Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد انحسار نفوذها... فرنسا تتمدد في ساحات أفريقية جديدة

نجاح التغيير لن يقاس بعدد العواصم التي تصل إليها باريس بل بقدرتها على تحويل هذا الانتشار الجغرافي إلى نفوذ مستدام من دون إعادة إنتاج منطق الماضي

اضطرت فرنسا إلى الانسحاب من نحو 70 في المئة من الدول الأفريقية التي كان لها فيها وجود عسكري (أ ف ب)

ملخص

قد لا تستعيد فرنسا نفوذها السابق، لكنها قد تنجح في بناء نفوذ أصغر حجماً، وأوسع جغرافياً، وأكثر اعتماداً على المصالح المتبادلة. أما إذا أخفقت في تحويل خطاب "الشراكة" إلى مكاسب ملموسة للدول الأفريقية، فقد تجد نفسها أمام خريطة جديدة من النفوذ، من دون أن تمتلك فيها الموقع الذي كانت تتمتع به في الخريطة القديمة.

على رغم أن الوجود الفرنسي انحسر في معاقله التقليدية بأفريقيا، إلا أن ذلك لم يدفع باريس لأن تطوي صفحة نفوذها في القارة السمراء، بل شرعت في إعادة رسم خريطة حضورها على نحو أكثر انتقائية، متجاوزة تدريجاً المجال الفرنكوفوني الذي شكل مركز ثقل استراتيجيتها لعقود، نحو شرق أفريقيا والبحر الأحمر وشراكات أمنية جديدة. ويأتي ذلك في سياق تحول أوسع في ميزان النفوذ، مع تراجع فرنسا وتوسع روسيا.

اضطرت فرنسا إلى الانسحاب من نحو 70 في المئة من الدول الأفريقية التي كان لها فيها وجود عسكري، بينما وسعت روسيا حضورها في تسع دول، وأبرمت عقوداً للتعاون في التكنولوجيا العسكرية مع 43 دولة. بدأت باريس إعادة صياغة سياستها منذ طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2017 مفهوم "الشراكة على قدم المساواة"، سعياً إلى تجاوز إرث "فرانس أفريك". وكانت فرنسا تنشر حينها نحو 10 آلاف جندي في القارة، معظمهم في غرب أفريقيا والساحل، قبل أن تفضي الضغوط السياسية والشعبية إلى انسحابها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر ودول أخرى.

في المقابل، استثمرت روسيا تنامي المشاعر المناهضة لفرنسا، وقدمت نفسها قوة مناهضة للاستعمار الغربي، مستخدمة شركات عسكرية خاصة، وشبكات إعلامية ومؤسسات ثقافية وبعثات دبلوماسية وحملات تأثير. اتجهت فرنسا إلى تقليص انتشارها المباشر واستبداله بشراكات أصغر للتدريب وبناء القدرات والاستخبارات والدعم الجوي المحدود، مع توجيه اهتمام متزايد إلى شرق أفريقيا. ومع ذلك، تبقى اللغة الفرنسية، والفرنك الأفريقي المرتبط بالخزانة الفرنسية، ويضم 14 دولة، وبعض الشركات الفرنسية في الاتصالات والتجزئة والطاقة، ركائز نفوذ متجذرة.

تفاقم الضغوط

 لم يكن التراجع الفرنسي في الساحل نتيجة الانقلابات العسكرية وحدها، بل كشف أيضاً عن حدود نموذج أمني جعل القوة العسكرية مدخله الرئيس إلى إدارة أزمات المنطقة. ففي عام 2013 تدخلت فرنسا في مالي لوقف تقدم الجماعات المسلحة نحو باماكو، بعد انهيار الدولة وسيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم "القاعدة" على أجزاء واسعة من الشمال. ونجحت عملية "سيرفال" في وقف التقدم واستعادة المدن الشمالية، قبل أن تتحول في عام 2014 إلى "برخان"، التي اتسعت إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا، وبلغ قوامها نحو 5 آلاف جندي.

وبالتوازي، أقامت باريس شبكة أوسع للاستقرار، ضمت بعثة الأمم المتحدة في مالي، وبرامج الاتحاد الأوروبي لتدريب القوات المحلية، وقوة مجموعة دول الساحل الخمس، و"تحالف الساحل" الذي أطلقته فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي في 2017، إلى جانب برامج لدعم الأمن والعدالة والتنمية. غير أن التهديد اتسع جغرافياً، فاستغلت الجماعات المسلحة النزاعات المحلية والتنافس على الموارد وضعف حضور الدولة لتوسيع التجنيد والنفوذ. وبحلول 2021، كانت الهجمات قد ارتفعت خمسة أضعاف مقارنة بعام 2016، بينما غذت الانتهاكات المنسوبة إلى قوات حكومية وميليشيات محلية دورة جديدة من العنف.

وتزامنت الانقلابات المتتالية، بدءاً من مالي عام 2020، مع تصاعد الرفض الشعبي للوجود الفرنسي وتراجع الثقة بالحكومات. وفاقمت جائحة كورونا الضغوط بعدما عطلت التدريب والتنمية وحفظ السلام، لتتراجع جدوى مقاربة جعلت العمل العسكري في صدارة الاستجابة لأزمات ذات جذور سياسية واجتماعية واقتصادية.

وبين عامي 2023 و2025، انهارت تدريجاً ركائز الانتشار الفرنسي في الساحل، إذ خرجت القوات من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ثم أنهت وجودها العسكري في تشاد، قبل أن تستعيد السنغال وساحل العاج السيطرة على المواقع الفرنسية. وهكذا لم تكن القواعد التي أغلقت مجرد منشآت عسكرية، بل كانت رموزاً لنظام نفوذ استمر منذ استقلالها. ومع انتقالها إلى إدارة الجيوش المحلية، طويت عملياً صفحة نموذج ظل لعقود يتيح لفرنسا الانتشار المباشر والتدخل السريع في أزمات مستعمراتها السابقة.

معيار الشراكة

عندما بدأت باريس بنقل ثقلها تدريجاً نحو دول وفضاءات تتجاوز مجالها الأفريقي التقليدي، أتى ذلك في إطار سعيها إلى بناء شبكة نفوذ أكثر اتساعاً وأقل ارتباطاً بالإرث الاستعماري. ويبرز المغرب في هذا التحول بوصفه شريكاً استراتيجياً يجمع الموقع الجغرافي بالثقل السياسي والعسكري، فقد تعزز التعاون الدفاعي عبر تدريبات مشتركة، فيما شاركت البحرية المغربية في 2026 ضمن مجموعة حاملة الطائرات "شارل ديغول" في مناورات "أوريون"، بما يعكس عمق التنسيق العسكري بين البلدين.

وفي شرق أفريقيا، تتقدم كينيا بوصفها إحدى أبرز ركائز الانفتاح الفرنسي الجديد، فقد وقعت مع باريس اتفاق دفاع يشمل التعاون الأمني وتبادل المعلومات والتدريب، واستضافت في مايو (أيار) الماضي قمة "أفريقيا إلى الأمام" في أول انتقال لهذا النوع من القمم الفرنسية - الأفريقية إلى دولة غير فرنكفونية. وفي نيجيريا، تراهن باريس على الثقل السكاني والاقتصادي للدولة، وعلى موقعها في أمن خليج غينيا والطاقة الإقليمية. أما جنوب أفريقيا، فتكتسب أهميتها من وزنها الاقتصادي والدبلوماسي وموقعها في تكتل "بريكس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتسع الدائرة إلى أنغولا، حيث تتقاطع المصالح الفرنسية مع الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والدفاع، وإثيوبيا كونها بوابة إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وغانا كشريك مستقر في غرب أفريقيا، وبوتسوانا في مجالات التدريب والتعاون الدفاعي. كذلك تفتح موزمبيق وناميبيا وزامبيا مجالاً للحضور الفرنسي في الجنوب الأفريقي، فيما تمنح مصر باريس موقعاً استراتيجياً عند تقاطع المتوسط والبحر الأحمر. وهكذا تنتقل الخريطة الفرنسية من الساحل إلى المغرب وشرق القارة وجنوبها وغربها، إذ يصبح معيار الشراكة أقل ارتباطاً باللغة وأكثر اتصالاً بالموقع والاقتصاد والأمن.

فرصة الانتقال

تكشف هذه الجغرافيا الجديدة عن أن باريس لا تغير مواقع انتشارها فحسب، بل تحاول تغيير القاعدة التي قام عليها نفوذها الأفريقي. فقد كان النفوذ الفرنسي يستند إلى شبكة تاريخية من اللغة والعلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، أما التوجه الجديد فيقوم على انتقاء دول تملك قيمة استراتيجية مستقلة عن صلتها السابقة بفرنسا. ومن هنا تكتسب كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا أهمية لا توفرها بالضرورة الدول التي شكلت قلب "فرانس أفريك".

