ملخص
ضربة إسرائيلية مدمرة على مركز صحي في جنوب لبنان تقتل مسعفين وتكشف تصاعد استهداف القطاع الطبي، وسط اتهامات بخرق القانون الدولي. ومع تكرار الهجمات واتساعها، تتزايد المخاوف من انهيار النظام الصحي وتكرار سيناريو الاستنزاف الذي شهده قطاع غزة.
كانت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت المركز الصحي في جنوب لبنان شديدة، إلى درجة بدا معها كأنه زلزال. فمن دون أي إنذار مسبق، اخترق صاروخ المبنى المؤلف من أربعة طوابق، محدثاً فجوات في بنيته الأسمنتية، وممزقاً جدرانه ومخلفاً حفرة عميقة متعددة الطبقات في الأرض.
المسعفون الاثنا عشر الذين يعملون في المركز، والذين تتمثل مهمتهم في تقديم خدمات الإسعاف للجرحى في نحو 20 قرية مجاورة، كانوا قد انتهوا لتوهم من تناول العشاء. ولم يكن هناك أي مكان يحتمون فيه.
"الجثث كانت في كل مكان، أشلاء متناثرة"، هذا ما قاله علي الشيامي (51 عاماً)، وهو مسعف أولي في "الهيئة الصحية الإسلامية" التابعة لـ"حزب الله"، التي كانت تدير المركز. وقد تحدث مع "اندبندنت" بالقرب من أنقاض هيكل المبنى الذي لا يزال جزء منه مشتعلاً ويطلق دخاناً لاذعاً وخانقاً في الهواء.
وأضاف: كان الهجوم أشبه بـ"زلزال"، موضحاً أنه هرع لإسعاف الجرحى، ليكتشف بعد ذلك أنه لم يكن هناك أي جرحى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما عباس حجازي الذي يبلغ من العمر 36 عاماً، وهو مسعف آخر كان موجوداً في مبنى يقع على الجهة المقابلة للشارع عندما وقع الانفجار، فأفاد بأن قوة العصف حطمت الأبواب واحتجزته في الداخل لوقت قصير.
وأضاف فيما بدت على وجهه علامات تأثر شديد، على وقع دوي الانفجارات المتقطعة للغارات الإسرائيلية القريبة: "كانت وجوه المسعفين مشوهة للغاية، إلى درجة أنه كان من المستحيل التمييز بينهم. كان الأمر في غاية الصعوبة. فهؤلاء زملاؤنا وأصدقاؤنا. ونحن نعمل معهم بشكل يومي".
البلدة هي برج قلاويه، وتبعد نحو 11 كيلومتراً (7 أميال) عن الحدود الجنوبية الشرقية للبنان مع إسرائيل، وتقع في صلب بؤرة الهجوم الإسرائيلي الواسع على البلاد وعلى جماعة "حزب الله" المسلحة، الذي اندلع قبل أسبوعين.
عبدالله نور الدين الذي يعمل هو أيضاً في "الهيئة الصحية الإسلامية"، أوضح لـ"اندبندنت" أن العيادة كانت تقدم خدماتها لعشرين قرية مجاورة، بما في ذلك سيارة إسعاف للطوارئ، وغرفة طوارئ، وصيدلية، ومركز إسعافات أولية، وعيادة.
البلدة تعرضت يوم الجمعة الفائت لقصف صاروخي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 طبيباً ومسعفاً وممرضا، وفق ما ذكرته "منظمة الصحة العالمية".
في اليوم نفسه، قُتل أيضاً مسعفان في هجوم استهدف مرفقاً صحياً يبعد نحو أربعة كيلومترات إلى الجنوب، تحديداً في بلدة الصوانة، بحسب منشور كتبه المدير العام لـ"منظمة الصحة العالمية" تيدروس أدانوم غيبريسيوس على حسابه عبر منصة "إكس". وأضاف أن الحادث يُعد "تطوراً مأسوياً في الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط".
وذكر الجيش الإسرائيلي في اتصال أجرته معه "اندبندنت" أنه على علم بالتقارير التي تحدثت عن ضربة استهدفت بلدة برج قلاويه، مشيراً إلى أن الحادثة قيد المراجعة.
تجدر الإشارة إلى أن المرافق الطبية تتمتع بحماية بموجب القانون الدولي، وبالتالي فإن استهدافها بشكل مباشر- إذا ما تم بنية جرمية- قد يُصنف في إطار جرائم الحرب، وفقاً لمنظمة "هيومان رايتس ووتش".
إلا أن المتحدث بالعربية باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي"، حذر السبت الماضي من أن جيشه قد يستهدف سيارات الإسعاف والمرافق الطبية التي قال إنها تُستخدم بشكل غير قانوني من جانب "حزب الله" في لبنان "لأغراض عسكرية"، من دون أن يقدم أي دليل على هذا الادعاء.
