ملخص
في كتابه "الضحايا المثاليون"، يطرح الكاتب الفلسطيني محمد الكرد رؤية جديدة للشخصية الفلسطينية المعاصرة، وينطلق من أسئلة مغايرة للأفكار المطروقة والأحكام المسبقة في التعامل مع الفلسطينيين، واختزال الفلسطيني في صورة الضحية، واضطراره أحياناً إلى تقديم نفسه أمام الجمهور الغربي بوصفه إنساناً يستحق التعاطف، وفق شروط محددة سلفاً.
يأتي اختلاف كتاب "الضحايا المثاليون" (دار الآداب، ترجمة سمير سكيني) من تقديمه رؤية جوهرية لمسألة تمثيل الفلسطيني وصورته في الإعلامين الغربي والعربي. وتصدر هذه الرؤية عن كاتب ينحدر من القدس، وتحديداً من حي الشيخ جراح، الذي شهد عمليات إخلاء قسري للفلسطينيين. وقد عاين الكرد عن قرب كيف يراد من الفلسطيني دائماً إعادة تعريف إنسانيته وإثباتها. لذا، يبدو أن أهم ما ينجزه الكاتب في هذا العمل أنه لا يكتفي بالسؤال عن الفلسطيني الذي يقتل، ولا عن الرواية التي تروى حول موته، وإنما يذهب خطوة أبعد ليسأل: ما الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الفلسطيني حتى يصبح موته قابلاً للرثاء؟ وما الذي ينبغي أن نحذفه منه، من غضبه ومقاومته إلى تاريخه ورغباته، حتى يصبح إنساناً في عين الآخر؟
يوضح الكاتب، على امتداد فصول الكتاب، هذه الفكرة بقوله، "لا يتاح للفلسطيني التواصل والسرد إلا بعد و(من خلال) نزع أنيابه. هو سرد هامشي، لكنه على كل حال، سرد: تغدو قصة الفلسطيني ـ بوصفه إنساناً مثلي ومثلك ـ قصة تسعى إلى إعادة موضعته في عالم يجد نفسه فيه بلا سردية، أو للدقة، في عالم لا يكتب فيه الفلسطيني سرديته بيده، بل تسبقه تعريفات الآخرين".
خلل أخلاقي
ثمة مجموعة من الصفات الأخلاقية التي ينبغي للفلسطيني أن يتميز بها كي يندرج ضمن مفهوم الضحية. وتنبني فصول الكتاب على مفارقة ذكية: فإذا كان الخطاب الاستعماري ينزع الإنسانية عن الفلسطيني، فإن بعض الخطابات المتضامنة معه تحاول إعادة أنسنته، لكنها تفعل ذلك أحياناً بالطريقة نفسها، عبر اختزاله في صفات محددة تسعى، بمحاولات مستميتة، إلى تكريسها، مثل البراءة واللاعنف والتهذيب والنجاح والقرب من النموذج الغربي والقدرة على التعبير ضمن قاموس مقبول. وفي حال خروجه عن هذه الصفات، يشكك في كونه ضحية من الأساس.
ينقض الكرد هذه الفكرة من بنيتها الأساسية، ويسعى إلى تقويضها انطلاقاً من رؤية مفادها أن الضحية تظل ضحية، بصرف النظر عن اتصافها بهذه الصفات من عدمه. فالأنسنة لا تعيد إلى الفلسطيني إنسانيته كاملة، وإنما تمنحه مساحة محدودة من الإنسانية المسموح بها. يمكنه أن يحزن ويبكي، وأن يكون أباً أو أما أو صحافياً أو طبيباً، لكن ماذا عن الغضب؟ ماذا عن الكراهية؟ ماذا عن الرغبة في الانتقام؟ ماذا عن المقاومة؟ ماذا عن التناقض؟ وماذا عن الإنسان الذي قد يكون طيباً وسيئاً في الوقت نفسه؟
يكشف الكتاب، من خلال ما يقدمه من أمثلة ونماذج، أن الإعلامين الغربي والعربي يسعيان إلى اختزال الفلسطيني وتقديمه إلى العالم بوجه واحد فحسب، وهذا ليس صواباً ولا عدلاً. والكرد يقول، بصورة أو بأخرى: لماذا ينبغي للفلسطيني أن يكون كذلك؟
ومن الأمثلة التي يقدمها الكتاب نموذج الأب الطبيب الذي أفنى حياته في علاج الضحايا من الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي. نال هذا الرجل شهادته في الطب من جامعة هارفرد، ثم قتل جيش الاحتلال بناته الثلاث حين دخل غزة عام 2009، فوضع كتاباً بعنوان "لن أكره". يستدعي الكرد هذا النموذج الذي يراد لصاحبه أن يبقى طيباً حتى حين تقتل بناته ويصبحن ضحايا للعنف، ثم يسأل: ماذا عن الآخرين، أولئك الذين لا تنطبق عليهم هذه الصورة؟ يقول: "مطالبتنا بالتماهي مع الغرب ليست إلا وليدة التعصب العرقي: إن لم أكن قابلاً للقياس والمقارنة بطباعك، أصير عسيراً على الإدراك، أخفى.
وهذا الإخفاء يجعلني أدنى مرتبة، ثم يحيلني إلى شيء يمكن التخلص منه. أما أولئك المصنفون على أنهم استثنائيون، كما هو الحال مع المكلوم الذي سامح القاتل والمشتوم الذي لم يرد الشتيمة، فإنهم يتلقون وعوداً بواحة سرابية تزيد الظمآن عطشاً".
المجازر والمجاز
يأتي الفصل الخامس، "بين المجازر والمجاز"، ليعبر عن مسألة بالغة الدقة في نقد الخطاب، وهي اللغة. فالكرد لا يتعامل مع اللغة بوصفها وعاءً محايداً للأحداث، بل بوصفها إحدى ساحات الصراع.
فالاستعمار، وفق ما يطرحه "الضحايا المثاليون"، لا يعمل بالسلاح وحده، إذ ثمة أيضاً سلطة المصطلح: ما الذي يسمى إرهاباً؟ وما الذي يسمى مقاومة؟ من هو المدني؟ ومن هو المقاتل؟ ومتى يصبح القتل دفاعاً عن النفس، ومتى يصبح مجزرة؟
لكن الأهم أن الكرد لا يكتفي بتفكيك قاموس الآخر، بل يلتفت إلى قاموسنا نحن. فهو ينتقد ميلنا إلى اختيار شهداء أكثر قابلية للتسويق: الطفل الأشقر، والصحافي، والأستاذ الجامعي، والمرأة المثقفة، وصاحب المهنة المرموقة، وكأننا نحتاج إلى تحسين سيرة الميت لكي نقنع العالم بأنه يستحق الرثاء. هذه الفكرة شديدة القسوة، لكنها ربما تكون الأكثر أهمية في الكتاب كله: فنحن، في محاولتنا الدفاع عن الضحايا، قد نشارك أحياناً في إنشاء تراتبية بينهم. وهنا يتحول الكتاب من اتهام الغرب إلى مساءلة أخلاقية للخطاب العربي نفسه.
الضحية والراوي
يستهل الكتاب بمقدمة للمترجم سمير سكيني، جاءت محملة بعمق فكري، لتقدم أفكار الكتاب ورؤيته الخاصة في آنٍ واحد، مع الإشارة إلى عنايته باختيار مفرداته العربية ودقتها. ومما يقوله في مقدمته:
"هذا العمل الذي بين أيدينا، ضمن مجمل ما أنتج في الفترة الأخيرة، وتحديداً ضمن ما يتعلق بالخطاب، وتحديداً في الغرب، يمكن بسهولة تصنيفه ضمن فئة الأعمال التي تزعزع سقف المسموح، وتعارك قواعد الاشتباك الخطابية المحددة سلفاً، وهي القواعد عينها التي استخدمت، بالمناسبة، هناك لتبرير العنف الممارس هنا. من هذه الزاوية، يكتسب هذا الكتاب أهميته. بشكل مختصر، يعيد الكتاب مساءلة البديهيات. وبتوسيع إضافي، ينزع كومة أفكار من حيز المسلمات والتلقائية، ويدعونا إلى إعادة النظر في عبارات وحجج نطلقها وكأنها عين البداهة.
من حيث المنطق، يبني الكاتب محمد الكرد حججه وفق مبدأ رفع السقف، وتحت عنوان عريض: حتى لو! حتى لو صحت الاتهامات التي تسقط على الفلسطيني لكونه فلسطينياً فحسب، فهذا لا يجيز أياً مما يرتكب تحت هذه الذريعة. حتى لو صدق المحتل ـ وهو لن يصدق ـ فهذا لا يضفي أي شرعية على احتلاله".
