ملخص
عندما أصدر ديفيد بن غوريون رئيس الحكومة الموقتة آنذاك أوامره القاطعة للجيش الإسرائيلي الناشئ بفتح النار وقصف السفينة، لم يكن الهدف فقط منع وصول السلاح إلى منظمة "الإرغون" بقيادة مناحيم بيغن، بل كان قراراً دموياً لفرض الهيمنة المطلقة وقمع أي صوت منافس. أحرقت القذائف السفينة وقتلت من عليها، لكنها خلفت في أحشاء الإسرائيليين جرحاً أيديولوجياً ونفسياً لا يزال ينزف حتى اليوم.
في يونيو (حزيران) عام 1948، وبينما كانت العصابات الصهيونية تحاول لملمة شتاتها لبناء كيانها العسكري والسياسي وسط احتلال الأرض الفلسطينية، شهدت شواطئ "كفار فيتكين" ثم قبالة شاطئ تل أبيب تصادماً دموياً لم يكن موجهاً ضد الفلسطينيين أو العرب، بل كان اقتتالاً داخلياً حاداً بين إسرائيليين على السلطة والسلاح. لم تكن السفينة العسكرية "ألتالينا" (Altalena) مجرد شحنة سلاح قادمة من أوروبا، بل كانت فتيل انفجار عارم بين أجنحة المشروع الصهيوني: يسار يسعى إلى احتكار أجهزة الدولة وقوتها، ويمين متطرف يصر على الاحتفاظ بمليشياته وسلاحه الموازي.
عندما أصدر ديفيد بن غوريون رئيس الحكومة الموقتة آنذاك أوامره القاطعة للجيش الإسرائيلي الناشئ بفتح النار وقصف السفينة، لم يكن الهدف فقط منع وصول السلاح إلى منظمة "الإرغون" بقيادة مناحيم بيغن، بل كان قراراً دموياً لفرض الهيمنة المطلقة وقمع أي صوت منافس. أحرقت القذائف السفينة وقتلت من عليها، لكنها خلفت في أحشاء الإسرائيليين جرحاً أيديولوجياً ونفسياً لا يزال ينزف حتى اليوم.
وبعد أكثر من سبعة عقود، يخرج حطام "ألتالينا" من قاع البحر الأبيض المتوسط ليعاد استغلاله في أروقة الكنيست والشارع السياسي. فقصة السفينة ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي الأداة التي يستدعيها اليمين واليسار في كل أزمة داخلية للتحذير من "الحرب الأهلية"، وتصفية الحسابات حول ما يسمى بـ"الدولة العميقة"، وفرض السيطرة على صياغة هوية المجتمع الاستيطاني.
اقتتال داخلي
وفقاً لتفاصيل الحادثة وأرقامها وما سجل في الوثائق التاريخية والأرشيفات الرسمية لوزارة الدفاع الإسرائيلية، والسجلات التاريخية لمنظمة "الإرغون"، ومتحف "مناحيم بيغن"، أبحرت السفينة التابعة للمنظمة، وهي ميليشيات صهيونية يمينية مسلحة يترأسها بيغن من فرنسا بحمولة كبيرة من عتاد عسكري ضخم شمل 5 آلاف بندقية، وأكثر من 4 ملايين رصاصة، و300 رشاش، و3 آلاف قنبلة يدوية، وخمس عربات مدرعة، إضافة إلى نحو 900 مقاتل. وعلى رغم أنه تم الاتفاق حينها على تفكيك جميع الميليشيات المسلحة ودمجها في جيش موحد برئاسة ديفيد بن غوريون، فإن بيغن أراد تخصيص جزء كبير من أسلحة السفينة لمقاتلي "الإرغون" وخصوصاً في القدس، بينما أصر بن غوريون على تسليم كل الشحنة للجيش، وأن تكون السلطة والسلاح تحت سيطرة دولة واحدة وقيادة واحدة فقط من دون أية ميليشيات مستقلة. وما إن رفض بيغن تسليم السلاح بالكامل، حتى أمر بن غوريون الجيش الإسرائيلي بقصف السفينة بقذائف المدفعية، مما أسفر عن مقتل نحو 16 من أعضاء "الإرغون" وثلاثة من جنود الجيش.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم قصف السفينة، أمر بيغن أتباعه بعدم الرد بالرصاص ومنع اندلاع حرب أهلية. وبحسب قرارات الحكومة الإسرائيلية الموقتة في يونيو (حزيران) عام 1948 برئاسة بن غوريون، فقد أعقب تفجير السفينة، إصدار قرارات بحظر تنظيم "الإرغون" كلياً واعتقال أكثر من 200 من قياداته وعناصره لتفكيك التنظيم وتجريده من قوته المستقلة. كما تم إغراق السفينة عمداً بعد قطرها بعيداً من الشاطئ على عمق يتجاوز 500 متر (أكثر من 1650 قدماً) في القاع البحري قبالة تل أبيب، لمنع تحولها إلى مزار.
عقيدة الاحتكار
جسدت حادثة "ألتالينا" الاصطدام المباشر بين رؤيتين للسيطرة داخل المجتمع الإسرائيلي، فجناح اليسار الذي كان يمثله ديفيد بن غوريون والحكومة الموقتة، رأى أن وجود أي سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية المركزية يهدد مشروعه في السيطرة الكاملة. وعندما طالب بيغن باحتفاظ قواته بنسبة 20 في المئة من السلاح لمقاتليه في القدس، اعتبر بن غوريون ذلك تمرداً عسكرياً يجب قمعه بالقوة المطلقة، لدرجة أن المدافع التي قصفت السفينة في أدبيات اليسار لقبت بـ"المدافع القديسة"، في إشارة إلى أنها المدافع التي فرضت هيمنة السلطة المركزية وقضت على الميليشيات المنافسة.
في المقابل رأى جناح اليمين الذي كان يمثله بيغن ومنظمة "الإرغون"، أن الأسلحة فرصة لتعزيز نفوذ تنظيمه اليميني، وعلى رغم قصف السفينة ومقتل رجاله، أدرك بيغن تفوق خصومه العسكري حينها، فأصدر أوامره لعناصره بعدم الرد على إطلاق النار، قائلاً مقولته الشهيرة "لن تكون هناك حرب أهلية". كان هذا التراجع تكتيكياً، إذ حل تنظيمه المسلح وأسس حزب "حريت" (الذي تحول لاحقاً إلى حزب الليكود)، ليبدأ رحلة النفس الطويل للوصول إلى السلطة والانتقام السياسي من اليسار.
ولم يكن بقاء "ألتالينا" في قاع البحر على عمق 500 متر مجرد مسألة صعوبة تقنية، بل كان تغييباً مقصوداً من اليسار الذي حكم لـ12 عقداً متوالية، رافضاً نبش حادثة تظهره بمظهر السفاك الذي قصف أبناء جلدته. لكن مع تحول موازين القوى وسيادة اليمين على المشهد السياسي، رصدت الموازنات لإطلاق عمليات بحث بحرية معقدة باستخدام سفينة الأبحاث (Bat-Galim) وأجهزة السونار المتطورة. كان الهدف واضحاً: العثور على الحطام لاستخدامه كرمز قومي يجسد "مظلومية اليمين"، وتحويله إلى مزار سياسي يكرس روايته التاريخية.
إسقاط الماضي
اليوم، يستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفاؤه قصة "ألتالينا" لإقناع أنصارهم بأن المؤسسات القضائية والأمنية والإعلامية هي امتداد لـ"يسار بن غوريون"، الذي لم يتورع عن استخدام القوة لإقصاء اليمين، وتستغل هذه الرواية التاريخية لتبرير التعديلات القضائية وتفكيك قدرة القضاء على مراقبة القرارات الحكومية. في كل مرة يخرج الشارع في مظاهرات حاشدة أو يتصاعد التوتر في شأن قضايا التجنيد أو الانقسام المجتمعي، يستحضر السياسيون كلمة "ألتالينا" للتحذير من الوصول إلى شفا حرب أهلية، واستغلال هذا الخوف لإحراج المعارضة ودفعها للتراجع.
في المقابل، حين يطرح مشروع إنشاء "حرس وطني" تحت سيطرة وزراء اليمين المتطرف، أو عند غض الطرف عن اعتداءات المستوطنين المسلحين في الضفة الغربية، يعود اليسار للتذكير بـ"ألتالينا" للتحذير من عودة عهد الميليشيات المسلحة التي تفرض أجندتها بعيداً من قيادة الجيش الرسمية. وتزامناً مع إعلان تحديد موقع السفينة، تفجرت تصريحات حادة بين أقطاب الحكومة والمعارضة تعكس حجم الاستقطاب، إذ سارع نتنياهو ووزراؤه إلى توظيف الاكتشاف لخدمة خطابهم السياسي. وبحسب البيان الرسمي والتصريح المصور الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن "قصف ألتالينا كان قراراً تراجيدياً وأليماً أطلقت فيه النار على سفينة تحمل سلاحاً حيوياً لمقاتلينا". وأضاف أن "الدرس الأهم الذي تركه لنا مناحيم بيغن هو ألا تقع حرب أهلية أبداً، وأن نكون شعباً واحداً."
من جانبه، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في تصريحات صحافية رسمية نقلتها هيئة البث الإسرائيلية "اليوم نغلق دائرة تاريخية مع العثور على ’ألتالينا‘، هذا الاكتشاف يذكرنا بأن القتال بين الإخوة خط أحمر، ويجب أن نكون موحدين ضد أعدائنا بدلاً من الاستمرار في سياسات الإقصاء التي مارسها اليسار ضدنا."
استغلال رخيص
في مقالات وأحاديث صحافية لسياسيين ومحللين في صحف "هآرتس" و"يديعوت أحرونوت" هاجمت المعارضة هذه التصريحات واعتبرتها محاولة لتزوير المفاهيم، وقالت قيادات ورموز المعارضة "إن المحاولات الجارية لتحويل حادثة ألتالينا إلى مظلومية انتخابية هي استغلال رخيص للماضي"، مؤكدين أن الدرس الحقيقي من ألتالينا هو ما أرساه بن غوريون: لا شرعية لأي سلاح خارج إطار الجيش والقانون، ومحاولات اليمين المتطرف اليوم لتأسيس ميليشيات حرس وطني هي التهديد الحقيقي لدولة القانون."
يرى محللون أن سفينة "ألتالينا" لم تكن سوى مجسم معدني احترق وغرق، لكن حمولتها الأيديولوجية لم تغرق قط، وأن استدعاء هذه الحادثة اليوم والإصرار على استخراج حطامها يثبتان أن إسرائيل تقف على تناقضات داخلية عميقة وانقسامات لا يمكن ردمها، بين يسار يقدس "المدافع" التي ثبتت سلطته، ويمين يقتات على "المظلومية" ليصل بها إلى الحكم والسلطة. وبين هذا وذاك تبقى السفينة الشاهد التاريخي الأبرز على أن المجتمع الإسرائيلي يحمل في طياته بذور تصادمه الداخلي، وأن شبح "ألتالينا" سيظل يلاحق حاضرتهم السياسية كلما اهتزت أركان السلطة والسيطرة.