Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحديات باكستان في الوساطة بين إيران وأميركا

ليست مجرد نقل رسائل بل عملية معقدة تجمع بين بناء الثقة وإدارة الوقت والإرادة السياسية والمقترحات القابلة للتنفيذ

تعطلت عملية المفاوضات بعد فشل المحادثات في جنيف (ا ف ب)

ملخص

باكستان تستطيع أن تحدث الاختراق وتفتح الباب وتجمع الأطراف على طاولة المفاوضات وتقلل من سوء الفهم، لكنها لا تستطيع أن تحل الخلافات الجوهرية بين الطرفين، التي نشأت عن عقود من العداء وانعدام الثقة وتضارب المصالح الإقليمية.

يقف الشرق الأوسط اليوم مرة أخرى على منعطف الحرب والعقوبات وعدم اليقين، إذ إن خطوة واحدة خاطئة كفيلة بدفع المنطقة في صراع شامل.

المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تتذبذب بين قرب الوصول إلى الاتفاق وقطيعة كاملة تُنذر بعودة الحرب مرة أخرى، فيما تفرض واشنطن عقوبات جديدة على إيران بينما تصر الأخيرة على عدم التنازل، ووسط هذه الأجواء المشحونة تُثار أسئلة حول جدوى الوساطة الباكستانية، وهل فعلاً ستنجح في إنهاء الأزمة وخلاص المنطقة من السقوط في هاوية التصعيد.

الحقيقة أنه لا توجد إجابة بسيطة عن هذا السؤال، فالوساطة ليست مجرد نقل رسائل بين طرفين متنازعين، بل عملية معقدة تجمع بين بناء الثقة وإدارة الوقت والإرادة السياسية والمقترحات القابلة للتنفيذ. وعلى رغم أن إسلام آباد تملك القدرة على تنفيذ هذه العملية المعقدة وفتح الطريق للحوار، لكن القدرة على التوصل إلى اتفاق شامل تقع في نهاية المطاف على عاتق واشنطن وطهران.

تاريخ من الوساطة

باكستان تستطيع أن تحدث الاختراق وتفتح الباب وتجمع الأطراف على طاولة المفاوضات وتقلل من سوء الفهم، لكنها لا تستطيع أن تحل الخلافات الجوهرية بين الطرفين، التي نشأت إثر عقود من العداء وانعدام الثقة وتضارب المصالح الإقليمية.

تاريخياً، شهدت مسيرة باكستان الدبلوماسية دوراً وساطياً بين قوى متنازعة أكثر من مرة. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، ساعدت باكستان في إقامة اتصال سري بين الولايات المتحدة والصين، مما غير مسار السياسة العالمية في الأعوام التالية.

وخلال فترات مختلفة من تاريخ أفغانستان، سعت إسلام آباد إلى فتح قنوات الحوار وتقريب وجهات نظر الأطراف المتحاربة ودفع عملية السلام قدماً، وسعت باكستان في المصالحة بين الدول الصديقة التي تختلف في ما بينها بدلاً من الانحياز لأي طرف، مما يعكس أن باكستان تلعب دوراً أكثر فاعلية وتتبنى دبلوماسية هادئة بأهداف محددة من خلال التواصل المستمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأزمة الراهنة خير مثال على ذلك، إذ لم يقتصر دور باكستان على إصدار البيانات أو تبادل الرسائل، بل عملت باكستان من خلال إجراء اتصالات رفيعة المستوى، وإشراك دول صديقة مثل قطر في المحادثات الفنية على مذكرة التفاهم التي وفرت إطاراً دبلوماسياً عملياً لحل الأزمة.

وبحسب وزارة الخارجية الباكستانية، اضطلعت إسلام آباد بدور رسمي كوسيط لتعزيز تنفيذ التفاهم الذي تُوصل إليه بين إيران والولايات المتحدة. وعلى رغم أن هذه العملية لم تترجم بعد إلى سلام دائم، فإنها بادرة أمل للحل السلمي المرضي للطرفين.

وتكمن نقاط قوة باكستان في موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدبلوماسية المتنوعة، إذ تشارك الحدود مع إيران وتتمتع بعلاقات دفاعية وسياسية متينة مع السعودية وتركيا، كما أن الصين تعد شريكاً استراتيجياً، إلى جانب قنوات التواصل المفتوحة دائماً مع الولايات المتحدة.

وتعد باكستان من الدول القليلة القادرة على التواصل مع طهران والرياض وأنقرة وبكين وواشنطن في آنٍ. هذا التنوع في العلاقات يمكنها من تقارب وجهات النظر المختلفة، لكنها في الوقت نفسه تمثل تحدياً أحياناً، إذ يسعى كل طرف إلى ضمان توافق حياد باكستان مع مصالحه.

