدنية إلى الجيش يستعين به واحدها على الآخر. وسيكون مثيراً أن نعرف كيف تحول المدنيون في يومنا 180 درجة لتطلب حل الجيش بجريرة العقلية الانقلابية في حين نظروا إليه سابقاً كمخلب قط في يد الأحزاب السياسية، أي في يدهم هم.

لا يخفي أن لهذه الصفوة آذان المجتمع الدولي بأفضل من الجيش. ولا مندوحة أنها أعدته بسقمها منه. ولكن لأميركا تجارب غير سارة مع صفوات ضاقت ذرعاً بجيوشها لسبب أو آخر، وحلتها تحت سمع وبصرها: هايتي في 1994 والعراق في 2003. وليس من عاقل ناظر للبلدين لا يرى التكلفة الفادحة لحل الجيشين جراء سقم معارض. فهايتي في براثن العصابات والعراق تلملم شعثها بحضور أميركي نافذ كما تقدم.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء