Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجغرافيا تمنح باكستان الفرص والاقتصاد يهدرها

أمضت عقوداً في جعل نفسها ذات أهمية استراتيجية لكنها لم تحاول أن تترجم هذه الأهمية في بناء قدرات اقتصادية على المستوى العالمي

مشروع مترو ضمن الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني، مدينة لاهور الشرقية، 25 أكتوبر 2020 (أ ف ب)

ملخص

شاركت إسلام آباد في 25 برنامجاً تمويلياً منذ انضمامها إلى صندوق النقد عام 1950، ووفر كل برنامج منها بعض الراحة الاقتصادية، لكن قليلاً فقط أحدث تغييراً جذرياً في البنية الأساسية للاقتصاد.

لم تفتقر باكستان قط إلى الأهمية الجيوسياسية، بل إلى عوامل أخرى منعتها من استغلال تلك الميزة. إسلام آباد اليوم محور النقاشات العالمية، ومحط أنظار الصحافة والقيادة حول العالم، وهي تمتلك مفتاح الصراع الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، وتجمع بين القوى المتصارعة والأقطاب المتباعدة، وربما يحسب المراقب أن الدولة التي تعاني أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متكررة وجدت أخيراً الفرصة السانحة لكي تنهض من عواقب التخلف وتلحق بالعالم الأول، لكن المفاجأة أن باكستان ليست غريبة على هذا المنعطف، بل اكتسبت أكثر من مرة أهمية تفوق حجمها السياسي، لكنها للأسف باعت أهميتها الجيوسياسية دائماً بثمن بخس ومكاسب لحظية.

تقترب باكستان مجدداً من مرحلة مألوفة، إذ يدنو موعد إجراء المراجعة المقبلة لبرنامج صندوق النقد الدولي. وشاركت إسلام آباد في 25 برنامجاً تمويلياً منذ انضمامها إلى الصندوق عام 1950، ووفر كل برنامج منها بعض الراحة الاقتصادية، لكن قليلاً فقط أحدث تغييراً جذرياً في البنية الأساسية للاقتصاد.

هذا الفارق يعكس المشكلة الأعمق في الواقع، وهي أن إسلام آباد حولت أهميتها الاستراتيجية والمساعدات الخارجية مراراً إلى إغاثة موقتة، لكنها نادراً ما وظفت هذه العوامل في تحقيق تحول اقتصادي.

استحواذ الأقلية

تعود قصة القرارات القصيرة النظر لستينيات القرن الماضي، تحديداً خلال فترة حكم الجنرال أيوب خان، حين نما الاقتصاد بمعدل يزيد على خمسة في المئة سنوياً، واعتبر البنك الدولي باكستان واحدة من أكثر الدول الواعدة في العالم النامي.

هذا النمو كان حقيقياً، لكن أساسه الصناعي لم يكُن شمولياً وأدى إلى تركيز الثروة في دائرة ضيقة تشتمل على أصحاب المصانع والأثرياء الذين كانوا يحصلون على تراخيص الاستيراد والائتمان المدعوم والأسواق الآمنة بفضل علاقاتهم الشخصية مع أصحاب القرار وليس بناء على مؤهلات أو منتجات فريدة، مما يعني أن الاقتصاد كان مبنياً على العلاقات لا على منافسة الشركات.

أحد أبرز مهندسي هذه الاستراتيجية، محبوب الحق أصبح في ما بعد أشد منتقديها. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1968، صرّح إلى جمعية الاقتصاد الباكستانية بنتائج هذه الاستراتيجية بعد عقد من نفاذها، امتلكت 22 عائلة ثلثي الأصول الصناعية في باكستان و80 في المئة من رأس مال البنوك و70 في المئة من قطاع التأمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الأعداد لا تعكس عدم المساواة المعروف وحسب، بل تحكي قصة التخطيط الاقتصادي الفاسد القائم على تركيز الاستثمار في الصناعات الواسعة النطاق، والمبني على افتراض أن عدم المساواة هو مجرد مرحلة في رحلة تحقيق المساواة.