قضايا معقدة

الخلاف بين إيران والولايات المتحدة لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يشمل قضايا أخرى كرفع العقوبات واستراتيجية إيران الإقليمية وأمن إسرائيل والوجود العسكري الأميركي في الخليج والملاحة في مضيق هرمز، واسترداد الأصول الإيرانية وضمانات الأمن المستقبلية، وهذا ما يجعل الوصول إلى اتفاق عملية معقدة.

تسعى طهران إلى اتفاق يحميها من العقوبات الاقتصادية والهجمات الانتقامية، بينما تطالب واشنطن بعقوبات قابلة للتحقق وقيود على الأنشطة الإيرانية داخل المنطقة. ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مسار المفاوضات بأنه أفضل سبيل للخروج من المأزق الحالي، إلا أن الفجوة بين مطالب الطرفين لا تزال واسعة.

ينبغي على باكستان في ظل هذه التحديات التركيز على الدبلوماسية التدرجية بدلاً من محاولة إحلال السلام الشامل الفوري. يجب أن يكون الهدف الأول منع عودة الحرب، يعقبه فتح قنوات التواصل المباشرة وغير المباشرة، ثم تأتي مرحلة بناء توافق محدود في شأن القضايا الإنسانية والاقتصادية. وأخيراً، إنشاء آلية تفاوض طويلة الأمد لحل الخلافات الحساسة.

النزاعات الكبرى عادة لا تُحل باتفاق واحد، بل تُسهم الخطوات الصغيرة القابلة للتحقق في بناء الثقة السياسية تدريجاً، ومن ثم يسهل على الجانبين التنازل عن بعض الأمور والوصول إلى حل وسط. في هذا السياق يمكن أن تشكل قضايا مثل الملاحة الآمنة في مضيق هرمز وتجنب الهجمات على المنشآت المدنية وتبادل الأسرى والمساعدات الإنسانية، وسيلة لبناء الثقة مبدئياً بين إيران والولايات المتحدة.

الحفاظ على الحياد

من جانب آخر، يجب على إسلام آباد أن تدرك أن مكانة الوسيط لا تقوم فقط على وجود العلاقات مع الطرفين، بل على تصور الحياد. فإذا بدت باكستان وكأنها تتحدث باسم مطالب أحد الأطراف فإن ثقة الطرف الآخر ستتضاءل بالعملية.

على سبيل المثال، أدى اتفاق الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وتركيا في مكة المكرمة إلى خلق واقع إقليمي جديد، كما أنه يعزز الأهمية الاستراتيجية لباكستان، لكنه قد يثير مخاوف محتملة من إيران. ويتعين على إسلام آباد أن توضح أن علاقاتها الدفاعية لا تقوم على العداء لأية دولة مجاورة، وأن وساطتها لا تهدف إلى التأثير في أي طرف بل إلى تقليل احتمالات نشوب صراع.

 

الحفاظ على الحياد ليس سهلاً، وبخاصة مع قوة كبيرة مثل الولايات المتحدة ودولة جارة مثل إيران، إذ تتوقع واشنطن أن تمارس إسلام آباد ضغوطاً على طهران، بينما ستنظر إيران إلى باكستان كجارة ستخفف من حدة المطالب الأميركية والخليجية. ولن تكون الوساطة ذات صدقية إلا إذا تعاملت باكستان بشفافية تامة مع الجانبين حيال الأخطاء التي يرتكبونها والأمور التي يجب القيام بها.

يجب إقناع إيران بالالتزام بالشفافية النووية والالتزام بضبط النفس مع الدول الإقليمية والحفاظ على أمن الملاحة البحرية. من جانب آخر، يجب أيضاً إقناع الولايات المتحدة بأن العقوبات المفتوحة والضغوط العسكرية والتهديدات بتغيير النظام لا يمكن أن تشكل أساساً لتسوية دائمة.

التوافق بين القيادة المدنية والعسكرية داخل باكستان حيال عملية المفاوضات تساعد إسلام آباد في تحقيق أهدافها الدبلوماسية، لكن الاتصالات الخارجية يجب أن تكون دائماً ضمن إطار دبلوماسي مؤسسي ومدني. وعلى رغم أهمية تواصل القيادة العسكرية مع الأطراف الخارجية في مسائل الأمن الإقليمي، فإنه لا يمكن أن تدور عملية مفاوضات جادة ومستدامة إلا من خلال وزارة الخارجية والدبلوماسيين الخبراء والمخططين الاقتصاديين والخبراء الإقليميين.

وبصرف النظر عن منصب الشخصيات المشاركة في عملية الوساطة، فإن التواصل المبني على العلاقات الشخصية لا يدوم إلا إذا تحول إلى علاقة مؤسساتية رسمية وضمانات مكتوبة ومن خلال المتابعة المستمرة.

إشراك الدول الصديقة

إضافة إلى ذلك، ينبغي لباكستان بناء آلية دبلوماسية مشتركة مع دول مثل قطر وعمان وتركيا والسعودية وسويسرا، إذ لا يمكن لأية دولة بمفردها حل جميع المشكلات، لكن توظيف النفوذ الذي تمتلكه هذه الدول من خلال عملية منسقة قد يوصل إلى النتيجة المطلوبة، وقد لا يكمن نجاح باكستان في أن تصبح وسيطاً منفرداً، بل في تنظيم تحالف دبلوماسي ذي صدقية.

على سبيل المثال، تمتلك قطر خبرة في التعامل مع كل من الولايات المتحدة وإيران، ولدى عمان تاريخ في الدبلوماسية الهادئة، كما أن تركيا ترغب في لعب دور فاعل في الأمن الإقليمي.

ويعد الجانب الاقتصادي لهذه الأزمة بالغ الأهمية بالنسبة إلى باكستان، فإغلاق مضيق هرمز يؤثر بصورة مباشرة في أسعار النفط وكلف الاستيراد وأسعار الكهرباء واحتياطات النقد الأجنبي، بل إن باكستان تعتمد أساساً على الإمدادات الخارجية لتلبية حاجاتها من الطاقة، لذا فإن استمرار الحرب في المنطقة سيؤثر في استقرارها الاقتصادي.

وسعت المؤسسات الباكستانية خلال الأشهر الأخير إلى إيجاد مصادر بديلة للنفط بسبب اضطرابات خطوط الإمداد في الخليج، مما يشير بوضوح إلى تفاقم الأزمة في الداخل. لذا، فإن الوساطة ليست مجرد مسألة تتعلق بالهيبة الدبلوماسية لباكستان، بل هي أيضاً ضرورة باكستانية لتحقيق الأمن الاقتصادي.

ولا يمكن فصل الرغبة في صنع السلام الخارجي عن نقاط الضعف الداخلية، فالوسيط الفعال يحتاج إلى استقرار سياسي وثقة اقتصادية ورؤية واضحة لسياساته. وإذا استمرت التوترات السياسية والإرهاب وعدم الاستقرار الاقتصادي داخل باكستان، فقد تتضاءل قوته الدبلوماسية.

والاستقرار الداخلي هو ما يحول الأهمية الجغرافية إلى نفوذ إقليمي، لذا يجب على باكستان إلى جانب جهودها في الوساطة أن تثبت قدرتها على مراقبة الاتفاق وضمانه وتقديم الدعم الدبلوماسي له على المدى الطويل.

لا ضجيج بل نتائج

تمثل توقعات الإطراء الدبلوماسي المبالغ فيها أبرز أخطار الوساطة، فالحقيقة أنه في حال نجاح المفاوضات سينسب الطرفان النجاح لنفسيهما، أما في حال الفشل فسيتهم الوسيط بالتحيز أو الضعف أو سوء التقدير. لذا ينبغي على باكستان التركيز على النتائج بدلاً من الضجيج الدبلوماسي، فالإعلانات المتسرعة والمبالغات والتصورات الخاطئة عن تحقيق مكاسب سريعة قد تلحق الضرر بالمفاوضات. وتكمن القوة الحقيقية للدبلوماسية الهادئة في أنها تمكن الأطراف من إظهار مرونة في مواقفها من دون ضغوط سياسية داخلية.

تعود باكستان بعد زيارة قائد الجيش الباكستاني لإيران إلى المشهد الدولي، وإلى دورها كوسيط في هذه الأزمة، لكن هناك فارقاً كبيراً بين إحراز التقدم على أرض الواقع وبين تصدر المنصات الإعلامية، فالوسيط الفعال ليس من يصف كل اجتماع بالنجاح التاريخي، بل من يُحافظ على التواصل على رغم الخلافات، ويقنع الأقوياء بضبط النفس والضعفاء بالواقعية، ويحول السلام إلى ترتيب سياسي مقبول لا مجرد غياب موقت للحرب.

إذا تبنت إسلام آباد الحياد والاستمرارية المؤسسية والتركيز على الأهداف المحدودة والقابلة للتحقيق والدبلوماسية الإقليمية المشتركة، فبإمكانها أن تحدث اختراقاً حقيقياً في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، ولن يكمن نجاحها الحقيقي في توقيع الاتفاق، بل في منع حرب كانت ستكلف المنطقة بأسرها.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير