Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جغرافيا القلق... ما فعله الحاجز الإسرائيلي بالنفسية الفلسطينية

تحولت البوابات الحديدية في الضفة إلى أدوات قهر يومية تسعى إلى تفتيت الحيز العام وإعادة صياغة الهوية البصرية والمجتمعية وزرع حال من عدم الاستقرار الوجودي

في هذه البقعة من العالم، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات بل بـ"المزاج العسكري" لجندي خلف مكعب أسمنتي (اندبندنت عربية)

ملخص

يرصد التقرير كيف تحولت الحواجز العسكرية وتقييد الحركة في الضفة الغربية من أدوات أمنية إلى عوامل تؤثر في الصحة النفسية والنسيج الاجتماعي، عبر ما يصفه متخصصون بـ"جغرافيا القلق" و"سيكولوجية المكان". ويستعرض في المقابل آليات التكيف والصمود التي يطورها الفلسطينيون، داعياً إلى إدماج الدعم النفسي والمكاني ضمن استراتيجيات التنمية وتعزيز الصمود.

في سياق الدراسات الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، يُنظر إلى المكان باعتباره أكثر من مجرد جغرافيا صماء أو مساحة فيزيائية مجردة، فهو الإطار الديناميكي الذي يشكل الوعي الإنساني، ويوجه السلوك البشري، ويصوغ المحددات النفسية والاجتماعية للأفراد والجماعات. ضمن هذا الفهم تبرز فرعية "سيكولوجية المكان" (Psychology of Space) كأداة تحليلية بالغة الأهمية لتفكيك الواقع المعيش في الأراضي الفلسطينية، وتحديداً في الضفة الغربية.

فالمواطن الفلسطيني هناك يعيش نمطاً استثنائياً من مواجهة التجزئة الجغرافية الممنهجة، حيث لم تعد الحواجز العسكرية، والبوابات الحديدية، وجدار الضم والتوسع، مجرد أدوات سيطرةٍ أمنية وعسكرية مرئية، بل تحولت إلى أدوات "هندسة نفسية" يومية تسعى إلى تفتيت الحيّز العام، وإعادة صياغة الهوية البصرية والمجتمعية، وزرع حال من عدم الاستقرار الوجودي في الوعي الجمعي.

لا يشبه صباح الفلسطيني في الضفة الغربية أي صباح آخر، فقبل أن يرشف قهوته الأولى، وقبل أن يلقي نظرة على حال الطقس، تذهب يده بتلقائية مشوبة بالتوتر نحو شاشة هاتفه الذكي. يتصفح مجموعات "واتساب" أو "فيسبوك" المحلية ليرصد جملة واحدة تحدد مسار يومه ومزاجه: "كيف طريق الكونتينر؟"، "بوابة عناب فاتحة؟"، "حاجز صرّة أزمة؟". في هذه البقعة من العالم، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات بل بـ"المزاج العسكري" لجندي يقف خلف مكعب أسمنتي، فقد تمكنت سياسة تقييد الحركة وتفتيت الجغرافيا بما تحمله من أبعاد نفسية واجتماعية، من رسم تحولات بنيوية على الشخصية الفلسطينية وعلاقتها بالمحيط تحت وطأة "جغرافيا القلق".

ووفقاً لأدبيات علم النفس الإكلينيكي وسيكولوجية البيئة، تُجمع المدارس السيكولوجية على أن استقرار الصحة النفسية للفرد مشروط بامتلاكه الحد الأدنى من "القدرة على التنبؤ وبسط السيطرة على تفاصيل حياته اليومية الروتينية والقدرة على تحديد وقت استيقاظه، ومسار طريقه، ووقت وصوله إلى عمله أو مؤسسته التعليمية، بما يشكل الركيزة الأساسية للأمن النفسي الداخلي".

توتر وجودي

في الضفة الغربية، تُسلب هذه القدرة بصورة ممنهجة وصارمة، إذ إن إخضاع حركة المواطنين اليومية لمتغيرات فجائية وغير خاضعة لأي منطق مدني مثل الإغلاق المباغت للحواجز، ونصب الحواجز الطيارة، واحتجاز المركبات ينتج ما يُعرف علمياً بـ"التوتر الوجودي المزمن" (Chronic Existential Stress). هكذا يظل الجهاز العصبي المركزي للمواطن الفلسطيني في حال استنفار فيزيولوجي دائم، وهي الحال المعروفة بآلية "الكر والفر". فهذا الاستنفار المستمر، الذي لا يجد قنوات تصريف طبيعية، يترجم بمرور الوقت إلى اضطراباتٍ هرمونية، وارتفاع في مستويات الكورتيزول، مما يؤدي مباشرة إلى الإنهاك النفسي التراكمي، وتراجع القدرة على ضبط الانفعالات، ونشوء بيئة نفسية مجتمعية قابلة للانفجار عند أقل المسببات.

 

ورصدت البيانات الكمية والمؤشرات المسحية لمؤسسات أكاديمية ورسمية صحية في فلسطين، كيف يتحول العبء الجغرافي إلى نزف نفسي واجتماعي مستدام. وتعد فئة الشباب والطلبة الجامعيين من أكثر الفئات تأثراً بالتقييد الجغرافي نظراً إلى حاجتهم الحيوية للتنقل بين المحافظات. وأفادت نتائج دراسات مسحية معمقة أجرتها مراكز الأبحاث في جامعتي "النجاح الوطنية" و"القدس"، بأن 74 في المئة من الطلبة الذين يضطرون إلى قطع حاجز عسكري واحد في الأقل يومياً للوصول إلى كلياتهم يسجلون مستوياتٍ حادة من القلق النفسي واضطرابات النوم والتركيز. وأشارت الإحصاءات إلى أن 67 في المئة من مجتمع الطلبة المستهدف عانوا تفويت اختبارات أكاديمية نصفية أو نهائية، أو تأخروا عن مناقشة مشاريع تخرجهم نتيجة الإغلاقات الفجائية للحواجز المحيطة بالمدن الرئيسة (مثل نابلس ورام الله والخليل). إلى جانب ذلك، اضطر نحو 29.5 في المئة من الطلاب المقيمين في أطراف المحافظات أو القرى النائية إلى اتخاذ قراراتٍ مصيرية بتأجيل فصولٍ دراسية كاملة، أو الانسحاب من خططهم الأكاديمية، نتيجة عدم القدرة على تحمل المشقة النفسية والمالية والجسدية المترتبة على عبور الحواجز.

اضطرابات نفسية

أكدت دراسة تحليلية تخصصية أصدرتها وزارة شؤون المرأة الفلسطينية حول الآثار الجندرية للسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، سلطت الضوء على انعكاسات الحصار على الأمن الصحي والنفسي للنساء، أن 55 في المئة من النساء اللواتي يقطنّ في التجمعات الريفية المحاصرة بالجدار وخلف الحواجز العسكرية يواجهن عقبات تحول دون وصولهن المنتظم إلى مراكز الرعاية الطبية التخصصية مثل المستشفيات المركزية في القدس أو مراكز علاج الأورام ورعاية الحمل الخطر في المدن. ولد هذا الانقطاع حالاً من "قلق الرعاية المتوقع"، إذ تعيش المرأة الفلسطينية في تلك الظروف تحت ضغط هلع مستمر من حدوث طارئ صحي يعجز الطاقم الطبي المحلي عن التعامل معه بسبب إغلاق البوابات الحديدية. ووفقاً للتقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، يسجل المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أعلى معدلات انتشار للاضطرابات النفسية في إقليم شرق المتوسط.

وتظهر البيانات أن معدلات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)  والتوتر والهلع تتراوح من 37 إلى 40 في المئة في صفوف البالغين. وهنا يشدد الخبراء على خصوصية الحال الفلسطينية؛ إذ إن الصدمة ليست "في ما بعد"، بل هي "صدمة مستمرة ومتراكمة"، لأن مسببات الصدمة (الحاجز، المداهمة، مشهد السلاح، التهديد بالمصادرة) حدث متكرر ومتجدد في البيئة الفلسطينية المحيطة، مما يعطل آليات الدفاع والتعافي التلقائية لدى الذات البشرية.