كتب محبوب الحق أن السلطة الاقتصادية والسياسية اقتصرت في أيدي "أقلية صغيرة"، وأنه ما لم يجرِ تغيير الأسس الجوهرية للنظام فإنه سيتأرجح لمصلحة فئة صغيرة من المجتمع.

وفي موقف يعكس تناقضه تجاه الاستثمار في القطاعات الاجتماعية، أكد أن مشاريع الإسكان والصحة والرعاية الاجتماعية يمكن تبريرها على أسس اجتماعية، لكن الفوائد الاقتصادية للاستثمار في رأس المال البشري نادراً ما كانت تناقش بطريقة قوية بما يكفي لموازنة عوائد المشاريع المادية.

وأثبتت هذه الأولوية أنها مكلفة، إذ بنت باكستان رأس المال المادي ولكنها أهملت رأس المال البشري اللازم لجعل هذه الأصول منتجة. وظل الإنفاق على التعليم أقل من اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ولم ترتفع معدلات التعليم إلا قليلاً طوال العقد. وفي المقابل، لم تنظر كوريا الجنوبية وتايوان إلى التعليم والمهارات التقنية على أنهما منافع اجتماعية، بل على أنهما أدوات للتحول الصناعي.

ولم يقتصر الفرق على سرعة نمو شرق آسيا وحسب، بل تمثل في أن شرق آسيا استغلت النمو لتحويل اقتصادها، بينما استغلت باكستان النمو لتعزيز اقتصادها القديم المبني على أحقية فئة صغيرة.

حلول سريعة

سهلت المساعدات الخارجية التجاهل بين رأس المال وتوزيعه العادل، إذ أسهمت المساعدات الأميركية في تمويل الواردات والبنية التحتية وقطاع الاستهلاك، فيما خففت في الوقت نفسه الضغط لفرض ضرائب على الزراعة وإصلاح نظام حيازة الأراضي وزيادة القدرة المالية. وأتاحت المساعدات تأجيل الأزمات، لكنها لم تفرض بطبيعة الحال الإصلاحات التي تؤدي إلى النمو المستدام.

لكن الاستراتيجية الفاسدة تكررت خلال حكم ضياء الحق، إذ أدى دور باكستان في جهود الولايات المتحدة والسعودية ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان إلى توليد مصدر دخل جيوسياسي رئيس آخر، وزادت المساعدات وتدفقت النفقات المتعلقة بالحرب إلى البلاد، وزادت التحويلات المالية في الوقت نفسه من فرص العمل في دول الخليج.

وحظيت باكستان بفائدة غير متوقعة، لكنها فشلت مرة أخرى في استغلالها وبناء اقتصاد مستدام لا يعتمد على المساعدات، وعندما تراجعت هذه المكاسب خلال التسعينيات عادت نقاط الضعف الأساسية للظهور، انخفاض معدلات الادخار المحلي وضعف الصادرات ونظام ضريبي مقيد وقطاع صناعي محصن ضد ضغوط المنافسة التي كان من شأنها أن تجبره على أن يصبح منتجاً عالمياً.

ثم جاء الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني عام 2015، وهو المشروع الذي وصف بأنه ثوري والذي وفر الطرق ومحطات توليد الطاقة والموانئ وبنية الاتصالات التي كانت البلاد في أمس الحاجة إليها، لكن البنية التحتية بحد ذاتها ليست التغيير بل هي وسيلته.

أما المرحلة الثانية من المشروع التي كانت من المفترض أن تلي البنية التحتية والمتمثلة في صناعة تنافسية والاندماج في سلاسل التوريد العالمية وتحقيق نمو مستدام في الصادرات، فلم تتحقق بعد على نطاق واسع، مما يعني أن باكستان اكتسبت رأس المال المادي، لكنها لم تنشئ بيئة إنتاجية قادرة على استغلاله بفاعلية. وكما هو متوقع، جاءت بعد ذلك فترة الكساد وغياب المكاسب الجيوسياسية.