ويكشف إدراج المغرب في هذه المعادلة عن طبيعة التحول وتعقيده في آن واحد، فالمغرب ليس لديه قطيعة مع الماضي الفرنسي، بل نموذج لعلاقة يمكن لباريس أن تعيد إنتاجها خارج منطق الوصاية، عبر شراكة بين دولتين تملكان مصالح متبادلة وقدرة على العمل في فضاءات إقليمية أوسع. وتكتسب الرباط أهمية إضافية من موقعها كبوابة اقتصادية وأمنية إلى غرب أفريقيا والساحل. وفي هذا العام، واصلت باريس وصف العلاقة بأنها "شراكة استثنائية" يجري توسيعها إلى مجالات الدفاع والأمن والاستثمار.
 

أما الانتقال إلى العواصم الأنغلوفونية والجنوبية، فيمنح فرنسا فرصة لتجاوز الصورة التي التصقت بها في الساحل، لكنه يضعها أيضاً أمام قواعد منافسة مختلفة. فنيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا لا تحتاج إلى فرنسا لكي تصل إلى العالم، ولديها بدائل متعددة من الصين والولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا وغيرها. كذلك أن هذه الدول لا تنظر إلى الشراكة على أنها امتداد لعلاقة تاريخية، بل كونها صفقة استراتيجية قابلة للمراجعة.

لهذا فإن نجاح التحول الفرنسي لن يقاس بعدد العواصم التي تصل إليها باريس، بل بقدرتها على تحويل هذا الانتشار الجغرافي إلى نفوذ مستدام من دون إعادة إنتاج منطق الماضي، إذ تأتي كمحاولة للانتقال من نفوذ يستند إلى الإرث إلى نفوذ يستند إلى المصلحة، ومن علاقة مفروضة بالجغرافيا التاريخية إلى شبكة تقوم على الاختيار المتبادل.

مسارات محتملة

يتوقف مستقبل التموضع الفرنسي في أفريقيا على قدرة باريس على تحويل الانتقال الجغرافي إلى تحول حقيقي في طبيعة العلاقة، والمؤشرات الحالية ترجح أن فرنسا ستواصل توسيع حضورها نحو الدول غير الفرنكفونية، لا بوصف ذلك بديلاً موقتاً عن خسائر الساحل، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد. وتأتي قمة نيروبي، وما رافقها من تعهدات استثمارية، لتؤكد أن الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار باتت أدوات مركزية في هذا التوجه، إلى جانب الأمن والدفاع.

لكن نجاح هذا المسار لن يتحدد بحجم التحرك الفرنسي، بل بقدرته على إنتاج مصالح متبادلة، ففرنسا تمتلك مقومات مهمة، قوة اقتصادية واستثمارية وعضوية دائمة في مجلس الأمن وقدرة عسكرية متقدمة وشبكة دبلوماسية واسعة، وشركات قادرة على العمل في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والدفاع. كذلك أن موقعها الأوروبي يمنحها إمكان الجمع بين النفوذ الوطني والأدوات الأوروبية، وهو ما يوسع قدرتها على تقديم حزم شراكة تتجاوز التعاون العسكري.

 في المقابل، تواجه باريس ثلاثة مثبطات رئيسة. أولها، أن الدول التي تتجه إليها لا تعاني فراغاً جيوسياسياً، فهي تتحرك بين قوى دولية أخرى، وتملك قدرة متزايدة على المساومة واختيار الشركاء. وثانيها أن الذاكرة الاستعمارية لا تختفي بمجرد تغيير الجغرافيا، فإذا بقيت فرنسا تتصرف بمنطق القوة القديمة، فقد تنتقل أزمة الثقة من الساحل إلى شركائها الجدد. أما الثالث فهو قدرة باريس نفسها على الاستمرار، إذ إن النفوذ يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل واتساق سياسي يتجاوز تغير الحكومات والضغوط المالية.

وعليه، تبدو النتيجة الأرجح هي إعادة تموضع ناجحة جزئياً، بأنه قد لا تستعيد فرنسا نفوذها السابق، لكنها قد تنجح في بناء نفوذ أصغر حجماً، وأوسع جغرافياً، وأكثر اعتماداً على المصالح المتبادلة. أما إذا أخفقت في تحويل خطاب "الشراكة" إلى مكاسب ملموسة للدول الأفريقية، فقد تجد نفسها أمام خريطة جديدة من النفوذ، من دون أن تمتلك فيها الموقع الذي كانت تتمتع به في الخريطة القديمة.

المزيد من تقارير