ملخص
يتوقع أن يتحول الصراع إلى سباق إرادات، إيران تريد إطالة الحرب حتى تتغير الحسابات الأميركية، وواشنطن تريد منعها من بلوغ تلك النقطة. وعندما تعجز طهران عن الجمع بين القدرة على الإيلام والقدرة على الاحتمال، قد ينقلب الزمن عليها، ويصبح يناير 2029 موعداً تصل فيه إلى التفاوض من موقع أضعف، تكشف فيه عن حدود قدراتها.
دخلت المواجهة الأميركية - الإيرانية الحالية مرحلة مختلفة عن تلك التي بدأت بها خلال الأسابيع الأولى للحرب. فالحملة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي انطلقت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، لم تفض، على رغم اتساع نطاق الضربات وشدة الاستهداف، إلى خاتمة سريعة للصراع، فيما بقيت مؤسسات الدولة الإيرانية قائمة، واستمرت في إدارة الحرب والرد عليها، وظلت خطوط الاتصال غير المباشر مفتوحة بالتوازي مع العمليات العسكرية. ومع امتداد المواجهة، لم يعد المشهد محكوماً فقط بنتائج الضربات على الأرض، وإنما بتفاعل متشابك بين العمليات العسكرية، والقدرة على تحمل الاستنزاف، وحسابات الردع، ومسارات التفاوض، والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تراكمها الحرب على طرفيها.
وفي واشنطن، تبدو المعضلة أكثر تعقيداً كلما طال أمد الصراع، كيف يمكن الحفاظ على الضغط العسكري والسياسي على طهران من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة ذات كلفة متصاعدة؟ وكيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للتثبيت؟ أما في طهران، فقد فرضت الحرب واقعاً جديداً على القيادة الإيرانية، في ظل خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، وأضرار واسعة في البنية التحتية والمنشآت الاستراتيجية، وضغوط متزايدة على الاقتصاد، مع استمرار الحاجة إلى إدارة الجبهة الداخلية والحفاظ على تماسك مؤسسات النظام. وبينما تتبدل الوقائع الميدانية من مرحلة إلى أخرى، وتتغير حسابات الأطراف وفق نتائج العمليات ومسارات الاتصالات، يبقى مسار الحرب مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الدبلوماسية والاقتصاد والأمن والاستخبارات، وتصبح قدرة كل طرف على إدارة الكلفة وتحمل تبعات الصراع عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، في مواجهة لا تبدو نهايتها السياسية أقرب من نهايتها العسكرية.
رهان تاريخي
يمكن تتبع جذور رهان إيران على الزمن منذ الأعوام الأولى للنظام في إيران، ففي الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية لدى طهران واحتجزوا 52 أميركياً لمدة 444 يوماً. وخلال أزمة الرهائن، اضطرت إدارة جيمي كارتر إلى الجمع بين العقوبات والضغط الدبلوماسي والوساطات السرية، وانتهت الأزمة بتوقيع اتفاقات الجزائر في الـ19 من يناير (كانون الثاني) 1981، قبل إطلاق الرهائن في اليوم التالي لتنصيب رونالد ريغان. كانت تلك التجربة المبكرة كاشفة، الزمن لم يكن فراغاً بين جولة وأخرى، بل متغيراً يؤثر في السياسة الأميركية نفسها.
وفي عهد ريغان، ظهر الوجه الآخر لهذه المعادلة. فبين عامي 1985 و1986 فتحت واشنطن قناة سرية مع طهران، قاد جانباً منها مستشار الأمن القومي آنئذٍ روبرت ماكفارلين، أملاً في الإفراج عن رهائن أميركيين وإنهاء حرب إيران والعراق. وكشفت فضيحة "إيران - كونترا" في نوفمبر 1986 عن أن إدارة ريغان اندمجت في مبادرة سرية استمرت 18 شهراً.
بعد ذلك، ومع تصاعد المواجهة في الخليج العربي، انتقلت العلاقة إلى الاحتكاك العسكري المباشر، وصولاً إلى عملية "فرس النبي" في الـ18 من أبريل (نيسان) 1988، حين ضربت البحرية الأميركية أهدافاً إيرانية رداً على تلغيم الفرقاطة "يو أس أس صامويل بي. روبرتس".
وفي الملف النووي، أخذت إدارة الزمن شكلاً أكثر انتظاماً. ففي عامي 2003 و2004 دخلت إيران مفاوضات مع فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ووافقت في اتفاق باريس على تعليق طوعي لأنشطة التخصيب وإعادة المعالجة أثناء التفاوض على ترتيبات طويلة الأمد. ثم انهارت الصيغة عام 2005، قبل أن تعود المفاوضات بعد أعوام إلى مسار أكثر كثافة.
وفي عهد باراك أوباما، تحولت القنوات السرية إلى أداة تفاوضية مركزية. بدأت اتصالات عمان السرية عام 2013، بقيادة الدبلوماسي ويليام بيرنز الملقب بـ"السلاح الدبلوماسي السري"، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، بعد أعوام من العقوبات التي أضعفت الاقتصاد الإيراني، ثم انتقلت إلى مفاوضات مجموعة (5+1)، وصولاً إلى الاتفاق النووي في الـ14 من يوليو (تموز) 2015.
أما انسحاب ترمب من الاتفاق في الثامن من مايو (أيار) 2018 وإعادة فرض العقوبات، فقد أعاد الصراع إلى منطق الضغط والاستنزاف، قبل أن تأتي أعوام بايدن بمفاوضات فيينا غير المباشرة منذ أبريل 2021، من دون التوصل إلى عودة متبادلة مستقرة للاتفاق.
وهكذا، تراكمت لدى طهران خبرة طويلة في إدارة صراع تتغير فيه الأدوات، لكن يبقى الزمن أحد أكثر عناصره ثباتاً، ما بين انتظار وتفاوض وتصعيد محدود وامتصاص للضغط، ثم العودة إلى الطاولة عندما تتغير كلفة الانتظار على الطرف الآخر.
الصبر الاستراتيجي
إذا كان الزمن قد ظهر في التجربة الإيرانية مع الولايات المتحدة بوصفه مورداً تفاوضياً، فإنه في اللحظة الراهنة يتحول إلى ما يمكن وصفه بـ"الصبر الاستراتيجي"، وهو قدرة النظام الإيراني على تحمل الضغوط وتجنب الحسم المبكر، وإبقاء خياراته العسكرية والسياسية مفتوحة إلى أن تتغير الظروف المحيطة بالصراع. ولا يعني هذا الصبر السكون أو الامتناع عن الرد، بل الجمع بين استخدام القوة عند الضرورة وضبط مستوى التصعيد واستثمار القنوات السياسية والاستخباراتية، وانتظار اللحظة التي تصبح فيها كلفة الاستمرار على واشنطن أكبر من كلفة الانتظار على طهران. وفي هذا النوع من الصراعات لا تقاس فاعلية الاستراتيجية بعدد الضربات التي تنفذ أو الأراضي التي تسيطر عليها، وإنما بقدرة الطرف على منع خصمه من تحويل التفوق اللحظي إلى نتيجة سياسية نهائية.
في الحرب الحالية، اكتسب هذا المنطق وزناً أكبر بعدما أخفقت الحملة الأميركية - الإسرائيلية، على رغم شدتها، في إسقاط النظام أو إنهاء قدرته على مواصلة القتال. فبعد مقتل علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين في الـ28 من فبراير الماضي، أعادت طهران تشكيل مركز القرار حول مجتبى خامنئي، الذي تولى منصب المرشد الأعلى، مستنداً إلى دائرة من رجال المؤسسة العسكرية والأمنية الذين يجمعهم عاملان أساسيان، الخبرة الطويلة في إدارة الأزمات، والارتباط الوثيق بمنظومة الحرس الثوري. فجاء محسن رضائي إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بوصفه قائداً سابقاً للحرس الثوري وصاحب خبرة ممتدة في الحرب والسياسة والأمن، وأحمد وحيدي إلى قيادة الحرس الثوري، حاملاً إرثاً عسكرياً وأمنياً طويلاً، فيما تولى علي عبداللهي رئاسة هيئة الأركان، بعد أعوام في مواقع القيادة العملياتية. أما الرئيس السابق لاستخبارات الحرس حسين طائب فعاد إلى الواجهة عبر قيادة الباسيج، وهي أداة ذات أهمية مباشرة في ضبط الجبهة الداخلية والتعامل مع احتمالات الاضطراب الاجتماعي. أما حسين نجات المُعين قائداً لقاعدة "ثأر الله"، فهو من الشخصيات الموثوقة لإدارة الملفات الأمنية المعقدة، ويرتبط اسمه بإدارة الاستراتيجيات الأمنية الصارمة، لدوره المباشر في قمع التظاهرات والاحتجاجات.
