ملخص
يتركز النشاط الزلزالي في غرب السعودية، خصوصاً خليج العقبة والشمال والجنوب الغربي، بينما تنخفض أخطاره وسط البلاد. وتختلف شدته بحسب الصدوع، مع احتمال هزات مستحثة بفعل الأنشطة البشرية.
شهدت المنطقة العربية خلال الأسابيع الأخيرة نشاطاً زلزالياً لافتاً، إذ سجلت مطلع أغسطس (آب) هزة أرضية في مصر بلغت قوتها 5.3 درجة، قبل أن تضرب هزة أخرى شرق خليج عدن أواخر الشهر بقوة 6.1 درجة.
ومع تتابع أخبار الزلازل في المنطقة ومناطق مختلفة من العالم، تتجدد تساؤلات السكان حول احتمالات تعرض بلدانهم للهزات الأرضية، والمناطق الأكثر نشاطاً، ومدى جاهزية المباني والبنية التحتية للتعامل معها.
وعلى رغم أن السعودية لا تعد من الدول الأكثر تعرضاً للزلازل، فإن النشاط الزلزالي ليس غائباً عنها، وتتفاوت درجة الخطر من منطقة إلى أخرى تبعاً لطبيعة التكوينات الجيولوجية والصدوع القريبة. كما قد تشهد بعض المناطق البعيدة من نطاقات النشاط الطبيعي هزات مرتبطة بأنشطة بشرية، مثل إنشاء السدود أو سحب المياه من الآبار أو استخراج النفط.
المناطق الأكثر نشاطاً
تصنف الدولة الخليجية بصورة عامة ضمن المناطق ذات الخطر الزلزالي المنخفض إلى المتوسط، لكن مستوى النشاط يختلف جغرافياً داخل البلاد.
ويضع المشرف على مركز الدراسات الزلزالية ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الأرض عبدالله محمد العمري، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، شمال غربي المملكة في مقدمة المناطق الأكثر عرضة للنشاط الزلزالي، ولا سيما منطقة نيوم وخليج العقبة، لقربها من نطاقات صدوع نشطة.
ويأتي جنوب غربي المملكة، بما في ذلك جازان وما حولها، ضمن المناطق النشطة زلزالياً، فيما تشمل مناطق النشاط كذلك مكة وجدة والطائف، لقربها من البحر الأحمر والصدوع المرتبطة به.
وفي المقابل، ينخفض النشاط الزلزالي في مناطق وسط السعودية، مثل القصيم وحائل، مقارنة بغرب البلاد. وبحسب العمري، فإن بعض الهزات المحدودة المسجلة في مناطق بعيدة من نطاقات النشاط التكتوني قد ترتبط بأنشطة بشرية، مثل سحب المياه من الآبار العميقة أو التفجيرات الصناعية.
أما المنطقة الشرقية فلا تعد من أكثر مناطق المملكة نشاطاً زلزالياً، لكنها قد تتأثر بالزلازل القوية التي تقع في نطاقات نشطة مجاورة، من بينها جنوب غربي إيران عبر الخليج العربي، ويشير العمري إلى أن وسط المملكة والربع الخالي من أقل مناطق البلاد نشاطاً زلزالياً.
وتدعم دراسات علمية هذا التفاوت الجغرافي في مستوى الخطر، إذ خلص تحليل للأخطار الزلزالية الاحتمالية في غرب السعودية، نشر بالتعاون بين هيئة المساحة الجيولوجية السعودية وهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، إلى أن مناطق غرب المملكة تتطلب تقييماً خاصاً لشدة الاهتزازات الأرضية، ولا سيما حول المدينة المنورة وحرة رهط. واعتمدت الدراسة على نماذج محلية لحركة الأرض لتقدير مستويات الاهتزاز المتوقعة، واحتمالات تجاوزها خلال فترات زمنية محددة.
متطلبات البناء في المناطق الزلزالية
وضعت السعودية منذ سنوات متطلبات للتصميم والبناء المقاوم للزلازل ضمن كود البناء السعودي، مع اختلاف الاشتراطات الهندسية بحسب مستوى الخطر الزلزالي في كل منطقة.
ويشير العمري إلى تقسيم المملكة إلى نطاقات زلزالية تختلف فيها متطلبات التصميم الهندسي وفق طبيعة النشاط الزلزالي، إذ تحتاج مناطق شمال غربي المملكة وجنوبها الغربي إلى اعتبارات هندسية تختلف عن تلك المطبقة في المناطق الأقل نشاطاً وسط البلاد.
وتحظى المدن الواقعة على الساحل الغربي، ومنها حقل وأملج وينبع والوجه وجدة والطائف ومكة والقنفذة وجازان، باهتمام أكبر في ما يتعلق بمتطلبات التصميم الزلزالي، فيما تشمل المدن التي تؤخذ فيها هذه الاعتبارات في المنطقة الشرقية الخبر والجبيل ورأس تنورة والدمام.
ويشير العمري كذلك إلى أهمية ما يعرف بـ"التمنطق الزلزالي الدقيق"، الذي يدرس تأثير طبيعة التربة والخصائص الجيولوجية المحلية في شدة الاهتزاز من حي إلى آخر داخل المدينة. ويقول إنه أجرى دراسات من هذا النوع في الخبر، بما يساعد المهندسين وأصحاب القرار في تحديد متطلبات التصميم ومعاملات الأمان الزلزالي بصورة أكثر دقة.
الحرات البركانية في غرب البلاد
بحسب هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، تنتشر الحرات البركانية في الجزء الغربي من المملكة، وتغطي مساحة تقدر بنحو 112 ألف كيلومتر مربع، مما يجعلها من أكبر المناطق البركانية البازلتية من حيث المساحة، وتعد بعض الحرات في الجزيرة العربية حديثة نسبياً بالمقياس الجيولوجي.
ويوضح عبدالله محمد العمري، المشرف على مركز الدراسات الزلزالية رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الأرض، أن النشاط الزلزالي الرئيس في غرب المملكة يرتبط بصورة أكبر بالصدوع وحركة الصفائح في نطاق البحر الأحمر وخليج العقبة، وليس بالنشاط البركاني وحده.
ويضيف أن الحرات البركانية قد تشهد بين حين وآخر هزات أرضية محدودة، فيما يرتبط جانب مهم من النشاط الزلزالي في شمال غربي المملكة بالصدوع الممتدة في نطاق خليج العقبة والبحر الأحمر. أما في جنوب غربي البلاد، فيرتبط النشاط الزلزالي بصورة أساسية بالحركة التكتونية في منطقة البحر الأحمر والمناطق المجاورة.
وفي دراسة علمية لحرة لونير شمال غربي السعودية، تتبع باحثون 24 عاماً من النشاط الزلزالي بين عامي 1998 و2022، وخلصوا إلى وجود نشاط زلزالي بركاني يمتد من الوشاح الصخري إلى القشرة العليا. وربطت الدراسة بعض هذا النشاط بحركة الصهارة والسوائل البركانية، مشيرة إلى أهمية استمرار الرصد الزلزالي في المنطقة.
الزلازل الطبيعية والمستحثة
تنقسم الزلازل، من حيث أسباب حدوثها، بصورة عامة إلى زلازل طبيعية وأخرى مستحثة بفعل الأنشطة البشرية.
وتحدث الزلازل الطبيعية نتيجة حركة الصفائح والصدوع في القشرة الأرضية، وتتركز عادة في المناطق النشطة تكتونياً. وفي السعودية، تعد مناطق خليج العقبة والبحر الأحمر وشمال غربي المملكة من أبرز المناطق المعرضة لهذا النوع من النشاط الزلزالي.
أما الزلازل المستحثة، فقد ترتبط ببعض الأنشطة البشرية التي تؤثر في الضغوط داخل الصخور والصدوع، مثل بناء السدود الكبيرة وتكوين الخزانات المائية، وحقن السوائل أو سحبها من باطن الأرض، إضافة إلى بعض عمليات استخراج المياه والنفط والغاز والتفجيرات الصناعية.
ويشير العمري إلى أن السحب السريع لكميات كبيرة من السوائل من باطن الأرض قد يؤدي، في ظروف جيولوجية معينة، إلى تغير الضغوط في الطبقات الصخرية وتحفيز هزات أرضية، ويذكر في هذا السياق حالات رصدت في بعض المناطق النفطية في الخليج.
ولذلك يؤكد أهمية مراقبة الضغوط والتغيرات الجيولوجية المصاحبة لعمليات استخراج السوائل وحقنها، واستخدام التقنيات المناسبة للحد من احتمالات تحفيز النشاط الزلزالي.
وبحسب العمري، فإن كثيراً من الهزات الصغيرة التي تقل قوتها عن ثلاث درجات لا يشعر بها السكان عادة، لكنها ترصد بأجهزة الشبكات الزلزالية. وقد تسجل مثل هذه الهزات في مناطق بعيدة من نطاقات النشاط الزلزالي الرئيس، ومن بينها بعض مناطق وسط المملكة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تاريخ الزلازل بالمنطقة
رصد أكبر زلزال في هذه المنطقة في الـ22 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، في خليج العقبة، وهو أكبر زلزال حاصل حديثاً في المملكة، وكانت قوته 7.2 على مقياس ريختر، مقارنة مع زلزال تركيا في فبراير (شباط) 2023، الذي كان بقوة سبعة وثمانية أعشار، بفارق بسيط في القوة.
وخليج العقبة يمتد من حقل شمالاً حتى خليج الملك سلمان، وهي تربط البحر الأحمر بالبحر الميت، وهذا جعل المنطقة في منطقة تحولية ومنطقة نشاط، وبالتالي هي المنطقة الأكثر عرضة للزلازل من أية مناطق أخرى، إلا أن ما حدث في السعودية كان أقل تأثيراً، لأنه كان وسط الماء، ووجود الزلازل بالماء يعمل على امتصاص الموجات، وعملية الامتصاص تقلل من التأثير، تحديداً أن السعودية لا تقع وسط محيط، لذلك لم ينتج تسونامي.
أشهر زلازل الألفينيات
يذكر أنه عند الساعة 7:45 من مساء الثلاثاء عام 2009، وقعت هزة أرضية في العيص بقوة 4.9 على مقياس ريختر، شعر بها سكان العيص وينبع النخل وأملج والمدينة المنورة، وتأتي هذه الهزة بعد أن وقعت هزة أخرى في الساعة العاشرة صباحاً من اليوم ذاته بالقوة نفسها أيضاً، كما أن منطقة حرة الشاقة تعرضت إلى هزة عنيفة بلغت قوتها 5.5 على مقياس ريختر.
وبالنسبة إلى الخسائر، يذكر العمري أن الزلزال خلف تشققات في المباني في تبوك وحقل والمدن القريبة، لأن البنية التحتية كانت ضعيفة جداً قبل 27 سنة، كما أن جمرك الدرة تأثر بصورة كبيرة. وبالنسبة إلى الوفيات، كانت تقريباً ثلاث أو أربع وفيات في تلك الفترة، ومن أبرز الأسباب الهلع.