ونفى "حزب الله" من جانبه المزاعم الإسرائيلية بأنه يستخدم سيارات الإسعاف والمرافق الطبية لأغراض عسكرية. واتهم المسؤول الإعلامي في الحزب لمنطقة برج قلاويه الحاج سلمان حرب إسرائيل، بأنها "ترهب المدنيين"، من خلال استهداف المرافق الطبية والمدنية.
يُذكر أن لبنان كان قد زُج في الصراع الإقليمي مطلع هذا الشهر، عندما أطلق "حزب الله"- المدعوم من إيران- النار على إسرائيل، عقب غارات أميركية وإسرائيلية واسعة النطاق، أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ومنذ ذلك الحين، كثفت إسرائيل قصفها على مساحات واسعة من البلاد، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 850 شخصاً وإصابة أكثر من 2100 بجروح، وفقاً للسلطات الصحية. وصدرت أوامر إخلاء إسرائيلية على مناطق واسعة من لبنان، مما أجبر أكثر من 800 ألف شخص على الفرار من منازلهم.
يُشار إلى أن من بين القتلى 32 عاملاً في مجال الرعاية الصحية، فيما أصيب نحو 60، وفق ما ذكرته وزارة الصحة اللبنانية. وخلال الفترة نفسها، تعرضت 30 سيارة إسعاف و13 مركزاً طبياً لهجمات، وأسفر ذلك عن مقتل عشرات الأشخاص.
وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين أعرب لـ "اندبندنت" عن خشيته من ألا تكون الهجمات على النظام الصحي مجرد حوادث منفردة أو عرضية، مشيراً إلى أنها ستتسبب بإعاقة قدرة البلاد على علاج آلاف الجرحى.
وأضاف قائلاً لـ"اندبندنت" في بيروت: "للأسف، تتعرض سيارات الإسعاف للاستهداف، كما تتعرض طواقم التمريض للضربات. لدينا عدد من المستشفيات التي شهدت هجمات أو تتعرض للتهديد، خمسة منها أصبحت خارج الخدمة في الوقت الراهن". ولفت إلى هذه الممارسات تُعد "انتهاكاً لاتفاقات جنيف".
وكانت إسرائيل قد تعرضت تكراراً لاتهامات باستهداف متعمد لمرافق صحية في المنطقة، لكنها نفتها بشدة. وفي العام 2024 - خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل ولبنان - نبهت منظمة "هيومان رايتس ووتش" إلى أن الهجمات الإسرائيلية على العاملين في المجال الطبي والمرافق الصحية اللبنانية، تشكل جرائم حرب، داعيةً إلى إجراء تحقيقات دولية فيها.
وفي الصيف الماضي، اتهم خبراء تابعون للأمم المتحدة إسرائيل بـ"إبادة القطاع الطبي" في قطاع غزة، مؤكدين أن "الأفراد الذين يعملون في القطاع الصحي وفي مجال الرعاية الصحية هم عرضة بشكل مستمر للاستهداف والاعتقال والتعذيب والتجويع"، في حين تعرضت المستشفيات للقصف والحصار والهجمات والاقتحامات.
غسان أبو ستة - وهو جراح تجميل بريطاني فلسطيني بارز عمل في غزة ويزور لبنان الآن لعلاج بعض الأطفال المصابين بجروح بالغة - أعرب عن قلقه من احتمال تكرار النمط نفسه في لبنان خلال هذا الصراع.
وأضاف قائلاً لـ"اندبندنت": "ما أخشاه هو أن يكرر الإسرائيليون ما فعلوه في غزة وما قاموا به في الحرب السابقة، أي البدء باستهداف المستشفيات، الواحد تلو الآخر، لزيادة الضغط على النظام الصحي عبر تقليص قدرته الاستيعابية".
وتابع "مع نهاية الحرب الأخيرة في لبنان، فقدنا القدرة على الوصول إلى ثمانية مستشفيات. هذا ما أخشاه بشدة، أن ينهار النظام الصحي".
حتى الآن، يمكن القول إن الهجوم الأكثر دموية هو الذي وقع في بلدة برج قلاويه، حيث تتردد أصوات القصف الإسرائيلي المستمر في الأجواء. وتُشاهد على أرض المركز الصحي أنابيب اختبارات مكسورة، وعلب أدوية محطمة، وممتلكات المسعفين الذين قُتلوا ممزقة ومبعثرة.
في عودة إلى المسعف عباس حجازي الذي يبلغ من العمر 36 عاما، فقد قال بنبرة يغمرها اليأس عن رفاقه: "رأيناهم قبل ساعتين فقط، كانوا يتناولون طعامهم. كانوا زملاءنا وأصدقاءنا. كنا نلتقيهم ونعمل معهم كل يوم. ما حدث هو من أصعب المشاهد التي رأيتها في حياتي".
© The Independent