آثار بيئية ونفسية

وفقاً لمتخصصين، فإن أبرز تجليات سيكولوجية المكان في الضفة الغربية تتجلى في الاضطرار إلى العيش في مساحات جغرافية "مخنوقة تنظيمياً" بسبب التقسيمات الإدارية والسياسية المنبثقة عن الاتفاقات الانتقالية (مناطق أ، ب، ج)، فالنفوذ العمراني والسكاني الفلسطيني يتركز في أقل من 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية داخل المنطقتين "أ" و "ب"، بينما تقع المساحات السهلية والجبلية المفتوحة في المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ويُمنع البناء فيها. أدى هذا الواقع الجيوسياسي إلى تشويه الهوية البصرية للعمارة الفلسطينية، والانتقال القسري نحو "التكثيف العمراني العمودي الصارم" في مراكز المدن. ومن الناحية النفس- بيئية، يؤكد مراقبون أن غياب الأفق البصري الطبيعي، واختفاء المساحات الخضراء والحدائق العامة، وتعويضها بكتل أسمنتية متلاصقة وشوارع ضيقة ومزدحمة، يؤدي إلى ارتفاع منسوب العدوانية المجتمعية، إذ يسبب الاكتظاظ السكاني والمجالي ضغطاً على الخصوصية الفردية، مما يرفع من معدلات المشاحنات اليومية في الفضاءات العامة كمواقف السيارات والأسواق والمؤسسات، والحرمان البصري من الأفق المفتوح والألوان الطبيعية يسهم في خفض مستويات السيروتونين (هرمون السعادة) ورفع مستويات الكورتيزول، مما يضفي صبغة من الكآبة والرمادية على المزاج العام لساكني المدن الكبرى (رام الله ونابلس والخليل).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير استشاري الطب النفسي جمال فرويز إلى أن المساحات الخضراء تلعب دوراً مهماً في تقليل الشعور بالاختناق الناتج من التكدس السكاني، وبخاصة في المناطق شديدة الازدحام التي تفتقر إلى التوازن النفسي بسبب الضوضاء والزحام المستمر. مشيراً إلى أن الطبيعة تمنح الإنسان فرصة للانفصال الموقت عن مصادر الضغط اليومية، مما يساعد على استعادة التوازن النفسي وتقليل الشعور بالإرهاق الذهني.

وبينت تقارير مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)  أن سيطرة السلطات الإسرائيلية على أكثر من 60 في المئة من الضفة الغربية، تؤثر بصورة سلبية في مساحة المناطق الخضراء والمناطق الزراعية المتاحة للفلسطينيين، وتؤدي إلى فقدان الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي وتآكل التربة والإنتاجية الزراعية.

جزر معزولة

تتجاوز آثار الحواجز العسكرية البُعد الفردي لتضرب عمق البنية المجتمعية الفلسطينية، مسببة ما يمكن تسميته "تفتيت النسيج الاجتماعي التواصلي"، فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، تحولت العلاقات الأسرية وصلات الرحم والمناسبات الاجتماعية التراثية الفلسطينية من سلوكيات بديهية تلقائية إلى عمليات لوجيستية معقدة ومكلفة نفسياً ومادياً. فاضطرار عائلة تقطن في جنوب الضفة الغربية لزيارة أقاربها في شمالها يضع العائلة أمام منظومة من الأخطار المحتملة والانتظار الطويل. وقد دفع هذا الواقع المجتمع الفلسطيني، بوعي أو من دون وعي، نحو "الانكفاء المحلي الذاتي"، فتراجعت وتيرة الزيارات الاجتماعية الفعلية، وحلّت مكانها التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الافتراضي. وعلى رغم أن التكنولوجيا توفر بديلاً، فإنها سيكولوجياً تظل عاجزة عن تعويض "الدعم الاجتماعي الفيزيائي الحقيقي"، مما أدى إلى نمو الشعور بالاغتراب الداخلي، ونشوء جزر مجتمعية معزولة داخل الجغرافيا الواحدة، حيث تبدأ كل محافظةٍ أو قرية بتطوير هويتها المحلية الفرعية على حساب التواصل الجمعي الممتد.

 

على رغم وطأة المنظومة الجيوسياسية الخانقة والأرقام السيكولوجية المقلقة، يظهر المجتمع الفلسطيني قدرة استثنائية على الصمود النفسي، مستخدماً آليات دفاع وتكيف مبتكرة تُصنف في علم النفس السياسي كأشكال من "المقاومة الصامدة" (Resilient Resistance) أو "المقاومة بالمكان". وتمثل حركة "المسارات والتجوال الجبلي" التي نشطت بصورة لافتة في الأعوام الأخيرة في الضفة الغربية استراتيجية نفسية مضادة لتحدي الحصار، فمن خلال الخروج الجماعي إلى الجبال والأودية والينابيع المهددة، يكسر الفلسطيني الحدود الوهمية للحواجز، ويسهم في تفريغ الكبت النفسي والتطهير الانفعالي عبر محاذاة الطبيعة المفتوحة، مستعيداً حقه الوجودي في المكان.

كذا اتجهت العائلات الفلسطينية، في ظل غياب المساحات الحضرية العامة، إلى الاستثمار في جماليات الحيّز الخاص عبر تأهيل الشرفات، وإنشاء الحدائق المنزلية الصغيرة، وتأصيل عمارة الجلسات العائلية، كوسيلةٍ لخلق ملاذاتٍ بصرية بديلة تعوض الاختناق الخارجي. ونجح الفلسطينيون في تحويل طوابير الانتظار القسرية أمام الحواجز العسكرية إلى فضاءاتٍ تضامنية غير رسمية، حيث يتم تبادل الأخبار، وتقاسم الأطعمة والمياه، وتوظيف "الفكاهة السياسية السوداء" كآلية دفاعية جماعية لتخفيف حدة الإهانة، والحفاظ على التماسك النفسي والكرامة الإنسانية في مواجهة جندي التفتيش. ووفقاً لطبيب الإرشاد النفسي والتربوي حسن بشارات، "يمتلك الفلسطينيون، نتيجة الخبرات الطويلة من المواقف والأحداث المتتالية، القدرة والقوة للتحكم بمشاعرهم وتحدي كل الظروف والمتغيرات لإيمانهم بعدالة قضيتهم وإنسانيتهم، وهذا ما يطلق عليه الصلابة النفسية".

استراتيجية وطنية

يجمع متخصصون على أن الاستهداف الذي يتعرض له الإنسان الفلسطيني في الضفة الغربية ليس استهدافاً مادياً واقتصادياً وحسب، بل هو استهداف بنيوي لمنظومته النفسية والإدراكية عبر هندسة المكان وتفتيته، خصوصاً أن "جغرافيا القلق" المصنوعة بأدوات عسكرية تهدف في جوهرها السياسي إلى دفع المواطن نحو اليأس والانكفاء والقبول بالأمر الواقع كخيار وحيد للنجاة. لذلك يرى كثر أنه غدا من الضروري ألا تقتصر خطط التنمية الرسمية والأهلية الفلسطينية على الدعم الاقتصادي الجاف، بل يجب أن تشمل "استراتيجيات الصمود النفسي والمكاني" عبر توسيع المساحات الخضراء، ودعم المبادرات الثقافية والرياضية في المناطق الريفية والأطراف، وتوثيق الانتهاكات النفسية للحواجز بلغة العلم والأرقام كأدواتٍ أساسية لتمكين الذات الفلسطينية. فالمكان، وإن بدا ممزقاً بفعل الجدار والحواجز، تظل حمايته وإعادة صياغته نفسياً وثقافياً ركيزة أساسية لرفض الانكسار وضمان البقاء.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير