ملخص
تدفع خطط الولايات المتحدة لتوسيع دفاعاتها الصاروخية في الفضاء، وفي مقدمها "القبة الذهبية"، روسيا والصين إلى تعزيز ترساناتهما وتطوير وسائل قادرة على تجاوزها، بما يهدد بتحويل الفضاء إلى ساحة جديدة لسباق تسلح نووي. وكسر هذه الحلقة يتطلب إحياء جهود الحد من التسلح وفرض قيود قابلة للتحقق على الدفاعات والأسلحة الفضائية، بما يعيد قدراً من الاستقرار والقدرة على التنبؤ إلى العلاقة بين القوى الكبرى.
ربما لم تدخل الولايات المتحدة وروسيا والصين سباق تسلح بعد، لكنها تستعد لخوضه، فواشنطن تبني صاروخاً باليستياً جديداً عابراً للقارات، وقاذفة إستراتيجية، وغواصة تحمل صواريخ باليستية، وتطور روسيا صاروخاً باليستياً ثقيلاً عابراً للقارات، ورأساً حربياً جديداً، وتخطط في الوقت نفسه لتحديث غواصاتها وقاذفاتها. أما الصين، فأنشأت أكثر من 300 صومعة جديدة للصواريخ، ونشرت صواريخ باليستية تُطلق من الجو، وتعمل على تطوير جيل جديد من الغواصات وقاذفة شبحية. وتتخذ الدول الثلاث قرارات في شأن تحديث برامجها النووية ستظهر نتائجها خلال العقود المقبلة، في تحول لافت بعد عقود فككت خلالها الولايات المتحدة وروسيا آلاف الأسلحة النووية، فيما بدت الصين مكتفية بالحفاظ على الحد الأدنى من قوة الردع.
لكن المنافسة تتسارع أكثر من أي مكان آخر في الفضاء، فعلى مدى العقد الماضي، كانت الشركات الأميركية سباقة إلى تطوير أقمار اصطناعية صغيرة ذات قدرات متقدمة، وأطلقت أعداداً كبيرة منها ضمن مجموعات مترابطة إلى المدار، وخفضت كُلف الإطلاق بصورة كبيرة، ووضعت روسيا قمراً اصطناعياً في مدار نادراً ما تستخدمه الأقمار الأخرى، داخل نطاق شديد الإشعاع على ارتفاع يزيد على 1000 ميل، في خطوة يعتقد مسؤولون أميركيون أنها جزء من اختبار سلاح نووي مضاد للأقمار الاصطناعية، يمكن أن يستخدم يوماً ما لتدمير منظومات كاملة منها دفعة واحدة. كذلك اقتربت أقمار روسية من مركبات فضائية أميركية وأوروبية، فيما سحب قمر صيني مركبة فضائية معطلة إلى مدار جديد، وتظهر هذه المناورات القدرة على البقاء قريباً بما يكفي من قمر تابع لدولة أخرى لفحصه أو، وهو الأخطر، التنصت عليه أو التشويش عليه أو الاستيلاء عليه أو تعطيله، واختبرت كل من روسيا والصين صواريخ تدمر الأقمار الاصطناعية، وحطم اختبار روسي عام 2021 قمراً اصطناعياً خارج الخدمة إلى أكثر من 1000 قطعة، وأظهرت الولايات المتحدة قدرات مماثلة، وإن من دون الضجة نفسها، فيما اقترح الرئيس دونالد ترمب وضع آلاف الصواريخ الاعتراضية في المدار ضمن مشروعه "القبة الذهبية".
ويهدف مشروع "القبة الذهبية" إلى حماية الولايات المتحدة بأكملها من أي تهديد صاروخي، أياً كان مصدره، بما في ذلك روسيا والصين، ومن شأن هذا الطموح، أكثر من أي عامل آخر، أن يرسم مسار سباق التسلح الآخذ في التبلور، وسواء تحققت هذه القبة أم لم تتحقق، فإن مجرد قرار السعي إلى بناء هذه المنظومة الدفاعية دفع، على الأرجح، المخططين الروس والصينيين بالفعل إلى إعادة النظر في بنية قواتهم النووية. ونظراً إلى الأعوام الطويلة التي يتطلبها تطوير الأسلحة، فلا تستطيع موسكو وبكين المجازفة بافتراض أن المشروع لن يتحقق، ولذلك ستخططان لقوات هجومية أكبر، تضم مزيداً من الصواريخ، ومزيداً من الرؤوس الحربية على كل صاروخ، ومزيداً من الأهداف الخداعية، ومنظومات إيصال غير تقليدية مصممة للتحليق أسفل الصواريخ الاعتراضية الفضائية أو الالتفاف حولها، إضافة إلى أسلحة تستهدف الصواريخ الاعتراضية وأجهزة الاستشعار نفسها، وسيؤدي ذلك إلى تسريع سباق التسلح، إذ سيخشى كل طرف فقدان قدرته على الرد بضربة انتقامية، وهي ركيزة أساس للاستقرار النووي، وإذا أرادت الولايات المتحدة قطع الطريق على هذه الحلقة الخطرة، فعليها أن تستعيد درساً أسهم في استقرار المنافسة الأميركية - السوفياتية خلال ستينيات القرن الماضي، وهو أن جهود الحد من التسلح لا تنجح ما لم تتفق الدول أيضاً على تقييد دفاعاتها.
تغيير قواعد اللعبة
التنافس في مجال التسلح أحد أعراض العداء بين القوى العظمى، ولكن العداء وحده لا يفضي إلى سباق تسلح، فعندما تبدأ الدول القوية بالقلق من حدوث تغير في التوازن الإستراتيجي، تشرع في حشد الأسلحة. أما التغير الذي أثار رد فعل روسيا والصين في الآونة الأخيرة فيعود لعام 2002، حين انسحب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش من "معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية"، المعروفة اختصاراً باسم "أي بي أم" (ABM) والمبرمة عام 1972، وهو ما مهد الطريق أمام الولايات المتحدة لنشر دفاع صاروخي على نطاق البلاد برمتها، كانت موسكو وبكين تخشيان أن يصبح قادراً، يوماً ما، على تحييد ضربة انتقامية.
غير أن واشنطن لم تُنشئ قط النظام الذي كانت موسكو وبكين تخشيان أن تمتلكه، واليوم، ليس لدى الولايات المتحدة سوى 44 صاروخاً اعتراضياً أرضياً للدفاع في مواجهة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقد أظهرت هذه الصواريخ أداء ضعيفاً في الاختبارات. ومع أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم بضع عشرات من الصواريخ الاعتراضية، مقارنة بعدم امتلاكها أياً منها عام 2002، فإن هذا العدد سيعجز عن التصدي حتى لجزء صغير من نحو 1500 رأس حربي إستراتيجي روسي منشور.
ولكن روسيا والصين، وبدلاً من أن تردا على النظام الذي شيدته واشنطن بالفعل، عمدتا إلى تطوير ترسانتيهما الهجوميتين استجابة للنظام الذي خشيتا أن تقدم واشنطن على إنشائه، وعندما وقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الهيئة التشريعية لبلاده في مارس (آذار) 2018، كشف عن مجموعة من منظومات الإيصال غير المألوفة، من بينها صاروخ "كروز" يعمل بالطاقة النووية، ومسيّرة تعمل تحت الماء ومسلحة نووياً، ومركبة انزلاقية فرط صوتية، مصممة جميعها لتفادي الدفاعات الأميركية، قدمها بوصفها رد روسيا على انسحاب الولايات المتحدة من "معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية" قبل 16 عاماً.
كذلك اعترض القادة الصينيون بشدة على خطط الولايات المتحدة للدفاع الصاروخي، وعلى مدى العقد الماضي، سعت بكين إلى ضمان قدرتها على اختراق أي دفاع أميركي والتغلب عليه، فضاعفت تقريباً مخزونها النووي، ونشرت صاروخاً باليستياً يُطلق من الجو وصاروخاً جديداً يُطلق من غواصة، لتستكمل بذلك ثالوثها النووي، وكذلك خاضت الصين تدريبات على إطلاق منظومات إستراتيجية رئيسة باتجاه المحيط الهادئ، ففي سبتمبر (أيلول) 2024، أجرت أول اختبار لصاروخ باليستي عابر للقارات بكامل مداه منذ أكثر من 40 عاماً، وطورت منظومة قصف مداري يمكنها الإفلات من الرادارات الأميركية ومهاجمة الولايات المتحدة، وبنتْ كل من روسيا والصين، واختبرت، أسلحة قادرة على تهديد الأقمار الاصطناعية التي تعتمد عليها منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية.
العداء وحده لا يفضي إلى سباق تسلح
والحال أن فجوة زمنية حتمية تفصل بين رصد أي تحول مقلق في التوازن الإستراتيجي وبين تطوير الاستجابة الملائمة له، وقد تتحرك الموازنات والبيروقراطية ببطء شديد، فيما تحدد السياسة الداخلية الأسلحة والإستراتيجيات التي تنتهجها الدولة، في كثير من الأحيان، وبطرق مفاجئة، فخلال سبعينيات القرن الـ 20، على سبيل المثال، طوّر الاتحاد السوفياتي جيلاً جديداً من صواريخ بدت أكثر دقة، تمثل في "إس إس-18" و"إس إس-19"، وهما صاروخان باليستيان عابران للقارات، ضخمان ومتمركزان في صوامع، كان كل منهما قادراً على إيصال رؤوس حربية عدة إلى أهداف في أنحاء الولايات المتحدة، وكان هذا البرنامج ثمرة خلاف بيروقراطي استمر أعواماً في أواخر ستينيات القرن الـ 20، في شأن سبل الرد على تطوير واشنطن صاروخ "مينيت مان-3" القادر على حمل رؤوس حربية عدة، وفي الوقت نفسه بدأ مهندسون صينيون في ثمانينيات القرن الـ 20 يستكشفون سبل التصدي لنظام الدفاع الصاروخي الذي اقترحه الرئيس الأميركي رونالد ريغان، والمعروف باسم "مبادرة الدفاع الإستراتيجي"، لكن خطط تعزيز قدرات الصين الفضائية ظلت تراوح مكانها لأعوام، إلى أن قصفت الولايات المتحدة السفارة الصينية في بلغراد عام 1999.
وقالت الحكومة الأميركية إن الهجوم وقع من طريق الخطأ، وإن الهدف كان وكالة يوغوسلافية معنية بالمشتريات العسكرية، غير أن موجة الغضب التي أثارها الهجوم أسهمت في تخفيف القيود على تمويل برامج دفاعية صينية مختلفة، بما فيها تطوير سلاح مضاد للأقمار الاصطناعية، اختبرته بكين في نهاية المطاف عام 2007 بتحطيم أحد أقمارها الاصطناعية الخاصة بالأرصاد الجوية في المدار.
ولكن من السابق لأوانه أن نعرف تماماً كيف تؤثر السياسات الداخلية في القرارات التي تتخذها روسيا والصين اليوم في شأن تطوير أسلحتهما، ولكن قادة موسكو وبكين يدركون بوضوح الحاجة إلى الرد على التعزيز الدفاعي الأميركي، وربما بالغ البلدان في رد فعلهما بعد عام 2002، بالنظر إلى محدودية فاعلية أنظمة الدفاع الصاروخي التي نشرتها الولايات المتحدة بالفعل، وإلى الجهود التي بذلها مسؤولون أميركيون، في إدارات متعاقبة، لطمأنة نظرائهم الروس والصينيين إلى أن الغرض من تلك الدفاعات هو التصدي للتهديد القادم من كوريا الشمالية وإيران، لا تحييد القوات النووية الروسية أو الصينية. ولكن إدارة ترمب تبنّت الآن صراحة هدف الدفاع في مواجهة "الخصوم المماثلين والقريبين من حيث القوة"، وهو تعبير يُقصد به في لغة الـ "بنتاغون" روسيا والصين. ولا شك في أن ذلك عزز قناعة موسكو وبكين بأنهما كانتا على صواب منذ البداية.
