ملخص
البريكاريا ليست مجرد طبقة جديدة أنتجها الاقتصاد الهش، إنها علامة على تفكك التسوية التاريخية بين الرأسمالية ودولة الرعاية، في لحظة تتقاطع فيها الشيخوخة الديموغرافية مع أزمة المالية العامة، واقتصاد المنصات مع الخوارزمية، والذكاء الاصطناعي مع القيمة الاقتصادية للعمل.
لم تعُد الطبقة العاملة في العالم المعاصر تلك التي عرفها ماركس خلال القرن الـ19. ولم يعُد العامل بالضرورة يقف ثماني ساعات إلى جانب آلة في مصنع، ولا يكون له رب عمل معروف، ولا ينتسب بالضرورة إلى نقابة، ولا يعرف أين سيكون بعد خمسة أعوام. قد يعمل من منزله، أو عبر منصة رقمية، أو بعقد قصير، أو لحساب شركات عدة، أو لحسابه الخاص، وقد يكون حاصلاً على شهادة جامعية ولا يملك مع ذلك مساراً مهنياً واضحاً.
لهذا استحق أفهوم البريكاريا (Precariat) الذي بلوره وعمّقه عالم الاجتماع البريطاني غاي ستاندينغ أن يتحول إلى أحد الأفاهيم المهمة لفهم العمل والمجتمع في القرن الـ21. والكلمة نفسها نحت يجمع بين Precarious، أي الهش أو غير المستقر، وProletariat، أي البروليتاريا.
لكن البروكاريا ليست مجرد طبقة من العمال الموقتين، إنها في معناها الأوسع طبقة من البشر الذين فقدوا شيئاً كان العمل الحديث منحه للعامل خلال القرن الـ20، الأمان. ولم يكُن الأمان يعني ضمان المستقبل، بل كان يعني امتلاك قدر من القدرة على توقعه والتخطيط له.
من العامل إلى البريكاري
كان العامل في الرأسمالية الصناعية الحديثة يبيع قوة عمله، لكن هذا البيع كان يمكن أن يتحول، مع الزمن، إلى علاقة أكثر استقراراً. فالوظيفة الدائمة والأجر المنتظم والنقابة والتقاعد والتأمين الصحي وتعويض البطالة وسائر أنواع الحماية الاجتماعية، جعلت من العمل أكثر من مجرد بيع للوقت. لقد أصبح العمل طريقاً إلى الاستقرار الاجتماعي.
أما البريكاري، فيفتقد كثيراً من هذه الضمانات. قد تكون لديه وظيفة، لكنه لا يملك بالضرورة أمان الوظيفة. وقد يكون لديه دخل، لكنه لا يعرف إن كان سيستمر. وقد يكون متعلماً، لكن تعليمه لا يضمن له مساراً مهنياً. وقد يعمل كثيراً، لكنه لا يعرف إن كان عمله سيؤهله لتقاعد أو تأمين أو حماية اجتماعية.
من هنا فالبروكاريا ليست مرادفاً للفقر، إنها أقرب إلى الهشاشة الاجتماعية، أن يعيش الإنسان من دون قدرة كافية على التنبؤ بمستقبله.
وهذه نقطة مهمة، لأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون فقيراً كي يصبح بريكارياً أو عاملاً هشاً. يكفي أن يصبح المستقبل بالنسبة إليه غير مضمون وغير قابل التوقع.
من الدولة الحارسة إلى دولة الرعاية
لكن كيف وصلنا إلى هنا؟ لم تكُن الدولة الحديثة في بدايات الرأسمالية دولة رعاية، إذ كانت أقرب إلى الدولة الحارسة التي تنحصر وظائفها الأساسية في الأمن والقانون والدفاع والعملة والعلاقات الخارجية، وتترك المجال الاقتصادي والاجتماعي بدرجة واسعة إلى السوق والمبادرة الفردية.
ثم جاءت الحركة العمالية والنقابات والاشتراكية والخوف من الثورة والصراع الطبقي والحروب والأزمات الاقتصادية، لتدفع الدولة إلى التدخل بصورة متزايدة في المجال الاجتماعي. هكذا نشأت تدريجاً دولة الرعاية التي لم تكُن مجرد هدية قدمتها الرأسمالية إلى العامل، ولا مجرد انتصار للشيوعية عليها، بل كانت ثمرة تسوية تاريخية بين رأس المال والعمل.
وقالت الرأسمالية، دعوا السوق تعمل، وقالت الحركة العمالية، لا تتركوا الإنسان للسوق بالكامل. فكانت دولة الرعاية الصيغة الوسطى، سوق تعمل ودولة تخفف من قسوتها. نشأت بذلك أنظومة واسعة من التعليم والصحة والتقاعد والتأمينات الاجتماعية وحقوق العمل والحماية النقابية. وأصبح العامل محمياً، جزئياً في الأقل، من تقلبات السوق.
يمكن أن نسمي ذلك الرأسمالية المنضبطة أو الرأسمالية الملطّفة. فالرأسمالية لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون متوحشة كي تكون رأسمالية، بل ربما كان انضباطها الاجتماعي شرطاً من شروط بقائها.
حين تبدأ دولة الرعاية نفسها بالهشاشة
لكن هذه التسوية التاريخية قامت في ظل شروط لم تعُد كلها قائمة. كان المجتمع الأوروبي أكثر شباباً، وكان عدد الداخلين إلى سوق العمل كبيراً، وكانت معدلات النمو مرتفعة، وكان العامل يعمل أعواماً طويلة ويدفع الضرائب والاشتراكات، ثم يحصل في شيخوخته على التقاعد والرعاية الصحية.
كان ثمة، بصورة مبسطة، توازن بين عدد المنتجين وعدد المستفيدين من النظام الاجتماعي. أما أوروبا اليوم، فتواجه تحولاً ديموغرافياً عميقاً، فهناك انخفاض في الخصوبة وارتفاع في متوسط العمر وتزايد في نسبة كبار السن وتراجع نسبي في السكان في سن العمل.
وهنا تظهر مشكلة لا يمكن تجاهلها، دولة الرعاية نفسها تحتاج إلى من يرعاها مالياً. وكلما ارتفع عدد المتقاعدين وطال العمر المتوقع، ارتفعت أعباء التقاعد والصحة والرعاية طويلة الأمد. وكلما انخفض عدد الداخلين إلى سوق العمل، ضاقت القاعدة التي تمول هذه الأعباء.
وهكذا لم تعُد المشكلة أن الدولة لا تريد أن تحمي العامل، بل إن قدرتها على تقديم الحماية نفسها أصبحت موضع سؤال. وجاءت أزمة الديون الأوروبية لتكشف عن هشاشة هذا النموذج. وكانت اليونان المثال الأكثر درامية، لكن الضغوط لا تخص اليونان وحدها. فإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وغيرها تواجه بدرجات مختلفة معضلات تتعلق بالدين والعجز والنمو والشيخوخة وكلفة دولة الرعاية.
ولا يعني هذا أن دولة الرعاية الأوروبية انهارت أو انتهت، لكن يعني أن الصيغة القديمة منها تواجه أزمة استدامة. وهنا تقع المفارقة، فالدولة التي أنشئت لحماية الإنسان من هشاشة السوق أصبحت هي نفسها مضطرة إلى إدارة هشاشتها المالية.
الديموغرافيا والبريكاريا
لذلك فإن العامل الديموغرافي ليس تفصيلاً في قصة البروكاريا الأوروبية. إنه أحد شروطها البنيوية. فحين يقل عدد السكان في سن العمل وتزداد أعداد المتقاعدين، يصبح الاقتصاد بحاجة إلى عدد أقل نسبياً من العمال القادرين على إنتاج قيمة أكبر. وهنا تدخل التكنولوجيا والأتمتة والذكاء الاصطناعي بقوة.
لكن التكنولوجيا تحمل مفارقة أخرى، فأوروبا تحتاج إلى العامل بسبب شيخوخة سكانها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى التكنولوجيا لكي تعوض النقص في العمالة وتزيد إنتاجية العامل. فالشيخوخة السكانية قد تقوّي العامل من جهة لأنها تجعل اليد العاملة أكثر ندرة، لكنها تضغط على دولة الرعاية من جهة أخرى لأنها تقلل عدد الممولين وتزيد عدد المستفيدين منها، أي إننا قد نصل إلى وضع غريب، فنحتاج إلى العامل أكثر، ونحتاج إلى عدد أقل من العمال في بعض الوظائف في الوقت نفسه. وهنا يمكن أن تتسع البروكاريا.
وتدخل الهجرة هنا بوصفها إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الاقتصادات الأوروبية لتعويض النقص في السكان في سن العمل، لكنها قد تضيف في الوقت نفسه فئات جديدة إلى سوق العمل الهش.
من العمل الهش إلى العمل المنصاتي
وأضاف الاقتصاد الرقمي طبقة جديدة إلى الهشاشة، فالعامل في اقتصاد المنصات قد يبدو أكثر حرية من العامل الصناعي القديم. فلا مدير يقف فوق رأسه، ويمكنه نظرياً أن يختار متى يعمل. لكنه قد يكون خاضعاً، في الواقع، لأنظومة خوارزمية تحدد له الأسعار وتوزع الطلبات وتقيس أداءه وترتب أولويته، وقد تعاقبه أو تستبعده.
إنه مستقل قانونياً، لكنه قد يكون تابعاً اقتصادياً وخوارزمياً. وهنا تظهر إحدى مفارقات الرأسمالية الجديدة، فكلما ازداد العمل استقلالاً في ظاهره، ازداد في بعض أنواعه خضوعاً لنظام خوارزمي لا نراه.
والأهم أن جزءاً كبيراً من الأخطار انتقل من الشركة إلى العامل، فالسيارة عليه والهاتف عليه والوقت الضائع عليه وتذبذب الطلب عليه، والتأمين والتقاعد والحماية الاجتماعية قد لا تكون مضمونة له كما كانت للعامل التقليدي. لقد أصبحت الشركة قادرة، في بعض أنواع اقتصاد المنصات، على الاستفادة من العمل من دون أن تتحمل كل الأخطار التي كانت تتحملها المؤسسة الصناعية التقليدية، وهنا تتحول البروكاريا من هامش في سوق العمل إلى نموذج محتمل لتنظيم العمل نفسه.
حين يدخل الذكاء الاصطناعي على الخط
لكن التحول الأكبر لم يبدأ بعد بصورة كاملة، فالذكاء الاصطناعي لا يهدد العامل فقط بفقدان وظيفته، بل يهدده بشيء أعمق، فقدان القيمة الاقتصادية لمهارته. فالأتمتة الصناعية كانت تستبدل جزءاً من جهد الإنسان، أما الذكاء الاصطناعي فيدخل للمرة الأولى، على نطاق واسع، إلى مجال بعض الوظائف المعرفية نفسها.
وكان العامل في الماضي يستطيع أن يقول "فقدت وظيفتي، لكنني أستطيع أن أبحث عن وظيفة أخرى". أما اليوم فيمكن أن يكون السؤال هل ستظل المهارة التي أمتلكها مطلوبة أصلاً؟ وهنا ينتقل أفهوم البريكاريا من هشاشة الوظيفة إلى هشاشة المهنة، ومن هشاشة الدخل إلى هشاشة القيمة. والمترجم والمصمم والصحافي والمبرمج والمحاسب والموظف الإداري والباحث، وحتى بعض الأعمال التي كانت تُعدّ محصنة نسبياً بالتعليم والشهادة، يمكن أن تواجه تغيراً في قيمتها الاقتصادية نتيجة الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
من هنا يمكن أن تظهر بريكاريا معرفية جديدة، أشخاص متعلمون، ذوو مهارات عالية، لكنهم يعيشون تحت ضغط دائم لإعادة تأهيل أنفسهم وتحديث مهاراتهم وإثبات قابليتهم للاستعمال. ولم يعُد المطلوب أن تتعلم كي تصبح مهنياً، إذ قد يصبح المطلوب أن تتعلم باستمرار كي لا تصبح غير قابل للاستعمال. وهذا تحول عميق في معنى العمل.
من حماية الوظيفة إلى حماية الإنسان
هنا نصل إلى المعضلة السياسية. فإذا كانت دولة الرعاية القديمة قد بُنيت حول العامل المستقر، فما الذي ينبغي أن تفعله الدولة في مجتمع أصبح فيه العمل نفسه أقل استقراراً؟ ربما لم يعُد ممكناً أن تقوم الحماية الاجتماعية على الوظيفة وحدها.
فالعامل الذي ينتقل بين وظيفة ومنصة وعمل حر وعقد قصير يحتاج إلى حماية لا تزول كلما تغير رب العمل. وقد يحتاج الإنسان، في اقتصاد سريع التغير، إلى أن تصبح الحماية مرتبطة به هو، لا بمكان عمله فقط، أي إننا قد نحتاج إلى الانتقال من حماية الوظيفة إلى حماية الإنسان. وهذه ليست عودة للاشتراكية بالضرورة، بل يمكن أن تكون صيغة جديدة من الرأسمالية المنضبطة، أي سوق مفتوحة وابتكار واسع ومنافسة وتكنولوجيا، لكن ضمن حدود تمنع تحويل الإنسان إلى مجرد مورد قابل الاستبدال.
فالرأسمالية التي لا تعرف حدوداً قد تتحول إلى رأسمالية متوحشة، والرأسمالية المتوحشة تنتج الهشاشة، والهشاشة الطويلة تنتج الغضب، والغضب قد يتحول إلى شعبوية أو تطرف أو انسحاب من المجال السياسي. من هنا، فإن ضبط الرأسمالية ليس بالضرورة عداوة للرأسمالية. قد يكون، على العكس، شرطاً لإنقاذها من نفسها.
من البروليتاريا إلى البريكاريا
كان سؤال ماركس، من يملك وسائل الإنتاج؟ أما سؤال عصر المنصات والخوارزميات فيضيف إلى ذلك، من يملك وسائل إنتاج المستقبل؟ من يملك البيانات؟ من يملك المنصات؟ من يملك الحوسبة؟ ومن يملك الخوارزميات التي تنظم العمل وتحدد قيمته ومن يقرر أية مهارات ستظل ذات قيمة وأيها ستصبح فائضة؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد تغيرت بنية الصراع، لذلك ربما لا تكفي اليوم الثنائية التقليدية بين البرجوازية والبروليتاريا لفهم كل ما يحدث. فإلى جانب ملكية رأس المال، تظهر ملكية البيانات والمنصات والخوارزميات، وإلى جانب العامل الصناعي يظهر العامل المنصاتي، وإلى جانب الفقر تظهر الهشاشة، وإلى جانب الاستغلال يظهر عدم اليقين.
إن البروكاريا ليست بالضرورة أفقر طبقة في المجتمع، إنها قبل كل شيء الطبقة التي لا تستطيع أن تطمئن إلى مستقبلها، وهذا هو سر خطورتها.
نحو رأسمالية منضبطة
لا يمكن أن نعيد عقارب الساعة للوراء. ولا يمكن العودة للمصنع القديم، ولا لدولة الرعاية في صورتها التي عرفها الأوروبيون في منتصف القرن الـ20، ولا لاقتصاد لا يعرف المنصات ولا الأتمتة ولا الذكاء الاصطناعي.
لكن يمكن التفكير في تسوية اجتماعية جديدة، تسوية لا تحمي العامل لأنه يعمل في مصنع معين، بل تحمي الإنسان لأنه مواطن وكائن اقتصادي واجتماعي. ولا تمنع التكنولوجيا، بل تجعل مكاسبها قابلة التوزيع. ولا تلغي السوق، بل تمنع السوق من ابتلاع المجتمع. ولا تعادي الرأسمالية، بل تمنعها من التحول إلى قوة منفلتة من كل قيد اجتماعي. فالمشكلة ليست في أن يعمل الإنسان، بل في أن يصبح وجوده كله مرهوناً بقابليته للبيع.
وهنا ربما يكون المعنى الأعمق للبريكاريا في عصرنا، فلم يعُد الإنسان يخشى فقط فقدان عمله، بل بدأ يخشى فقدان قيمته الاقتصادية، وفقدان الحماية التي كانت الدولة تؤمنها له، وفقدان القدرة على تصور مستقبله، بل حتى قيمته كإنسان. فحين تصبح القيمة الاقتصادية معياراً مركزياً لتقدير الإنسان، لا يعود الخطر في فقدان العمل وحده، بل في اختزال الإنسان إلى قدرته على أن يكون نافعاً للسوق.
لقد انتقلنا من زمن كان فيه العامل يقول "أريد عملاً"، إلى زمن يقول فيه "أريد عملاً مستقراً". وربما نحن مقبلون على زمن يصبح فيه السؤال، هل سيظل عملي ذا قيمة أصلاً؟
عند هذه النقطة لا تعود البريكاريا مجرد أفهوم في علم الاجتماع، إنها تصبح سؤالاً عن الإنسان نفسه، وعن شكل الرأسمالية التي نريد أن نعيش فيها، وعن الدولة التي تستطيع أن تحمي الإنسان من دون أن تخنق السوق، وعن مستقبل العمل في زمن أصبحت فيه الآلة لا تنافس عضلات الإنسان فقط، بل تنافس عقله أيضاً.
وهنا تحديداً لا يعود ضبط الرأسمالية وتلطيفها ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة سياسية واجتماعية، فالرأسمالية لكي تبقى حية تحتاج إلى أن تنتج الثروة، لكنها تحتاج أيضاً إلى أن تمنع الثروة من إنتاج مجتمع يعيش أفراده في خوف دائم من المستقبل. إن التحدي المقبل ليس القضاء على الرأسمالية، بل منعها من أن تجعل الإنسان بريكارياً دائماً.