وتوحي هذه التركيبة بأن طهران تستعد لإدارة صراع طويل أكثر مما تستعد لحسم سريع، إعادة بناء القيادة على أساس الخبرة والولاء، والحفاظ على أدوات الردع وتأمين الجبهة الداخلية ومواصلة الضغط على الخصم، مع إبقاء التفاوض متاحاً عندما يخدم هذه الأهداف. وفي المقابل، تواجه واشنطن معضلة مختلفة، فكلما طال أمد الحرب ارتفعت كلفتها العسكرية والسياسية، من دون ضمان أن يؤدي الضغط المتراكم إلى النتيجة التي أرادتها الإدارة في بداية الحملة. ومن هنا يصبح الزمن نفسه جزءاً من ميزان القوى، لا مجرد خلفية تجري فوقها الحرب.
استنزاف مستمر
بعد ستة أشهر من الحرب، لم يعد السؤال الأميركي هو ما إذا كانت واشنطن تستطيع إلحاق أضرار إضافية بإيران، بل ما إذا كانت تستطيع الحفاظ على مستوى الضغط نفسه من دون أن يتحول التفوق العسكري إلى استنزاف سياسي وعسكري. فقد كشفت الحرب عن حدود لا تظهر في ميزان القوة التقليدي، استهلاك كميات كبيرة من الذخائر الدقيقة واعتراضات الدفاع الجوي، فيما أفادت تقارير في أغسطس (آب) الماضي بأن مخزونات نظام الصواريخ التكتيكية للجيش (ATACMS) وصواريخ الضربة الدقيقة (PrSM) الأميركية استنزفت إلى حد بعيد، وأن مخزونات "باتريوت" و"ثاد" تعرضت لضغط شديد.
وأمس الأربعاء، عاد القتال بقوة بعد أسابيع من الهدوء، بينما كانت دوائر في البيت الأبيض تدفع إلى إبقاء الحرب تحت سقف التصعيد قبل الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر المقبل، خشية انعكاسها على الجمهوريين. وأظهر استطلاع أجرته "إبسوس" في الـ31 من أغسطس الماضي تأييداً للحرب عند 36 في المئة، فيما استقر تأييد ترمب عند 33 في المئة. وهنا تكمن المعضلة، إذ لا تحتاج إيران إلى هزيمة الولايات المتحدة، بل يكفيها منعها من إعلان نصر حاسم وإبقاء القواعد والمصالح الأميركية تحت تهديد دوري بالصواريخ والمسيرات والضغط البحري، بحيث يصبح كل تصعيد جديد قراراً سياسياً لا عسكرياً فحسب. ولهذا اكتسب تصريح مستشار الحرس الثوري محمد رضا نقدي في الـ12 من أغسطس الماضي دلالة خاصة حين تحدث صراحة عن إمكان إطالة الحرب حتى خروج ترمب من البيت الأبيض، بهدف إحداث الاستنزاف وبناء ردع يمنع تكرار الهجوم.
عزل اقتصادي
في المقابل، لا ينبغي المبالغة في قدرة إيران على الاحتمال، فالحصار البحري خفض صادراتها النفطية من نحو مليوني برميل يومياً قبل الحرب إلى قرابة 240 ألفاً مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، فيما اقتربت حركة الملاحة في مضيق هرمز من الجمود، إذ عبرته خمس سفن تجارية فقط خلال السبت الـ29 من أغسطس الماضي، ولم تسجل بيانات منصة "كبلر" للشحن البحري عبوراً في اليوم التالي، مقابل 31 عبوراً في عطلة نهاية الأسبوع السابقة. ويضغط ذلك على المصدر الأساس للعملة الصعبة، ويعمق التضخم وتراجع العملة الإيرانية. ومع ذلك، تحاول طهران بناء اقتصاد حرب بتقنين الموارد وحماية الواردات الحيوية وإدارة النقد الأجنبي، والإبقاء على قنوات التجارة مع الصين وشبكات الالتفاف على العقوبات. وأعلن محافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي، أول من أمس، امتلاك احتياطات كافية واستعداد البنك لضخ ملياري دولار لتهدئة السوق.
أما واشنطن، فقد نقلت الحرب من الضغط العسكري إلى الخنق المالي، ففي الـ24 من أغسطس الماضي أطلق وزير الخزانة سكوت بيسنت "عملية العزل الاقتصادي" لاستهداف الشبكات المالية والنفطية التي تبقي إيران متصلة بالعالم، مع توسيع العقوبات الثانوية تدريجاً. لكن هنا تنقلب المعادلة، إذا كان الاقتصاد الإيراني يدفع ثمن الاستمرار، فإن الولايات المتحدة تدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً لكل شهر إضافي، عبر أسعار الطاقة واستنزاف الذخائر وضغط الناخبين. ولذلك، فإن الجدل الدائر ليس حول من يستطيع تحمل الحرب أكثر، بل حول من يفقد القدرة على تحمل كلفتها قبل الآخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سقف زمني
تستمر طهران في هذه الحرب وهي تدرك أن ميزان القوة لا يسمح لها بمواجهة طويلة مع الولايات المتحدة وفق قواعد التفوق العسكري التقليدي. لذلك، لا يبدو أن طموحها هو حتى الاقتراب من هز القوة الأميركية، بقدر ما يتمثل في منع واشنطن من تحويل تفوقها العسكري إلى مكسب سياسي واستراتيجي حاسم. ومن هنا تصبح إطالة أمد القتال وسيلة لإعادة توزيع كلفته، بإطلاق الصواريخ واستهداف المنشآت النفطية في المنطقة، لإحداث اضطراب في سوق الطاقة.
هنا يكتسب يناير 2029 دلالته باعتباره سقفاً زمنياً يمكن أن تتغير عنده الحسابات الأميركية، فإذا امتدت الحرب من دون نتيجة حاسمة، قد يصبح السؤال في واشنطن أقل ارتباطاً بالقدرة على مواصلة القتال وأكثر ارتباطاً بكلفته السياسية وبما يمنح طهران فرصة لتحسين شروط تسوية.
لكن الرهان على الزمن يحمل مخاطرة، فالساعة التي تحدث هزات طفيفة في الإدارة الأميركية، تستنزف في المقابل الدولة الإيرانية، فالعقوبات وانكماش عائدات النفط لا يضغطان على تمويل الحرب فحسب، بل يضربان قدرة النظام على الحفاظ على الاستقرار الداخلي. ومع كل شهر إضافي تضيق مساحة المناورة، وتصبح طهران مطالبة بإدارة حربين متزامنتين، حرب خارجية تستطيع فيها إيلام خصمها، وحرب داخلية تتآكل فيها قدرة الدولة على الاحتمال.
لذلك، لن يكون الرهان الإيراني الصمود حتى نهاية ولاية ترمب، بل التأثير في البيئة السياسية التي تسبقها. وستكون انتخابات نوفمبر المقبل اختباراً، لأنها قد تكشف حدود قدرة الإدارة على تحمل حرب لا تفضي إلى نتيجة حاسمة. فإذا تصاعد الضغط السياسي، يمكن لطهران تحويل استمرار القتال إلى ورقة تفاوضية.
في المقابل، لا يحتاج ترمب إلى انتصار عسكري بقدر حاجته إلى نتيجة يمكن تسويقها كإثبات للردع. وهكذا يتحول الصراع إلى سباق إرادات، إيران تريد إطالة الحرب حتى تتغير الحسابات الأميركية، وواشنطن تريد منعها من بلوغ تلك النقطة. وعندما تعجز طهران عن الجمع بين القدرة على الإيلام والقدرة على الاحتمال، قد ينقلب الزمن عليها ويصبح يناير 2029 موعداً تصل فيه إلى التفاوض من موقع أضعف، تكشف فيه عن حدود قدراتها.