لم يعد ضرباً من الخيال
سيعطي المشروع الأميركي "القبة الذهبية" هذا التنافس دفعة هائلة، فالصواريخ الاعتراضية المتمركزة في الفضاء، التي تشكل جوهر المقترح الأميركي، ستهاجم الصواريخ الروسية والصينية خلال الدقائق الأولى من تحليقها، قبل أن تطلق رؤوسها الحربية وشراكها الخداعية، مما يهدد بتقليص حجم الضربة الانتقامية التي تعتمد عليها كل من الدولتين لردع أي هجوم أميركي، ولذلك ستسعى روسيا والصين إلى تطوير صواريخ ورؤوس حربية ومنظومات إيصال جديدة قادرة على اختراق تلك الدفاعات.
وحتى إذا كانت هناك شكوك في جدوى "القبة الذهبية"، فإن المسؤولين الروس والصينيين مضطرون إلى أخذها على محمل الجد، فعندما طرح ريغان "مبادرة الدفاع الإستراتيجي" عام 1983، قوبلت بسخرية واسعة، وأُطلق عليها اسم "حرب النجوم"، إذ بدت آنذاك ضرباً من الخيال العلمي. ففي ذلك الوقت، كانت الأقمار الاصطناعية كبيرة الحجم، وكانت كلفة إطلاقها باهظة إلى حد يحول دون إرسال عدد هائل منها إلى المدار، كما كان المشروع يقترح. أما اليوم، فتبرهن شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس"، والمؤلفة من آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة نسبياً، على إمكان إنشاء كوكبات ضخمة للغاية، ولعل إطلاق أسراب من الصواريخ الاعتراضية الصغيرة والخفيفة للدفاع عن الولايات المتحدة في مواجهة الصواريخ النووية القادمة، لم يعد مستبعداً.
لكن القول بإمكان تنفيذ "القبة الذهبية" لا يعني أنها بمنأى عن المشكلات، فقد واجهت منظومات الدفاع الصاروخي دائماً صعوبة في الحفاظ على جدواها الاقتصادية، كلما تطلب الأمر إضافة مزيد من الصواريخ الاعتراضية، إذ يستطيع المهاجم عادة بناء صاروخ إضافي، أو رأس حربي آخر، أو شرك خداعي، ونشره بكلفة أقل مما يتكبده الطرف المدافع لبناء ونشر عدد كاف من الصواريخ الاعتراضية للتصدي له. وفي الوقت الراهن، يخطط الجيش الأميركي لاستخدام أربعة صواريخ اعتراضية لاستهداف كل رأس حربي في الفضاء، وكذلك فإن "مركبة التدمير"، أي التكنولوجيا التي تحدد موقع الرأس الحربي وتصطدم به لتدميره، باهظة الكلفة بصورة خاصة، وعندما استعرضت كوريا الشمالية ستة نماذج محاكية لصواريخ باليستية عابرة للقارات عام 2012، ردت الولايات المتحدة بطلب 14 صاروخاً اعتراضياً إضافياً، ولا يُعرف كم أنفقت بيونغ يانغ على تلك المنصات والصواريخ، لكن المؤكد أن المبلغ كان جزءاً ضئيلاً من نحو مليار دولار أنفقتها واشنطن رداً على ذلك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك لن يكون الانتقال إلى الصواريخ الاعتراضية المتمركزة في الفضاء حلاً لمشكلة الكلفة على الأرجح، فمن الناحية النظرية، ربما تكون الصواريخ الاعتراضية الفضائية أقل كلفة من نظيراتها الأرضية، لأن الصاروخ الاعتراضي الموجود أصلاً في المدار لا يحتاج إلى معزز صاروخي ضخم، ويمكنه استهداف الصاروخ في مرحلة باكرة من تحليقه، حين يكون بطيئاً نسبياً وسهل التتبع، لكن على رغم انخفاض كُلف إطلاق الأقمار الاصطناعية، فإن توفير دفاع محدود حتى ضد أبسط الأهداف، سيتطلب آلاف الصواريخ الاعتراضية المتمركزة في الفضاء، مع ضرورة استبدالها باستمرار، ومن شأن هذا العدد أن يتحول بسهولة من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف، إذا كانت معززات الصواريخ الاعتراضية لا تتسارع بالسرعة التي يتوقعها المخططون العسكريون الأميركيون، أو كانت مستشعراتها أقل حساسية مما ينبغي، أو لم تكن الاتصالات معها بالسلاسة المتوقعة، إذ سيتعين عندها زيادة العدد لتعويض أوجه القصور في الجودة، وعلاوة على ذلك، فإن الجهود غير المكلفة نسبياً التي قد تبذلها روسيا أو الصين لزيادة مخزونهما من الصواريخ، أو تحسين فاعلية رؤوسهما الحربية، ستجعل الولايات المتحدة مضطرة إلى نشر مزيد من الصواريخ الاعتراضية، وربما لا تتكلف أقمار "ستارلينك" سوى بضع مئات الآلاف من الدولارات إلى مليون دولار للقمر الواحد، ولكنها لا تتضمن مركبة تدمير باهظة الكلفة، أما الصواريخ الاعتراضية الفضائية المزودة بهذه القدرة فباهظة الكلفة، وكانت الولايات المتحدة قد طورت آخر صاروخ اعتراضي متمركز في الفضاء، "تجربة الأشعة تحت الحمراء في المجال القريب" Near Field Infrared Experiment، قبل عقدين، وبلغت الكلفة، بعد احتساب التضخم، نحو 65 مليون دولار للوحدة.
تصاعد الأخطار
تغرينا الوتيرة البطيئة لسباق التسلح بالاطمئنان، فمن المحتمل تماماً أن تتغير الظروف التي قد تستدعي استخدام هذه الأنظمة، أو تزول قبل أن تصبح جاهزة للنشر، ولنا في اتفاق "أوكوس" (AUKUS) مثال، فقد أبرمته أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة عام 2021 لإنتاج غواصة تعمل بالطاقة النووية بصورة مشتركة، رداً على الحشد العسكري الصيني، فعندما تدخل الغواصة الأولى الخدمة في أوائل أربعينيات هذا القرن، ستكون الصين التي يقودها شي جينبينغ وهو في الـ90 من عمره، إن كان لا يزال على قيد الحياة أصلاً، مختلفة تماماً عن الصين اليوم.
بيد أن البطء لا يعني الاستقرار، فالولايات المتحدة وروسيا والصين قادرة الآن جميعها على مضايقة أقمار بعضها بعضاً بطرق تسفر عن عواقب حقيقية ملموسة، وسيواجه القطاع الخاص صعوبة أكبر في تشغيل الأقمار الاصطناعية التجارية إذا ما تدهور التعاون الدولي في مجال تتبع الأجسام الفضائية، وسط هذه المناورات العدائية، وكذلك ستكون الشركات معرضة لخسارة أصول تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، لا يغطيها التأمين ضد أعمال الحرب أو التخريب، ولن يغطيها مستقبلاً.
وفوق ذلك، تُلزم الدول الثلاث نفسها بأنماط من الانتشار العسكري تمتد لعقود، من دون أن تعرف على وجه الدقة كيف ستبدو قوات خصومها في المستقبل، في وقت تتطور القدرات الفضائية ونماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوتيرة أسرع بكثير، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ حقاً بالتكنولوجيات التي ستكون متاحة في أوائل ثلاثينيات هذا القرن، حين تأمل القوات الجوية الأميركية نشر أولى صواريخ "سنتينل" الباليستية العابرة للقارات، التي ستحل محل صواريخ "مينيت مان-3" العائدة لحقبة السبعينيات، والمتمركزة في 400 صومعة، لتشكل الركيزة البرية للردع النووي الأميركي. وبحلول ذلك الوقت، قد تكون الصواريخ الصينية دقيقة وكثيرة بما يكفي لتهديد تلك الصوامع، وقد يجعل الاستطلاع المدعوم بالذكاء الاصطناعي العثور على القوات المتحركة والمخفية أسهل بكثير، أو ربما تجعل قدرات فضائية جديدة أو هجمات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أجهزة الاستشعار الفضائية، التي يعتمد عليها نظام الإنذار الباكر الأميركي، عرضة لأخطار لم يتوقعها أحد.
ومن الأخطار المحتملة أن يجد أحد اللاعبين الرئيسين نفسه، وفي خضم سعيه إلى تطوير قدرات تهدد الأصول الفضائية لخصومه، أمام حافز موقت للمبادرة بشن ضربة أولى في لحظة أزمة، حتى وإن كان يفضل في الأصل ألا يبادر بالضرب إطلاقاً، فإذا ما نشرت روسيا، مثلاً، أسلحة نووية في المدار، علماً أنها تبدي اهتماماً بذلك، فربما تحاول استخدامها لتدمير الأقمار الاصطناعية بهدف شل قدرة الولايات المتحدة على الرصد والمتابعة في مستهل أي صراع. وعلى نحو مماثل، من الوارد أن تطور الصين أساليب خطرة لتدمير أعداد هائلة من الأقمار الاصطناعية، بما في ذلك معززات صاروخية تُطلق من الأرض، ويمكنها إيصال رأس حربي نووي إلى الفضاء وتفجيره، قبل أن تتمكن الدفاعات الأميركية من الرد.
وبالفعل، نشر علماء عسكريون صينيون نماذج تحاكي مثل هذا التفجير النووي، ومن شأن هذا الانفجار أن يلحق أضراراً بأي أقمار اصطناعية غير محمية تقع ضمن خط الرؤية المباشرة، ويخلف وراءه حزاماً من الإشعاع يواصل تدمير الأقمار الاصطناعية لشهور، كما أثبت اختبار أميركي يعود لعام 1962. ونظراً إلى أن هجوماً واسع النطاق كهذا في زمن الحرب من المرجح جداً أن يُضعف أنظمة القيادة والسيطرة النووية الأميركية، فإن واشنطن ستضطر إلى التعامل بجدية مع احتمال أن تكون الضربة الفضائية مقدمة لضربة نووية على الأرض، ومجرد احتمال أن تفقد الولايات المتحدة أصولها الفضائية الحيوية في هجوم مباغت، قد يدفعها إلى استخدام قواتها في وقت باكر، أو إلى تفويض صلاحية إطلاق الأسلحة بطرق تزيد خطر وقوع حادثة، تفادياً لعواقب مدمرة.
وقت الحوار
ليس الخوف من أن تهدد التطورات التكنولوجية المتسارعة الاستقرار النووي بأمر جديد، فقد كانت المخاوف نفسها تراود المسؤولين عن التخطيط العسكري في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال ستينيات القرن الماضي، حين أصبحت صواريخ قادرة على حمل رؤوس حربية عدة، تُعرف باسم "مركبات إعادة الدخول المتعددة ذات الاستهداف المستقل" (MIRVs)، وأنظمة مضادة للصواريخ الباليستية وأسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، متاحة جميعها في آن، وحينها تمثّل الحل الذي اختاروه في الحد من التسلح، فلم تكن اتفاقات الحد من التسلح تهدف إلى خفض عدد الأسلحة النووية في الترسانتين الأميركية والسوفياتية وحسب، بل أيضاً إلى توفير أساس يمكن التنبؤ به للتخطيط للقوات.
حققت هذه الجهود نجاحاً متفاوتاً، فقد حدّ "اتفاق الحد من الأسلحة الإستراتيجية" SALT)) المبرم عام 1972 من عدد منصات إطلاق الصواريخ لدى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثم خفّضت المعاهدات اللاحقة تدريجاً عدد الرؤوس الحربية الإستراتيجية المنشورة لدى كل طرف، من أكثر من 10 آلاف آنذاك إلى 1550 اليوم، بل إن واشنطن وموسكو نجحتا، بموجب "معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية" لعام 1972، في كبح بعض عمليات نشر القدرات الدفاعية التي يمكن أن تدفع الخصم إلى تطوير قدراته الهجومية، ولهذا السبب وصف الخبير الإستراتيجي النووي توماس شيلينغ، في مقالة نُشرت في "فورين أفيرز" قبل أربعة عقود، تلك المعاهدة بأنها "ذروة" جهود الحد من التسلح، ولكن المفاوضات لم تصل حد فرض قيود على "مركبات إعادة الدخول المتعددة ذات الاستهداف المستقل" أو الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية، وكذلك تعثرت جهود الحد من التسلح في أوائل ثمانينيات القرن الـ 20، وبعد أن كشف ريغان عن "مبادرة الدفاع الإستراتيجي" عام 1983، أصبح المشروع العقبة الرئيسة أمام إحياء تلك الجهود.
وفي مواجهة هذه الأخطار، من شأن استئناف جهود الحد من التسلح أن يبطئ سباق التسلح الراهن، فقد انتهت في فبراير (شباط) الماضي صلاحية آخر اتفاق باقٍ للحد من التسلح بين موسكو وواشنطن، وهو معاهدة "نيو ستارت" New START))، وللمرة الأولى منذ عام 1972، لم يعد ثمة ما يقيد توسع روسيا والولايات المتحدة في قواتهما النووية الهجومية أو الدفاعية، ومع غياب هذه القيود، تتخذ الدولتان، إضافة إلى الصين، قراراتهما إلى حد كبير بدافع الخوف والريبة، لا انطلاقًا من سعي مشترك إلى تحقيق الاستقرار النووي.
تدرك موسكو وبكين بوضوح ضرورة الرد على تعزيز القدرات الدفاعية الأميركية
في الوقت الحالي، وفي ظل الخطط الأميركية المتعلقة بالفضاء، يصعب حتى تصور إبرام اتفاق شامل، ومع ذلك تبدو موسكو منفتحة، ولو بشروط، على هذا الاتفاق، إذ اقترح بوتين في سبتمبر (أيلول) 2025 أن يلتزم الطرفان، بصورة غير رسمية، بالحدود التي نصت عليها معاهدة "نيو ستارت" مدة عام بعد انقضاء صلاحيتها، وحين لم تستجب واشنطن، أعلنت روسيا أنها ستتقيد بتلك الحدود ما دامت الولايات المتحدة ملتزمة بها. ومن جانبها، تبدو بكين أقل حماسة، وإن كان المسؤولون الصينيون قد ألمحوا إلى ما يصفونه بـ "علاقة بناءة قائمة على الاستقرار الإستراتيجي"، وفي منشورات له على وسائل التواصل الاجتماعي هذا العام، أعرب ترمب عن اهتمامه بـ "معاهدة جديدة ومحسنة ومحدثة، يمكن أن تستمر طويلاً في المستقبل"، وقد ألمح مسؤولو الإدارة إلى أنها قد تفرض قيوداً على جميع الأسلحة النووية، الإستراتيجية والتكتيكية على السواء، وتضم الصين إضافة إلى روسيا، لكن الرئيس الأميركي يبدي حماسة مماثلة لمشروع "القبة الذهبية".
وفي نهاية المطاف، يتعارض هذان الطموحان، إذ يمكن لترمب الحصول إما على المعاهدة أو القبة، ولكن ليس كليهما، فلن تقبل موسكو أو بكين بتقييد قواتهما الهجومية أو قدراتهما الفضائية المتنامية، ما لم يتوافر لهما حد أدنى من القدرة على التنبؤ بما ستكون عليه الدفاعات الأميركية التي صُممت تلك القوات للتغلب عليها، إذ إن تقييد القدرات الهجومية من دون تقييد الدفاعات بالتزامن، ربما يتيح للولايات المتحدة، إبان أية أزمة، محاولة شن هجوم مباغت على روسيا أو الصين، ثم الاعتماد على دفاعاتها القوية لتحييد أية قوات باقية، ومن شأن ذلك أن يترك روسيا والصين عاجزتين عن الرد، ويجعلهما، نتيجة لذلك، عرضة للإكراه.
لكن الخبر السار أن معظم الدول، نظراً إلى أن لها مصلحة في توسيع الاستخدام التجاري للفضاء، لديها حافز لمحاولة الحد من الأخطار في هذا الميدان، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى التفاوض على معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الإستراتيجية، فـ "معاهدة الفضاء الخارجي" لعام 1967، التي تُعد الولايات المتحدة وروسيا والصين جميعها أطرافاً فيها، تحظر بالفعل وضع أسلحة نووية في الفضاء، وصحيح أن المعاهدة تفتقر إلى آليات للتحقق، ولكن يمكن معالجة هذا القصور إذا اتفقت الدول الموقعة على تفتيش الحمولات، إما قبل إطلاقها أو، في حالات استثنائية، أثناء وجودها في المدار، وينبغي لكل دولة لديها أقمار اصطناعية في المدار أن تدعم حظر تجارب الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية التي تخلف حطاماً فضائياً، وأن تسعى إلى التعاون في مجال إدارة الحركة الفضائية للحد من خطر الاصطدامات.
وتغدو هذه الترتيبات أكثر قابلية للتنفيذ إذا وُضعت بعض القيود على القدرات الدفاعية، فقد ظلت فكرة تقييد الدفاعات في مواجهة الهجوم النووي، منذ زمن طويل، من المحظورات السياسية في الولايات المتحدة، ولا سيما في أوساط الجمهوريين، لكن كثيراً من الثوابت التقليدية للحزب الجمهوري أثبتت أنها قابلة لإعادة النظر، فقد كان الحزب يؤيد التجارة الحرة والـ "ناتو" تأييداً راسخاً، ويعارض روسيا بالقدر نفسه من الحزم، إلى أن قرّر ترمب خلاف ذلك، وفوق ذلك، ليس من الضروري أن يقضي أي اتفاق على الدفاعات بالكامل، فقد كانت "معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية" تسمح لكل طرف بالاحتفاظ بموقعين للدفاع الصاروخي، قبل أن يُصار إلى خفض العدد لاحقاً إلى موقع واحد، وما يحتاج إليه أي اتفاق جديد هو وضع قيود قابلة للتحقق على الدفاعات، لتمنح الأطراف الأخرى قدراً من اليقين، ومع غياب مثل هذه القيود فمن المرجح أن تواصل الولايات المتحدة وروسيا والصين توسيع قواتها الهجومية، وتطوير منظومات إيصال أكثر غرابة، والسعي إلى ابتكار طرائق جديدة لمهاجمة أقمار بعضها بعضاً، وستلقي الدول الثلاث باللوم على خصومها، زاعمة أنهم جعلوا هذا التعزيز العسكري ضرورياً، لكن الحقيقة أن كل دولة ستكون في سباق مع نفسها، تدفعها مخاوفها الخاصة وصراعاتها السياسية الداخلية، ومن الصعب أن نتخيل كيف يمكن لأي طرف أن يخرج منتصراً من سباق كهذا، إلا إذا اختار ألا يخوضه أصلاً.
جيفري لويس محاضر كرسي "ويليام جيه. بيري" في "مركز الأمن والتعاون الدولي" في جامعة ستانفورد.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 1 سبتمبر (أيلول) 2026