أما عناوين الفصول التسعة، فبدت شائقة وصادمة ومعبرة عن مضمون الكتاب وتوجهه، وهي: "لا دماء على يد القناص"، و"سياسات نزع الأنياب، في الأنسنة"، و"جواز سفر شيرين، في اختراع المدني"، و"عن حياة تفنى في قفص الاستجواب، في المشاعر المحرمة"، و"بين المجاز والمجازر، في الألغام الخطابية"، و"كفاحي، في غرفة الأطفال، في البروباغندا"، و"لحظات الصحو الخارقة، في الشهادات"، و"أحقاً جميعنا فلسطينيون؟ في الهوية"، و"بدك ترمي الإسرائيليين بالبحر؟ في السخرية"، إضافة إلى خاتمة بعنوان "الغيث آت".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لعل أهم ما يحققه هذا الكتاب، وما يؤكده الكاتب في الفصول الأخيرة، إلى جانب تقديم رؤية جديدة ورفع سقف التعبير الفكري بما يتوافق مع المرحلة الراهنة، هو ما يحتاج إليه القارئ العربي بشدة: أن نعرف ما يحدث في فلسطين من أهلها، وأن نسمع أصواتهم ونكتشف رؤيتهم، وأن الكاتب، في مطالبته بنقل الفلسطيني من موقع المادة إلى موقع المنتج للمعرفة، ومن موضوع للسرد إلى صاحب سلطة على سرده، يؤكد أن الفلسطيني ليس مضطراً إلى أن يظل مجرد غرض استراتيجي في فيلم أو مقال، بل إن يكون منتجاً للمعرفة وصاحب السرد في صناعة الرواية.
بيد أن كتاب "الضحايا المثاليون"، على رغم انشغاله بسؤال الفلسطيني بوصفه ضحية وبحقه في امتلاك سرديته، ربما كان يحتاج إلى التوقف أمام تجارب روائية فلسطينية مهمة وحديثة، مثل تجربتي عدنية شبلي وباسم خندقجي، ولا سيما تجربة خندقجي، الذي كتب رواية "قناع بلون السماء" وهو داخل السجن. خرجت الرواية من وراء القضبان لتفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2024، فيما ظل صاحبها في سجنه. هنا لا يعود الفلسطيني موضوعاً لسرد الآخرين عنه، وإنما يصبح منتجاً للسرد من قلب المكان الذي أريد له أن يكون فيه مجرد ضحية، وهنا يكمن التحدي، وتختبئ إرادة الحياة. ولعل تجربة كهذه كانت ستمنح أطروحة "الضحايا المثاليون" بعداً أدبياً بالغ الأهمية: كيف يتحول الأسير من موضوع للشفقة إلى ذات تكتب وتتخيل وتنتج معرفة، وتنافس أدبياً، وتنتزع اعترافاً عالمياً بعملها؟
وتبقى الإشارة إلى الملاحظات التي وضعها المؤلف في مستهل الكتاب، بعد مقدمة المترجم، فهي، على رغم عمقها، ذات طابع تفسيري، وتكشف عن وجهة نظر الكاتب في اختياراته وتفضيلاته المتعلقة بأسلوب الكتابة واستخدام الضمائر واللغة. وربما كان من الأمتع أن يترك الكاتب مساحة مفتوحة أمام القارئ للتخمين والتأويل وبناء تصورات عما يريد قوله.
ويذكر أن محمد الكرد كاتب وشاعر فلسطيني من حي الشيخ جراح في القدس الشرقية. كان يدرس للحصول على درجة الماجستير في الولايات المتحدة قبل أن يعود لحيه للمشاركة في الاحتجاجات على عمليات الإخلاء القسري التي طاولت سكان الشيخ جراح، ومن بينهم أفراد من أسرته. برز اسمه من خلال نشاطه وكتاباته حول الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما ما يتصل بعمليات الإخلاء في الشيخ جراح، التي يصفها بأنها شكل من أشكال التطهير العرقي، ويرى الاحتلال، في سياقه الأوسع، مرتبطاً بنظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني. ومنذ سبتمبر (أيلول) 2021، يعمل مراسلاً لمجلة "ذا نيشن"، متابعاً الشؤون الفلسطينية.
وفي عام 2021، اختارت مجلة "تايم" محمد الكرد وشقيقته منى الكرد ضمن قائمتها السنوية لأكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم، تقديراً لدورهما في نقل واقع الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال في القدس إلى الجمهور الدولي، وإسهامهما في لفت الانتباه العالمي إلى القضية الفلسطينية والتأثير في الخطاب المتعلق بها.