وتظهر بيانات الفترة ما بين عام 2018 وعام 2022 ما يحدث عند انخفاض الدخل الجيوسياسي، إذ واجهت حكومة عمران خان آنذاك عجزاً قياسياً في الحساب الجاري، فلجأت أولاً إلى مساعدات دول الخليج، ثم إلى برنامج آخر لصندوق النقد الدولي، لكن جائحة "كوفيد-19" أوقفت هذه العملية.

وبحلول عام 2022، عادت الضغوط على الحساب الجاري والمالية العامة تزامناً مع مجيء حكومة جديدة وغياب الاستقرار السياسي.

ويتماشى هذا النموذج الآن مع برنامج صندوق النقد الدولي الحالي، إذ إن الاستقرار حقيقي، فأُعيد بناء احتياطات النقد الأجنبي وتحسنت ثقة المستثمرين، لكن وتيرة النمو لا تزال محدودة وتغيرت البيئة الخارجية. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 3.6 في المئة، في حين أن ارتفاع أسعار السلع العالمية نتيجة حرب الشرق الأوسط دفع التضخم إلى الارتفاع مجدداً بعد عامين من الانخفاض.

ويركز برنامج الاقتراض على توسيع نطاق الضرائب وتعزيز القدرة التنافسية وزيادة الإنتاجية والاستثمار في رأس المال البشري، وهي إصلاحات أدت جولات النمو والكساد السابقة إلى تأجيلها مراراً وتكراراً.

باكستان تعتمد في كسب العملة الصعبة على الأهمية الجيوسياسية والتحويلات المالية من العمال الباكستانيين في الخارج، والمشكلة أن الإيرادات الجيوسياسية غير مؤكدة، والتحويلات المالية ضرورية، ولكنها تحويلات دخل وليست بديلاً عن الصادرات التنافسية، مما يعني أن البلاد تواجه مشكلة أعمق بكثير من مجرد أزمة أخرى في ميزان المدفوعات. فتكرار الاستراتيجية الفاسدة نفسها في كل مرة والاستغلال الآني للحوادث العالمية بدلاً من استغلالها في إصلاحات طويلة المدى، أديا إلى تكرار المشكلات والدوران في دوائر مغلقة، فكل دورة تزيل عقبة آنية ولكنها تجعل الاقتصاد أقل قدرة على المنافسة وأقل إنتاجية وأكثر اعتماداً على مصادر المساعدة الخارجية. ويستطيع صندوق النقد الدولي تقديم الدعم المالي، لكنه لا يستطيع خلق الوحدة السياسية اللازمة لإحداث تغيير دائم.

عادت باكستان اليوم لتكتسب أهمية جيوسياسية مرة أخرى. والسؤال هو كيف ستستغل إسلام آباد الأهمية هذه المرة؟

تستطيع باكستان تحويل هذه الفرصة إلى مصدر دخل موقت آخر، استثمارات أجنبية واحتياطات وعقود وتحويلات مالية ومزيد من الراحة، أو بإمكانها أخيراً أن تفعل ما تجنبته خلال العصور السابقة، بناء رأس المال البشري وتوسيع قاعدة الضرائب وإتاحة الفرصة للشركات للمنافسة ومكافأة الصادرات بدلاً من العلاقات والاستثمار في القدرات التي تجعل الاقتصاد منتجاً.

أمضت باكستان عقوداً في جعل نفسها ذات أهمية استراتيجية، لكنها لم تحاول أن تترجم هذه الأهمية في بناء قدرات اقتصادية على المستوى العالمي. هذا هو التغيير الذي لم يتحقق أبداً. فهل سيحدث هذه المرة أم أن الدائرة المغلقة ستدور بالشعب الباكستاني إلى فترة كساد أخرى؟

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير