ملخص
في منتصف العمر، لا تمثل الأزمة المهنية نهاية الطريق، بل فرصة لإعادة رسم المسار، وتقترح روزي نيكسون "منهج برو" القائم على ثلاث خطوات: التوقف لتهدئة التوتر، والتأمل لاكتشاف القيم ونقاط القوة، ثم تنظيم رؤية عملية لتحويل الخبرة إلى مسار مهني جديد.
إن كنت في الخمسينيات من عمرك وتعمل أو تبحث عن عمل، فربما تشعر بأن عالمك يتزعزع، من عمليات التسريح وإعادة الهيكلة، والشعور بعدم الرضا الوظيفي إلى عمليات البحث عن وظيفة التي تحبطها روبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي، وتميّز بين المتقدمين للعمل على أساس العمر، مما يحطم ثقتك بنفسك ويجعل سيرتك الذاتية عديمة الفائدة، تماماً كجهاز فاكس في مؤتمر عن التكنولوجيا.
وتؤيد الإحصاءات هذا الشعور بالقلق، فتُظهر الأرقام الصادرة عن "مكتب الإحصاء الوطني" أنه في جميع أنحاء المملكة المتحدة، يجد الموظفون الذين بلغوا منتصف العمر أنفسهم مستبعدين بهدوء من سوق العمل، مع بلوغهم مرحلة اكتسبوا فيها أعلى المستويات من الخبرة، وتنخفض معدلات التوظيف انخفاضاً حاداً بعد سن الـ50، إذ تبلغ نسبة العاملين من الفئة العمرية ما بين 50 و64 سنة 71.6 في المئة فقط، مقارنة بنسب أعلى بكثير بين الفئات العمرية الأصغر سناً.
وعندما يفقد العمال الأكبر سناً وظائفهم، تشير البيانات أيضاً إلى أن احتمال بقائهم عاطلين من العمل مدة عام أو أكثر، يبلغ ضعف احتمال بقاء الفئات الأصغر سناً من دون عمل، وهو نمط يربطه الخبراء مباشرة بالتحيز العمري في أنظمة التوظيف، أما النساء فيواجهن صعوبات أكبر: 24 في المئة من النساء فوق سن الـ 40 غير ناشطات اقتصادياً، والسبب في معظم الأحيان هو تحمّلهن مسؤوليات الرعاية، والتحديات الصحية، وتوقف التقدم الوظيفي، أضف إلى ذلك الدراسات التي تشير إلى أن نصف النساء اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 40 و55 سنة يشعرن بأنهن "عالقات" أو "غير راضيات" عن مسارهن المهني، فتتضح الصورة أكثر، وفي المملكة المتحدة مخزون هائل من المواهب، مكوّن من أشخاص في منتصف العمر ومعرّض للإهمال الدائم.
حتى لو كنت موظفاً، فقد تبدو الأمور بالدرجة نفسها من السوداوية، إذ يقول العلماء المتخصصون في علم السلوك إن "الجيل إكس" هو من أكثر الأجيال التي تعاني التوتر المزمن في التاريخ. نحن جيل "الوسط"، المُحاصر غالباً بين العناية بالآباء والأبناء في آن، وبين التكيف مع التغير التكنولوجي السريع، والتأقلم مع بيئات العمل المتغيرة بفعل الذكاء الاصطناعي، بينما ينتابنا الذعر من ألا تكفي معاشاتنا التقاعدية لتغطية جميع نفقاتنا المستقبلية المحتملة (من رهون عقارية ضخمة إلى مصاريف دراسة الأبناء الجامعية).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يؤدي هذا التوتر المتزايد إلى بقاء نظام الإنذار في الدماغ في حال استنفار دائم، مما يغمر الجسم بهرمون الكورتيزول، ويحد من قدرتنا على التفكير الإبداعي أو اتخاذ قرارات طويلة الأمد، ولا عجب إذن في أن تشعر بالإرهاق، فدماغك يحاول فقط البقاء على قيد الحياة، وليس التخطيط الإستراتيجي.
بمعنى آخر: يُستبعد ملايين العاملين في منتصف عمرهم، في حين لا يزال أمامنا نحو 15 عاماً من سنوات العمل.
بصفتي واحدة ممن أصيبوا بالإرهاق النفسي في أواخر الأربعينيات من عمري، بعد مسيرة مهنية استمرت لأكثر من 25 عاماً في مجال الإعلام المليء بالضغوط، شغلت في آخرها منصب رئيسة تحرير مجلة "هللو!" Hello، فأنا أعرف تماماً كيف يشعر المرء عندما يقف عند مفترق طرق، ويتساءل عما إذا كان الأوان قد فاتن والحقيقة هي أن الأوان لم يفت بعد، لكن تجربتي علمتني أنه عليك تغيير مقاربتك لمسيرتك المهنية، وأن عقلية إعادة ابتكار النفس هي سلاحك السري.
كلما طالت أعمارنا، أخذ النموذج التقليدي الخطي للمسار الوظيفي الذي اتبعته الأجيال التي سبقتنا، تعليم فوظيفة واحدة فتقاعد، في الانهيار، وأكثر من يشعر بهذا التوتر بصورة حادة هم أبناء "الجيل إكس"، الجيل الذي يمر اليوم بمرحلة منتصف العمر، إذ تدفعهم المستويات القياسية للاحتراق الوظيفي والبطالة وانعدام الشعور بتحقيق ذاتهم إلى طرح سؤال جوهري: "أهذا كل ما في الحياة؟"
حان الوقت للبحث عن ترياق فعال لركود منتصف العمر، ليس لأننا بحاجة إلى البدء من الصفر، ولكن لأننا بحاجة إلى تغيير نظرتنا للأمور.
في كتابي الجديد "منهج برو" The PRO Method، أؤكد أن عقلية التجديد تعيد تعريف نقطة التحول في الحياة باعتبارها منعطفاً إستراتيجياً: إنها لحظة لإعادة تحديد قيمك، وإعادة توظيف نقاط قوتك، وفرصة لإعادة تشكيل حياتك بناء على الشخص الذي أنت عليه الآن، وليس الشخص الذي كنت عليه في سن الـ 30 أو حتى الـ 40، وهذه هي الطريقة التي يمكن بها للناس التغلب على التمييز على أساس العمر من خلال تغيير السؤال من "لماذا لا يوظفني أحد؟" إلى "ما هي القيمة التي أريد أن أنتجها بعد ذلك؟"
إليكم الخبر السار: يظل الدماغ شديد المرونة حتى في ستينيات العمر، لذا فإن عملية إعادة ابتكار الذات ليست خيالاً، بل ترتبط بعلم الأعصاب، ويمكن إعادة تشكيل المسارات العصبية. يمكنك أن تعلّم جهازك العصبي كيف يهدأ، وأن توسع آفاقك، وأن تتخذ خيارات مختلفة. يشكل هذا المفهوم أساس منهج التدريب الذي وضعته "طريقة 'برو' - توقف، تأمل، نظم: ثلاث خطوات بسيطة لإعادة ابتكار حياتك"، وقد أعددته بعد فترة الاحتراق الوظيفي التي مررت بها، وما أعقب ذلك من تغيير لمسيرتي المهنية من محررة مجلة إلى مدربة حياة معتمدة ومؤسسة برنامج "معتكف روزي لإعادة ابتكار الذات" Rosie’s Reinvention Retreats، في سن الـ 50.
عندما يسخّر عاملون في منتصف عمرهم عقوداً من الخبرة في شقّ اتجاه جديد، فإننا لا نعود لسوق العمل وحسب، بل نعيد تشكيله من خلال استحداث أدوار تمدّنا بالطاقة بدلاً من استنزافنا، ومن خلال استغلال كل ما لدينا من حكمة بأفضل صورة ممكنة، تصبح "إعادة ابتكار الذات" قوة خارقة، إذ تحول عودتنا للعمل من مجرد ضرورة مالية إلى إستراتيجية تحقق رفاهيتنا أيضاً.
وعندما نعيد رسم حياتنا العملية على أساس الأمور التي نستمتع بها، تظهر لنا فرص جديدة وتتضاعف الفوائد، وتزداد ثقتنا بأنفسنا، وتتحسن صحتنا النفسية، ويزداد التزامنا، وغالباً ما يتبع هذا الزخم المكافأة المالية، حتى لو لم تكن الدافع الرئيس.
ويمثل الأمر محركاً هائلاً للنمو بالنسبة إلى الاقتصاد البريطاني، فالقوة العاملة التي يعود لها البالغون في منتصف عمرهم، مسلّحين بهدف واضح وطموح متجدد، هي قوة عاملة أفضل أداء وأطول بقاء وأكثر إسهاماً، وبالتالي فإن إعادة اكتشاف الذات فرصة على المستوى الوطني واضحة للعيان، وإستراتيجية في مجال الموارد البشرية يجب على مزيد من المؤسسات أن تدرك أهميتها.
ما اكتشفته أثناء عودتي للعمل بعد مرحلة الاحتراق الوظيفي، من خلال الاستعانة بما أصبح في ما بعد "منهج برو"، هو أن منتصف العمر ليس تاريخ انتهاء صلاحية كما تصوّره لك روبوتات الموارد البشرية في الشركات، فلست بحاجة إلى "تجميل سيرتك الذاتية" أو محو أعوام من الخبرة لتتمكن من الاستمرار، لكنك بحاجة حقاً إلى تحديث نظام التشغيل الخاص بك.
أكبر خرافة عن تجديد ذاتك في منتصف العمر هي أنها تتطلب إجراء تغيير جذري، وما يتطلبه الأمر في الواقع هو تعديل منظورك بشكل صريح، وعلى نحو تدريجي يحافظ على استقرارك.
إليك كيفية تطبيق "منهج برو" عملياً، ولماذا يعتبر علم الأعصاب المفتاح
اتبع الخطوات الثلاث التالية: توقف، تأمل، نظم، بهذا الترتيب:
الخطوة الأولى: توقف قليلاً، هدّئ استجابة التوتر قبل اتخاذ أية قرارات مهمة
تبدأ عملية تحوّل الذات مع وقف استجابة الجسم للتوتر، ففي حال التوتر تتوقف قشرة الفص الجبهي، وهي الجزء المسؤول عن التخطيط والإبداع وحل المشكلات، عن العمل، ولا يمكنك إعادة ابتكار نفسك فيما أنت في حال "القتال أو الهرب"، وكل ما يمكنك فعله في هذه الحال هو الانفعال، ولذلك فالتوقف المتعمد يشبه زر إعادة ضبط الجهاز العصبي الذي يتيح بدء عملية تحوّل ذاتي طويلة الأمد.
كيف تتوقف موقتاً بفعالية؟
خذ استراحات قصيرة على مدار اليوم: إن 60 ثانية من التنفس العميق كفيلة بخفض مستوى الكورتيزول وإعادة تنشيط عملية التفكير في الدماغ.
أوجد مساحة ذهنية لنفسك: ابتعد من الضوضاء، تنزّه لبعض الوقت في الطبيعة، أو اجلس في غرفة هادئة، أو استمتع بلحظة من السكون بعيداً من هاتفك أو حاسوبك المحمول.
توقف عن التفكير بأسوأ السيناريوهات: اقطع دوامة الأفكار السلبية عبر تثبيت انتباهك على جسدك ومحيطك، ضع قدميك على الأرض وخذ نفساً بطيئاً، واذكر خمسة أشياء يمكنك رؤيتها من حولك.
الخطوة الثانية: التأمل، افهم ما هي قيمك ونقاط قوتك وما تريده فعلياً
يعتقد كثر أن إعادة ابتكار الذات تعني أن تفعل شيئاً مختلفاً تماماً، كما لو كنت "معطلاً" بطريقة ما، وهذه ليست وجهة نظري على الإطلاق، في الواقع إن أكثر التحولات نجاحاً في منتصف العمر هي تلك التي تجري من خلال القيام بالأشياء نفسها بطريقة مختلفة قليلاً، والتأمل في الذات هو ما يتيح لك اكتشاف أكثر الأشياء أهمية بالنسبة إليك في هذه المرحلة من حياتك، وسيساعدك التأمل في بناء عقلية وأهداف جديدة ترتكز على هويتك الحقيقية، وليس على الشخصية التي أملاها عليك الآخرون، أو على هوية جامدة ما عادت تناسبك، إذ تعمل مرحلة "التأمل" على تهدئة الجهاز العصبي الودي، بناء على الحال المزاجية الهادئة في مرحلة "التوقف الموقت"، وتمنحك فرصة لإعادة تنظيم نفسك وإعادة التواصل مع ذاتك.
دوّن إجاباتك على هذه الأسئلة الثلاثة للتأمل:
ما هي القيم التي أثمّنها الآن؟
غالباً ما تتغير قيمنا في منتصف العمر، اعتبر القيم بمثابة حاجاتك أو دوافعك أو محفزاتك، فمن المهم أن تفهم ما الذي يحفزك ويحركك، لأن هذه الأشياء هي التي تُشكل شخصيتك الفريدة. لقد دوّنتُ قيمي الخمس بجانب جهاز الحاسوب الخاص بي كي أذكرها دائماً (قيمي هي: الأسرة والحرية وإلهام الآخرين والإبداع والمجتمع)، وإذا كان عملك لا يلبي قيمك، فلا عجب في أنك تشعر بأنك على شفا الاستنزاف، فحاول تحديد القيم الخمس الأكثر أهمية بالنسبة إليك، وستجد في كتابي أيضاً أداة ترشدك لإجراء هذا التمرين بتفصيل أكبر.
ما هي نقاط القوة التي لم أستغلها بالشكل الكافي؟
يمتلك كثير من أبناء "الجيل إكس" مهارات اكتسبوها على مدى عقود من دون أن يوظّفوها بصورة كاملة. فكر في الأمور التي تنجزها بسهولة والتي تستمتع بفعلها، وإذا وجدت صعوبة في ذلك فاطلب من ثلاثة أشخاص يحبونك أن يعددوا الأمور التي تجيدها، أو الأمور التي يلجأون إليك لمساعدتهم فيها عندما يحتاجون إلى النصيحة: اسأل شريكك، أو أحد أصدقائك المقربين، أو مرشدك.
أية جوانب من مهنتي السابقة لا تزال تمدني بالحيوية؟
لا تشترطُ إعادة اكتشاف الذات أن تبدأ من الصفر. اكتب قائمة بكل الأمور المتعلقة بحياتك المهنية التي تمنحك شعوراً حقيقياً بالرضا والسعادة، وتأمّل في الصورة التي تتشكل أمامك، واستخلص ملاحظات من هذه القائمة، فهي ستشكل دعامة التحول في مسيرتك المهنية.
الخطوة الثالثة: التنظيم، تحويل الرؤية إلى خطة عملية
بمجرد أن تهدئ جهازك العصبي وتتبين لك الأمور الأهم بالنسبة إليك، يمكنك تنظيم خطواتك التالية بوضوح بدلاً من الذعر، وعندها يمكنك ترسيخ إعادة ابتكارك لذاتك على أرض الواقع، والبدء في تحديد الخطوات التي ستتخذها للمضي قدماً. فكر في اتخاذ خطوات صغيرة ومتسقة تقع ضمن نطاق سيطرتك، لتجنب أن تصبح إعادة ابتكارك لذاتك مجرد "أحلام بعيدة المنال". يحب الدماغ إمكان التنبؤ والتنظيم، لذا عندما تتضمن خطة إعادة التجديد خطوات ملموسة، تظل قشرة الفص الجبهي (الجزء المسؤول عن التخطيط واتخاذ القرارات) حاضرة.
ضع خريطة طريق لإعادة ابتكارك لنفسك
ما هو وضعك المالي؟ أجرِ مراجعة مالية كي تفهم ما هو المبلغ الذي "يكفيك" في الشهر، ويمكنك الاطلاع على مزيد من التفاصيل حول كيفية القيام بذلك في كتابي.
فكر في أشخاص يمكنهم دعم عملية إعادة ابتكارك لنفسك
تشير الأبحاث إلى أن فرص العمل نادراً ما تأتي من طريق معارفك المقربين، بل تأتي من الأطراف الخارجية لشبكة علاقاتك الاجتماعية، مثل المعارف، وزملاء العمل السابقين، والأشخاص الذين تتفاعل معهم من حين لآخر، فكر في طرق تتيح لك الدخول إلى دوائر جديدة، ومشاركة أفكارك وتوسيع نطاق علاقاتك.
تحايل على أنظمة التوظيف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي
استخدم الكلمات المفتاحية الواردة في إعلان العمل وتجنب استخدام أنماط السيرة الذاتية المبالغة في الإبداع، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على مطابقة الأنماط. اشرح إنجازاتك بالأرقام، إذ يسهُل على الخوارزميات تفسير الأرقام. حدّث حسابك على منصة "لينكدن"، إذ يستخدم كثير من مسؤولي التوظيف أدوات ذكاء اصطناعي مربوطة بملفات "لينكدن" الشخصية، ولا تعتمد على طلبات التوظيف وحدها، ادعمها بالتواصل لتجاوز أدوات الفرز الآلية.
يمكن للأعوام الـ15 الأخيرة من حياتك المهنية أن تكون الأكثر إرضاء وتأثيراً وصدقاً، ليس لأنك تعيد اكتشاف هويتك، بل لأنك أصبحت أخيراً أكثر قرباً من هويتك الحقيقية. ابدأ الآن - أنت محترف!
كتاب "منهج برو" للكاتبة روزي نيكسون متوافر الآن في جميع المكتبات. تفضل بزيارة موقع www.rosienixon.co.uk للاطلاع على برامج "معتكف روزي لإعادة ابتكار الذات" و"ورش العمل" التي تقدمها روزي والاشتراك بها.
© The Independent