Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تقارب أميركا وباكستان: مصالح آنية أم بداية جديدة؟

إسلام آباد مطالبة باغتنام هذه الفرصة بجانب الحفاظ على علاقة محورية مع بكين

رشحت باكستان الرئيس ترمب لنيل جائزة نوبل للسلام (أ ف ب)

ملخص

شهدت العلاقات الباكستانية - الأميركية ركوداً بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في ظل إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها على الجبهة الخارجية وعدم اكتراثها كثيراً بالملف الباكستاني، فيما أخذت الهند اهتماماً كبيراً من البيت الأبيض في سياق مواجهة النفوذ الصيني داخل النصف الشرقي من الكرة الأرضية.

مرت العلاقات الباكستانية - الأميركية تاريخياً بمراحل من التقارب والتباعد المستمر بين الحين والآخر ولم تتمكن من قيام علاقة متينة وواسعة النطاق، كذلك اتسمت العلاقات الثنائية بين البلدين بطابع تبادلي، إذ تقاربت فقط عندما توافقت مصالحهما كما حصل في خمسينيات وثمانينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي.

آنذاك انخرطت الولايات المتحدة في أمور محددة مثل ملف الأمن أو قضية الهند أو أفغانستان، فيما استفادت إسلام آباد اقتصادياً ودبلوماسياً من التقارب الأميركي، وظل التواصل على المستوى الشعبي قائماً بين الجانبين إلا أنها تأثرت أحياناً بتذبذب العلاقات الرسمية.

وشهدت العلاقات الباكستانية - الأميركية ركوداً بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في ظل إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها على الجبهة الخارجية وعدم اكتراثها كثيراً بالملف الباكستاني، فيما أخذت الهند اهتماماً كبيراً من البيت الأبيض في سياق مواجهة النفوذ الصيني داخل النصف الشرقي من الكرة الأرضية.

بدأ الجليد يذوب بين البلدين خلال عام 2025، ومن أجل فهم هذا التغير في السلوك الأميركي تجاه باكستان، والعوامل التي أدت إلى هذا التكوين الجديد للعلاقات وآفاق استدامتها، سيكون من المهم النظر في كيفية تكيف الولايات المتحدة مع عالم متغير.

برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم مطلع القرن الحالي فيما كانت لم تكن بعد في وضع يسمح لها بتحدي الهيمنة الأميركية. لكن رأينا في غضون سنوات قليلة ظهور مراكز قوة عالمية أخرى بينما انخرطت الولايات المتحدة في حروب طويلة وبعيدة أثرت سلباً على نفوذها العالمي.

ومع انحسار القوة الأميركية، تغيرت قواعد التعامل بين الدول، إذ بدأت الولايات المتحدة والعديد من القوى الصاعدة أخيراً باستخدام القوة ضد خصومها بشكل أحادي وأحياناً في انتهاك للقانون الدولي. وهكذا، بدأ النظام العالمي القائم على احترام سيادة الدول في الانهيار.

السياق العالمي

أصبح عالم اليوم أكثر عسكرة وحمائية في التجارة، وتراجعت مكانة المؤسسات متعددة الأطراف كالأمم المتحدة وسيطر التطرف القومي على العديد من المجتمعات، بينما يقوم القادة الشعبويون بنشر الكراهية على أساس العرق أو اللغة أو اللون أو المعتقد. وعلى الصعيد العالمي، عادت الصراعات بين الدول في عدة جبهات شاركت الولايات المتحدة في معظمها.

بدأت إدارة دونالد ترمب ولايتها الثانية في هذا العالم المضطرب والمعقد. الإدارة الجديدة ترى الوضع العالمي والأزمات الداخلية بمنظور فريد، إذ يعتقد الرئيس الجمهوري أن العولمة أضرت بالمصالح الأميركية، بينما انخرط في حروب تجارية ونصح الأوروبيين بزيادة إنفاقهم على الدفاع وجعل نصف الكرة الغربي على رأس أولويات بلاده. وعلى الصعيد المحلي، يعارض ترمب الهجرة غير الشرعية ويسعى إلى إنعاش قطاعي البنية التحتية والتصنيع في البلاد.

 

وانعكست هذه السياسات على العلاقات الخارجية للولايات المتحدة ولا سيما علاقتها بدول جنوب آسيا، إذ تراجعت العلاقات الأميركية - الهندية بشكل حاد لعدة أسباب، منها تردد الهند في الاعتراف بدور الولايات المتحدة في التوسط لوقف إطلاق النار بين الهند وباكستان خلال 10 مايو (أيار) 2025، واستمرار نيودلهي في التعامل الاقتصادي مع بكين على رغم ادعائها أنها شريك للولايات المتحدة لموازنة النفوذ الصيني، وبرزت تساؤلات حول أهلية الهند بالقيام بهذا الدور أو حتى بكونها المزود الأمني الوحيد في المنطقة.

فصل جديد بين واشنطن وإسلام آباد

شهدت العلاقات الأميركية - الباكستانية بداية جديدة منذ مطلع عام 2025، إذ خصصت إدارة ترمب تمويلاً لبرنامج طائرات "أف – 16" الأميركية لباكستان، وفي الشهر التالي، شكر الرئيس ترمب باكستان في خطابه أمام الكونغرس الأميركي تقديراً لنجاحها في اعتقال العقل المدبر لتفجير كابول عشية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.

وبعد وقت قصير، توسطت الولايات المتحدة في وقف إطلاق النار وخفض حدة التوترات العسكرية بين الهند وباكستان، وهو دور أقرت به إسلام آباد بينما أنكرته نيودلهي. من جانب آخر، وصف قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كوريلا باكستان أمام الكونغرس بأنها "شريك عظيم في الحرب العالمية ضد الإرهاب".

ولم تمض أشهر كثيرة حتى دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائد الجيش الباكستاني على مأدبة غداء في البيت الأبيض. تلا ذلك تصنيف الولايات المتحدة جيش تحرير بلوشستان (الفصيل الانفصالي المسلح الذي يحارب السلطات الباكستانية في إقليم بلوشستان) منظمة إرهابية، واختتم العام بتخصيص 686 مليون دولار إضافية لصيانة طائرات "أف - 16."

في المقابل، رشحت باكستان الرئيس ترمب لجائزة نوبل للسلام لدوره في إرساء وقف إطلاق النار في جنوب آسيا. واستمرت هذه العلاقة الودية حتى العام الحالي، إذ حافظت باكستان على تواصل وثيق مع الولايات المتحدة وإيران للتوسط من أجل سلام دائم في المنطقة.

ويحافظ البلدان في إطار رؤية استراتيجية على تعاون عسكري واستخباراتي قوي ويسعيان إلى توسيع العلاقات والتعاون الاقتصادي والتجاري في مجالات مثل الطاقة والزراعة والتقنيات الجديدة والحصول على المعادن الرئيسة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما إذا كان هذا التحسن في العلاقات مثل أمثاله السابقة من جولات تقارب قصيرة ركزت على مواضيع محددة وتمحورت حول مصالح معينة، أم أنه في الواقع بداية جديدة لعلاقة طويلة الأمد. الأرجح أن هذه الجولة لا تختلف عن سوابقها، لكن مع ذلك ثمة محاولة لترسيخ هذا التوجه في النظام الأميركي. ومن التطورات الإيجابية أن أجندة العلاقات الثنائية لا تقتصر على القضايا الأمنية فحسب، بل تشمل أيضاً عدة مجالات أخرى محتملة للتعاون المتبادل.

من ناحية أخرى، لن يؤثر التقارب الأميركي - الباكستاني على علاقات إسلام آباد مع بقية العالم، فواشنطن على دراية تامة بطبيعة ونطاق علاقاتها مع بكين، بينما لا تعترض الصين أيضاً على علاقات باكستان الودية مع الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، التحالفات العالمية دائمة التغير ولكل دولة مجالاً واسعاً للتعاون مع القوى الأخرى انطلاقاً من مصالحها الوطنية.

وفي الوقت نفسه، تشعر الهند بالقلق إزاء تحسن علاقات باكستان مع الولايات المتحدة وفشلها في عزل باكستان دبلوماسياً. أما بالنسبة لأفغانستان، فلم تبد الولايات المتحدة حتى الآن أي مؤشرات على إعادة إحياء اهتمامها بها، على رغم أن العديد من المنظمات الإرهابية اتخذت من أفغانستان مركزاً لها مرة أخرى. من جانب آخر، تدرك الولايات المتحدة تأثير الثقافة واللغة الفارسية على باكستان وتستخدم ذلك كورقة ضغط إيجابية لإحلال السلام مع إيران.

كيف تستطيع إسلام آباد استغلال التقارب؟

الاستغلال الجيد للبداية الجديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة لإقامة شراكة منظمة ومنتظمة يعتمد على باكستان. هناك ثمانية مجالات واعدة لتعزيز التعاون الثنائي:

أولاً، حصة أكبر للمنتجات الباكستانية في السوق الأميركية. ثانياً، يتمتع رواد الأعمال من الشباب الباكستانيين العاملين في مجال التقنية والشركات الناشئة ومجال تطوير البرمجيات والتوجه الرقمي المتنامي والتجارة الإلكترونية بآفاق واعدة في سياق العلاقات الباكستانية - الأميركية. وتحتاج إسلام آباد من أجل استغلال هذه القدرات إلى معالجة العقبات الهيكلية ومشكلات البنية التحتية في السوق الباكستانية.

الأمر الثالث يتعلق بتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في إمكانات النفط الصخري وقطاع المعادن في باكستان - بخاصة الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة والنحاس - هذه المعادن مهمة في صناعة أشباه الموصلات وتكنولوجيا الدفاع والروبوتات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رابعاً، تعزيز التعاون المتبادل في مجالات الدفاع والأمن ومكافحة الإرهاب، والتي تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وإدارة الحدود والتدريبات المشتركة وبرامج التدريب.

والتعاون في قطاع العملات المشفرة تحت رعاية "مجلس العملات المشفرة الباكستاني" مهم أيضاً، إذ إن هذا المجلس هو هيئة تنظيمية تهدف إلى تعزيز تقنية البلوك تشين والأصول الرقمية في باكستان.

ويأتي بعد ذلك القطاع الزراعي الذي يعد إرثاً إيجابياً للتعاون الباكستاني - الأميركي منذ خمسينيات القرن الماضي. ويمكن للولايات المتحدة تقديم المساعدة في مجالات مثل الوصول إلى التكنولوجيا وبناء قدرات المزارعين والاستخدام الأمثل للأسمدة والمياه وتحسين الوصول إلى الأسواق.

سابعاً، استمرار التعاون في مجالي التعليم والصحة العامة. وأخيراً، الترابط الشعبي، إذ يلعب المجتمع الباكستاني في الولايات المتحدة دوراً محورياً في الربط بين البلدين.

تنظر الولايات المتحدة اليوم إلى باكستان كقوة قادرة وواثقة قادرة على المساهمة في السلام والاستقرار والتنمية الإقليمية، لكن وبالنظر إلى الوضع الجيوسياسي للمنطقة، قد لا تدوم فرصة الاستفادة من هذا التقارب لفترة طويلة، لذا ينبغي على إسلام آباد اغتنام هذه الفرصة مع الحفاظ على علاقة باكستان المحورية مع الصين.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير