ملخص
مسألة التأثير في الناخبين أثارت جدلاً واسعاً خلال الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين في الولايات المتحدة، وأصبحت اليوم مطروحة بقوة في فرنسا أيضاً، باعتبارها قضية تتعلق بنزاهة الانتخابات وحرية الناخب في اختيار ممثليه.
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع عام 2027، بدأ السباق إلى قصر الإليزيه يكشف باكراً عن معركة تتجاوز حدود البرامج الاقتصادية والسياسية، لتطاول أمن العملية الانتخابية نفسها، في ظل تصاعد التحذيرات من محاولات التأثير والتدخل الأجنبي في المشهد السياسي الفرنسي.
في باريس، جمعت أول مناظرة انتخابية، نُظمت الخميس الماضي بمبادرة من "ميديف" أكبر منظمة لأرباب العمل في فرنسا، سبعة من أبرز المرشحين المحتملين للرئاسة، إضافة إلى ممثلين عن الشركات وأصحاب الأعمال، في مواجهة سياسية طغت عليها ملفات الاقتصاد والقدرة الشرائية والدين والتقاعد.
وعود اقتصادية
عكست المناظرة تبايناً واضحاً في رؤى المرشحين حول مستقبل الاقتصاد الفرنسي، إذ تراوحت مقترحاتهم بين خفض الدين العام، وزيادة الأجور، وإصلاح نظام التقاعد، وتقليص الإنفاق والقيود البيروقراطية، فقد دافع رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح عن حزب "آفاق"، إدوار فيليب، عن خفض الدين وإعادة ترتيب المالية العامة، محذراً من أن أي إلغاء أو تجميد لجزء من الدين قد يضر بصدقية فرنسا المالية، ويضعف ثقة الأسواق.
في المقابل، دعا مرشح "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلنشون، إلى زيادة الأجور ورفع الحد الأدنى لها، محذراً من أخطار الركود الاقتصادي، وأكد استعداده لعدم الالتزام ببعض القرارات الأوروبية التي يعدها متعارضة مع مصالح الفرنسيين.
أما مرشح حزب "الجمهوريون" برونو روتايو، فاقترح ربط سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع، موضحاً أن معالجة أزمة الدين وإصلاح المالية العامة لا ينفصلان عن إصلاح نظام التقاعد، وتعهّد بتقليص القواعد والإجراءات الإدارية.
بدورها، طرحت مرشحة حزب "التجمع الوطني"، مارين لوبان، خطة لتوفير نحو 125 مليار يورو من الإنفاق العام، إضافة إلى مقترح يسمح لمن بدأوا العمل قبل سن الـ 20 بالتقاعد في الـ 60، قبل الوصول تدريجياً إلى سن قانونية تبلغ 62 سنة.
وكذلك دافع رافاييل غلوكسمان عن رفع أجور العاملين وخفض المساهمات الاجتماعية على الرواتب، في مقابل زيادة الضرائب على كبار أصحاب الثروات والميراث، فيما ركز غابرييل أتال على تعزيز القدرة التنافسية للشركات، ومعالجة أزمة السكن.
أما مرشحة "الخضر"، مارين تونديلييه، فطرحت سياسة تقوم على الجمع بين حماية الأجراء ودعم أصحاب الأعمال، مقترحة رفع الحد الأدنى للأجور شهرياً إلى 2000 يورو إجمالياً، بالتوازي مع دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
لكن خلف هذا التنافس حول الاقتصاد والبرامج الاجتماعية، برز ملف أكثر حساسية بدأ يفرض نفسه باكراً على السباق إلى قصر الإليزيه، وهو التدخلات الأجنبية ومحاولات التأثير في الناخب الفرنسي، فقد وجّه رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق والمرشح للانتخابات الرئاسية، غابرييل أتال، اتهامات إلى روسيا، محذراً من تكرار محاولات التدخل الروسي في الشأن السياسي الفرنسي، في إطار تحذيراته من أخطار التأثير الخارجي في الانتخابات والحياة السياسية في البلاد.
لكن موسكو رفضت هذه الاتهامات، ورأت أن الحديث عن تدخل روسي لا يعدو أن يكون ورقة انتخابية تستخدمها بعض الأطراف للترويج لبرامجها ومواقفها، ولم تقتصر التحذيرات على روسيا، إذ حذّر رئيس حزب "فرنسا الأبية" من أخطار التدخلات الأجنبية، متحدثاً عن تدخلات روسية وإسرائيلية، وداعياً إلى تشكيل تحالف لمواجهة ما وصفه بمحاولات التأثير الخارجي المقبلة من إسرائيل وروسيا.
وفي هذا السياق، كشف جهاز "فيجينوم" الحكومي عن حملة تأثير حملت اسم "روخ سوليس"، واستهدفت شخصيات مرتبطة بحزب "فرنسا الأبية" خلال الانتخابات البلدية، ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز السجال السياسي: من يقف وراء حملات التأثير التي تستهدف المشهد السياسي الفرنسي؟ وكيف تُصنع الروايات المضللة وتنتشر؟ وإلى أي مدى يمكن أن تصل إلى الناخب وتؤثر في خياراته؟
سلاح جيوسياسي
في هذا الخصوص، يقول أستاذ القانون الدولي مجيد بودن إن مبدأ دولة القانون المعمول به في فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي يمنع أي مرشح من الادعاء بوجود تدخل أجنبي في الانتخابات، إذا لم يكن ذلك صحيحاً، موضحاً أن القوانين تجرّم الادعاءات الكاذبة في هذا الشأن، ومشيراً إلى أن أي مرشح قد يحاول تلميع صورته أو التلاعب بالعملية الانتخابية، من خلال إطلاق ادعاءات غير صحيحة في شأن تدخلات أجنبية، يمكن أن يواجه إجراءات قضائية، وقد يتعرض لعقوبات جزائية.
ويؤكد بودن أن هذا الإطار القانوني يجعل من الصعب إطلاق ادعاءات من هذا النوع على نحو مطلق، في ظل وجود مؤسسات فرنسية تتولى مراقبة العملية الانتخابية، بما في ذلك تمويل الحملات الانتخابية.
ويشير أستاذ القانون الدولي إلى أن التجربة الفرنسية أظهرت أنه حتى كبار المسؤولين السياسيين يمكن أن يخضعوا للمساءلة القضائية في شأن تجاوزات مرتبطة بالإنفاق الانتخابي، مستشهداً بحالات طاولت رؤساء سابقين للجمهورية، وبالتالي يرى بودن أن وجود مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة، يجعل التلاعب بالعملية الانتخابية في فرنسا أمراً بالغ الصعوبة، ويوضح "إذا نظرنا إلى الوضع العالمي والجيو-ستراتيجي، وإلى حدة التطاحن بين الدول، نجد أن الدول التي تحكمها أنظمة سلطوية لا تتأثر كثيراً بالتدخلات في الانتخابات، لأن الانتخابات في هذه الدول تكون أصلاً غير قابلة للتأثر بهذا النوع من التدخلات، فمصير الانتخابات تحدده السلطة الحاكمة نفسها، وبالتالي لا تكون هناك جدوى كبيرة من التدخل فيها، لأن النتيجة تكون معروفة ومقررة مسبقاً، حتى قبل الإعلان عنها، باعتبار أن الحاكم هو من يتحكم في العملية الانتخابية، ويحدد نتائجها بما يضمن بقاءه في الحكم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى العكس، فإن الدول الديمقراطية التي تقوم على سيادة القانون والمؤسسات والمجتمع المدني تكون أكثر عرضة لمحاولات التدخل من جانب أنظمة سلطوية أخرى، لأن هذه الأنظمة تستطيع التأثير في الانتخابات بصورة غير مباشرة".
ويوضح مجيد بودن أن "هناك ما يسمى بالتأثير الأيديولوجي، وكذلك التأثير في الانتخابات والرأي العام، فمثلاً قد تقوم مؤسسة كبيرة أو جهة معينة بتجنيد أعداد كبيرة من الأشخاص، أو استخدام جيوش إلكترونية تعمل أمام أجهزة الحاسوب، بهدف نشر معلومات مضللة، والتأثير في الناخبين".
وبحسب بودن فقد يكون الهدف من هذه الحملات، في نهاية المطاف، التأثير في خيارات الناخبين، ودفعهم نحو انتخاب مرشحين يتوافقون مع مصالح تلك الأنظمة السلطوية، التي قد تسعى بعضها إلى دعم صعود مرشحين من أقصى اليمين داخل الدول الديمقراطية، باعتبار أن هؤلاء المرشحين قد يكونون أكثر قرباً من مواقفها، أو أكثر استعداداً للتعامل معها، وتصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما يكون هناك تقارب فكري أو أيديولوجي بين بعض الأنظمة السلطوية وشخصيات أو مرشحين ذوي توجهات متطرفة داخل الدول الديمقراطية، إذ يمكن أن يؤدي هذا التقارب إلى نوع من التفاهم في المصالح بين الطرفين.
وفي هذا الصدد، يقول أستاذ القانون الدولي إن جدية هذه المسألة تتجلى خصوصا في فرنسا، إذ تُحال مثل هذه المسائل إلى القضاء الذي يمكنه فتح تحقيقات وملفات في شأن محاولات التأثير في العملية الانتخابية، مشيراً إلى أن مسألة التأثير في الناخبين أثارت جدلاً واسعاً خلال الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين في الولايات المتحدة، وأصبحت اليوم مطروحة بقوة في فرنسا أيضاً، باعتبارها قضية تتعلق بنزاهة الانتخابات، وحرية الناخب في اختيار ممثليه.
ويستشهد في هذا السياق بما حدث في رومانيا خلال الانتخابات الأخيرة، إذ فاز مرشح من أقصى اليمين، قبل أن تتوصل السلطات القضائية الرومانية والأوروبية إلى وجود تدخلات وتلاعب أثّرت في العملية الانتخابية، مما أدى إلى إلغاء نتائج الانتخابات وإعادتها في ظروف وصفها القضاء بأنها أكثر شفافية ونزاهة.
وفي هذا الخصوص، يشير المحلل السياسي في الشأن الفرنسي نبيل شوفان إلى أن روسيا تقدم حتى الآن الحال الأكثر وضوحاً، فقد رصدت "هيئة مكافحة التدخلات الرقمية الأجنبية الفرنسية" (فيجينوم) عمليات مرتبطة بشبكتي "ماتريوشكا" و"ستورم-1516" المواليتين لموسكو، استهدفت شخصيات بارزة في السباق الرئاسي، بينها غابريال أتال وإدوار فيليب ورافاييل غلوكسمان، واستخدمت إحدى الحملات مقاطع وتقارير مزيفة تنتحل هوية مؤسسات إعلامية فرنسية كبرى ومع ذلك، أقرت "فيجينوم" بأن بعض هذه المواد كانت ضعيفة الانتشار إلى درجة أنها نصحت السياسيين بعدم الترويج لها عبر الرد عليها.
وكانت الصين حاضرة أيضاً ولكن بطريقة مختلفة، بحسب ما صرح شوفان الذي أشار إلى أن السلطات الفرنسية كشفت شبكة "فاون ميانجو"، المؤلفة من 13 موقعاً إخبارياً زائفاً ومرتبطة تقنياً بشبكة "سجتن" الحكومية الصينية، ومن أصل2975 مقالة نشرتها الشبكة خلال الفترة التي درسها المحققون، أعادت الشبكة نشر 2307 مقالات بعد إعادة صياغتها، في مؤشر إلى استخدام واسع للأتمتة والذكاء الاصطناعي، لكن لا يوجد حتى الآن دليل منشور يثبت أن بكين أطلقت عملية تستهدف نتيجة رئاسيات 2027 تحديداً.
وتعليقاً على عملية "روخ سوليس" التي استهدفت حزب "فرنسا الأبية" خلال الانتخابات البلدية، فقد أوضح نبيل شوفان أنها قادت خيوطها إلى "بلاك كور" وشبكة من الفاعلين والشركات الإسرائيلية الخاصة، وأن العملية استخدمت مواقع وحسابات وهمية، وحتى جماعات سياسية ودينية مختلقة لتأجيج الاستقطاب، لكن التحقيق الفرنسي لم يحدد الجهة التي دفعت ثمن العملية، ولا يوجد دليل يسمح بنسبها إلى الحكومة الإسرائيلية.
أما في الحال الأميركية، فقد أكد شوفان أنه لا توجد أدلة علنية مماثلة على عملية سرية للدولة الأميركية، فيما يتركز الجدل على نفوذ فاعلين خاصين ومنصات رقمية، وفي مقدمهم إيلون ماسك ومنصة "إكس"، ففي اعتقاد شوفان أن الذكاء الاصطناعي يجعل كل ذلك أسرع وأرخص وأكثر صعوبة في الكشف، فصورة وحساب وهوية مزيفة يمكن صناعتها خلال دقائق، وفيديو أو خبر كاذب يمكن نشره بعشرات اللغات، وهذه الأساليب لم تعد فرنسية فقط، فقد رُصدت حملات مشابهة وهجمات سيبرانية وعمليات تضليل في ألمانيا ودول البلطيق والدول الإسكندنافية، ضمن أدوات ما يعرف بالحرب الهجينة.
ويتابع شوفان "لكن حتى الآن لا يوجد دليل قاطع على أن هذه العمليات غيّرت نتيجة انتخابات وطنية فرنسية، وقد يكون الهدف أحياناً مختلفاً، مثل زرع الشك، وتعميق الانقسام، وإضعاف الثقة بالإعلام والمؤسسات والانتخابات نفسها، وهنا تكمن معضلة رئاسيات 2027، فالتدخل الأجنبي حقيقة أمنية، لكن تأثيره الانتخابي غير مثبت، والتحذير منه يمكن أن يصبح بدوره ورقة انتخابية، ولذلك قد لا تكون المعركة المقبلة على صندوق الاقتراع وحده، إنما على عقل الناخب الفرنسي، وعلى المعلومات التي تصله قبل أن يقرر لمن يمنح صوته".
لا مصلحة إسرائيلية في الشأن الفرنسي
في الجانب الإسرائيلي، ينفي المحلل السياسي إيلي نيسان الاتهامات الموجّهة إلى تل أبيب بالتدخل في السياسة الفرنسية، مؤكداً أن إسرائيل لا تتدخل في الشأن السياسي الفرنسي، ولا ترى أن لديها مصلحة خاصة في ذلك، ويشير إلى أن بلاده منشغلة في الوقت الراهن بانتخاباتها الداخلية، فضلاً عن مخاوفها من تدخل إيران في شؤونها الداخلية.
في المقابل، يرى نيسان أن هناك فرضيات أخرى قد تكون أكثر ترجيحاً، ولا سيما احتمال تورط روسيا أو الصين، موضحاً أن هذين الطرفين قد تكون لديهما مصالح تدفعهما إلى محاولة التأثير في المشهد السياسي الفرنسي.
وبخصوص العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية، يقول نيسان إنها شهدت خلال الفترة الأخيرة حالاً من المد والجزر، مشيراً إلى أن الانتقادات الموجهة إلى السياسة الإسرائيلية تصدر، في جانب منها، عن شخصيات سياسية فرنسية، وهو ما يعكس تبايناً في المواقف داخل الساحة السياسية الفرنسية تجاه إسرائيل.
وختاماً، ففي بلد مثل فرنسا، لا يقتصر التحدي على كشف التدخلات الأجنبية وتحديد الجهات التي تقف وراءها، بل يتجاوز ذلك إلى حماية استقلال القرار الانتخابي، والحيلولة دون تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة للتأثير في إرادة الناخبين، فهل تملك فرنسا الأدوات الكافية للكشف عن التدخلات الأجنبية وحماية إرادة الناخبين؟ أم أن التطور المتسارع لوسائل التأثير الرقمي يفرض تحديات جديدة على نزاهة الانتخابات؟