Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مليارات روسيا المجمدة تحرج أوروبا ولا تنقذ أوكرانيا

4 دول في الاتحاد الأوروبي تدعو إلى التفكير مجدداً باستخدام أموال موسكو لدعم كييف

الاتحاد الأوروبي يدعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي المستمر على أراضيها منذ 2022 (غيتي)

ملخص

تحتفظ دول الاتحاد الأوروبي بنحو 210 مليارات يورو من أصول المصرف المركزي الروسي المجمدة منذ فبراير (شباط) 2022، معظمها في مؤسسة المقاصة "يوروكلير" ببروكسل، غير أن التكتل لا يستفيد من هذه الأموال في دعم كييف. ومع إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أخيرا عن فجوة مقدارها 27 مليار دولار في موازنة وزارة الدفاع، عاد ملف الأصول إلى الواجهة من دون أن تتبدل العقبات التي أطاحت به سابقا.

حثت دول في الاتحاد الأوروبي على إعادة النظر في خطة متعثرة لاستخدام الأصول الروسية المجمدة في دعم أوكرانيا، وقال وزراء خارجية إسبانيا وبولندا وهولندا والسويد، في خطاب موجه إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إن الوقت حان لإعادة النظر في المقترح.

في اجتماع لقادة "تحالف الراغبين" استضافته كييف في مناسبة الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا خلال أغسطس (آب) الجاري، قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن وزارة الدفاع تواجه فجوة تمويلية مقدارها 27 مليار دولار، أي زهاء 23.1 مليار يورو، يتعين سدها للحفاظ على المجهود الحربي، موضحاً أن المبلغ مطلوب للرواتب والدعم الاجتماعي وشراء الأسلحة، ومنه قرابة 6 مليارات يورو دفعات سابقة لتسليمات مقررة مطلع 2027.

زيلينسكي طرح حلاً أولياً يقوم على تقديم جزء من شريحة 2027 من القرض الأوروبي، ثم انتقل إلى ما هو أبعد، فدعا إلى استخدام أصول المصرف المركزي الروسي المجمدة، قائلاً إنه "أينما وجدت هذه الأصول، علينا أن نجد طريقة عادلة لاستخدامها في الحماية من حرب روسيا"، وبهذا استحضر عقدة لطالما أحرجت الأوروبيين.

نقل موقع "يورأكتيف" عن مصادر أوروبية أن لا رغبة تُذكر في بروكسل لإعادة فتح الملف، وأن العقبات التي أسقطت المشروع أواخر 2025 باقية كما هي. وأوردت "يورونيوز" في اليوم التالي تصريحاً لمسؤول أوروبي رفيع لم تسمه قال فيه إنه "لا يرى في الوقت الحالي أي رغبة في إعادة فتح تلك المسألة"، مضيفاً أن "العقبات وتحفظات بعض الدول الأعضاء لم تتغير"، وأن التكتل "سيعبر الجسر حين يصل إليه".

 

حساب الأصول

الرقم المتداول في الوثائق الأوروبية هو 210 مليارات يورو من الأصول السيادية الروسية المجمدة داخل التكتل، من أصل نحو 300 مليار مجمدة عالمياً. ووفق ما أوردته وكالة الأنباء البلجيكية نقلاً عن النتائج المالية التي نشرتها "يوروكلير" في مايو (أيار) الماضي، تجاوزت قيمة الأصول الروسية المحتجزة لدى المؤسسة عتبة 200 مليار يورو في الربع الأول من 2026، وولّدت 1.13 مليار يورو من الفوائد والأرباح الموزعة في ذلك الربع وحده، بانخفاض مقداره نحو الربع مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق بفعل تراجع أسعار الفائدة.

وبحسب المصدر نفسه، حوّلت "يوروكلير" إلى الاتحاد الأوروبي 6.6 مليار يورو بوصفها "مساهمة الأرباح الاستثنائية" منذ فبراير 2024، منها 744 مليون يورو في الربع الأول من العام الجاري وحده. وبقي زهاء 335 مليون يورو على موازنة المؤسسة كأرباح تشغيلية مطلع 2026، اقتطعت الضرائب البلجيكية منها 270 مليوناً، واحتفظت "يوروكلير" بالبقية احتياطاً لمواجهة "أخطار حالية ومستقبلية". وذكر تقرير الشركة أن "احتمال صدور أحكام غير مواتية في المحاكم الروسية مرتفع" لأن موسكو لا تعترف بالعقوبات الدولية.

ما تكشفه هذه الأرقام أن العوائد وحدها تتدفق فعلاً نحو كييف منذ عامين ونصف العام، لكنها لا تتجاوز بضعة مليارات سنوياً في مقابل حاجات مقدارها صندوق النقد الدولي بنحو 135.7 مليار يورو لعامي 2026 و2027، وفق ما أوردته وثائق مجلس الاتحاد الأوروبي في فبراير الماضي. الأصل نفسه، وهو الجسم الأكبر، ظل خارج المعادلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العقدة البلجيكية

طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أرسولا فون دير لاين في سبتمبر (أيلول) 2025 صيغة "قرض التعويضات"، وهي قرض بلا فائدة تموّله الأرصدة النقدية الناشئة عن سندات روسية استحقت داخل "يوروكلير"، على ألا تسدده كييف إلا إذا دفعت موسكو تعويضات حرب. وأكدت مراراً أن التكتل لا يصادر الأصول بل يأخذ الأرصدة النقدية لإقراضها لأوكرانيا.

غير أن بلجيكا، حيث يوجد الجزء الأكبر من الأموال، رفضت الصيغة. وقال وزير الخارجية البلجيكي مكسيم بريفو في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وفق ما نقلته إذاعة "أن بي أر" الأميركية، إن بلاده تعد قرض التعويضات "الخيار الأسوأ بين الخيارات كلها لأنه محفوف بالأخطار ولم يسبق أن جُرّب"، مضيفاً أنه "ليس مقبولاً أن تُستخدم الأموال وأن نُترك وحدنا في مواجهة الأخطار". أما رئيس الوزراء بارت دي فيفر فاختصر الموقف في عبارة استعادها "يورأكتيف" أخيراً، "أخذ أموال بوتين وترك الأخطار لدينا، هذا لن يحدث".

ولم تكن التحفظات البلجيكية سياسية وحسب، ففي الـ12 من ديسمبر 2025 أودع المصرف المركزي الروسي دعوى أمام محكمة تجارية في موسكو يطالب فيها "يوروكلير" بـ18.2 تريليون روبل، أي ما يعادل 230 مليار دولار، وفق ما أوردته وكالة "رويترز". وفي الـ16 من مايو الماضي قضت محكمة روسية بإلزام المؤسسة البلجيكية بدفع زهاء 250 مليار دولار، وهو حكم قالت "يوروكلير" لوكالة الصحافة الفرنسية إنه "لا يؤثر في عملياتها ولا في وضعها المالي"، وأعلنت أنها ستستأنفه.

وأضافت "فاينانشال تايمز"، وفق ما نقلته وكالة "تاس"، أن وكالة "فيتش" حذرت في منتصف ديسمبر 2025 من خفض محتمل للتصنيف الائتماني للمؤسسة عند مستوى "أيه أيه" بسبب مشكلات سيولة مرتبطة بمشروع القرض، وأن "يوروكلير" وظّفت 200 موظف إضافي بصفة دائمة لإدارة ملف الأصول الروسية. ونقلت "أن بي أر" أن المصرف المركزي الأوروبي أبدى بدوره قلقاً من أن يقوّض المشروع الثقة باليورو في الأسواق الدولية.

الخطاب الغالب في وارسو وفيلنيوس يصوّر بروكسل عاصمة معرقلة تحمي مصالح مؤسسة مالية على حساب دولة تتعرض للغزو، وهذا التوصيف لا يستوفي الصورة. ما تطالب به بلجيكا هو ضمانات ملزمة قانوناً تغطي كامل مبلغ القرض، وهي مطالبة تستند إلى واقعة قانونية لا خلاف عليها، وهي أن مبدأ حصانة الأصول السيادية يمنع المصادرة، وأن أي نزاع سيقع على أرض بلجيكية أمام قضاء بلجيكي. يضاف إلى ذلك أن معاهدة استثمار قديمة بين الاتحاد الاقتصادي البلجيكي اللوكسمبورغي والاتحاد السوفياتي، موقعة عام 1989، قد تفتح باب التحكيم أمام موسكو، وفق ما أوردته "رويترز" في عرضها للأخطار القانونية. وفي المقابل، يبقى صحيحاً أن الضمانات التي عرضتها المفوضية في ديسمبر 2025 شملت آلية تضامن مدعومة بضمانات وطنية ثنائية أو بموازنة الاتحاد، وأن دولاً عدة أعلنت استعدادها للمشاركة فيها.

 

بدائل ومسارات

في الـ11 من ديسمبر 2025، جمّد الاتحاد الأوروبي الأصول الروسية إلى أجل غير مسمى بقرار يتخذ بالغالبية المؤهلة بدل الإجماع نصف السنوي، مما أزال قدرة المجر وسلوفاكيا على تعطيل التمديد. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا حينها إن القادة "أوفوا بالتزامهم" بإبقاء الأصول مجمدة حتى تنهي روسيا حربها وتعوض الأضرار.

لكن قمة الـ18 من ديسمبر لم تصل إلى قرض التعويضات. فبعد مفاوضات امتدت إلى ساعات الفجر، اختار القادة الاقتراض من أسواق رأس المال بضمان موازنة التكتل، وأقروا قرضاً بقيمة 90 مليار يورو لعامي 2026 و2027. ووفق نص الخلاصات، لن تسدد كييف القرض إلا بعد أن تتلقى تعويضات من موسكو، ويحتفظ الاتحاد بحقه في استخدام الأصول المجمدة للسداد. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعد القمة إنه "إذا لم تدفع روسيا تعويضات فسنستخدم الأصول الروسية المجمدة لسداد القرض، بما يتوافق تماماً مع القانون الدولي".

ولأن التشيك والمجر وسلوفاكيا امتنعت عن المشاركة، اعتُمد القرض عبر آلية "التعاون المعزز"، وفق ما أعلنه البرلمان الأوروبي عند إقراره النصوص التشريعية. ثم عطّل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان القطعة التشريعية الأخيرة في أواخر فبراير الماضي على خلفية نزاع منفصل يتعلق بأنبوب "دروجبا" النفطي، قبل أن يرفع الاعتراض ويستكمل المجلس الأوروبي التشريع في الـ23 من أبريل (نيسان).

في يونيو (حزيران) أعلنت فون دير لاين من مؤتمر تعافي أوكرانيا في بولندا صرف أول شريحة مقدارها 3.2 مليار يورو، من أصل 8.35 مليار مقررة هذا العام في باب المساعدة المالية الكلية، إلى جانب حزمة دفاعية مقدارها 6 مليارات يورو مخصصة لإنتاج المسيّرات.

ثمة خمسة مسارات للتعامل مع أزمة أوكرانيا المالية، الأول هو تقديم جزء من شريحة 2027 البالغة 45 مليار يورو لتغطية عجز العام الجاري، وهو ما طلبه زيلينسكي. ورد متحدث باسم المفوضية، وفق "يورونيوز"، بأن بروكسل لم تتلق الطلب رسمياً عبر القنوات الثنائية، وأنها "مستعدة لتلبية الطلبات إلى أقصى حد ممكن" لكن ضمن السقف السنوي القائم. وأشار مسؤولون أوروبيون في تصريحات نقلتها الشبكة نفسها إلى أن تعديل الجدول الزمني يستلزم تعديلات قانونية وإعادة ضبط برنامج الاقتراض، ويخلّف فجوة في 2027، وهو عام انتخابي مزدحم يصعب فيه إقناع القادة بفتح خط ائتمان جديد.


المسار الثاني هو إحياء قرض التعويضات نفسه، وهو ما تدفع إليه مجموعة من دول الشمال والبلطيق. ونقلت "يورونيوز" عن رئيس الوزراء اللاتفي أندريس كولبيرغس قوله في كييف إن على الأوروبيين الاتفاق على استخدام الأصول الروسية المجمدة لا أموال مواطني أوروبا، متسائلاً عن سبب تحمل دافع الضرائب الأوروبي الفاتورة كاملة. غير أن هذا المسار يصطدم بالمعطى ذاته الذي أسقطه سابقاً، أي الشرط البلجيكي والدعاوى الروسية المفتوحة.

الخيار الثالث يكمن في التوسيع الأفقي لقاعدة الأصول. فقد سبق أن أدرجت المفوضية، وفق وثيقة نقلها موقع "بوليتيكو"، إمكان ضم نحو 25 مليار يورو من أصول روسية مجمدة خارج "يوروكلير"، منها زهاء 18 ملياراً في مصارف فرنسية. ووفق "رويترز"، فإن هذه الأصول تولّد فوائد تعود ملكيتها إلى روسيا، وهو ما يجعل معالجتها القانونية أعقد من الأرصدة النقدية المحتجزة في بلجيكا.

ثمة مسار تعويضي بعيد المدى، حيث وقعت 34 دولة والاتحاد الأوروبي نهاية العام الماضي في لاهاي اتفاقية إنشاء "لجنة المطالبات الدولية لأوكرانيا"، وارتفع عدد الموقعين إلى 40 حتى الخامس من أغسطس الجاري، صادقت منهم ثماني دول والاتحاد الأوروبي، وفق ما نشره مجلس أوروبا. ولا تُنشأ اللجنة قبل بلوغ 25 مصادقة وتأمين تمويل أولي، فيما تجاوزت المطالبات المسجلة في "سجل الأضرار" 165 ألف مطالبة بحسب الإحصاء المعلن في يونيو الماضي. الخيار هنا لا يوفر سيولة عاجلة، لكنه يبني السند القانوني الذي يجعل مصادرة الأصول لاحقاً أقل هشاشة أمام القضاء.

الخيار الأخير وربما الأقل تعقيداً، هو توسيع دائرة المانحين، لكن مسؤولين أوروبيين يشكون من أن الحلفاء الآخرين لم يسهموا بالقدر المتوقع باستثناء بريطانيا والنرويج، وأن الدعم الأميركي توقف عملياً، مما ترك التكتل يحمل حصة متعاظمة من الفاتورة.

فوق هذه المسارات كلها يقف احتمال التسوية. فالمسودة الأولى لخطة السلام الأميركية المؤلفة من 28 نقطة، التي تسربت أواخر 2025، تضمنت آلية استثمارية لإعادة إعمار أوكرانيا تديرها واشنطن وتموّلها 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة يقابلها مبلغ مماثل من الاتحاد الأوروبي، على أن يعود نصف الأرباح إلى الولايات المتحدة، وفق ما أوردته وكالة "أسوشيتد برس". وفي يناير (كانون الثاني) الماضي أعلن مستشار الكرملين للسياسة الخارجية يوري أوشاكوف، بحسب شبكة "سي أن أن"، استعداد موسكو لتوجيه مليار دولار من أصولها المجمدة في الولايات المتحدة إلى موازنة "مجلس السلام"، على أن تذهب بقية الأموال إلى إعمار المناطق المتضررة بعد إبرام معاهدة سلام.

هذه الخلفية تفسر جانباً من التصلب الأوروبي في اتجاهين متعاكسين في آن. فالتجميد إلى أجل غير مسمى صُمم كي لا يقرر أحد خارج التكتل مصير الأموال، على حد ما قاله وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو. وفي المقابل، فإن احتمال أن تتحول الأصول ورقة تفاوضية في تسوية أوسع يدفع عواصم عدة إلى تفضيل إبقائها مجمدة سليمة بدل إنفاقها اليوم.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير