ملخص
من خوارزميات الملاحة التي توجهنا، إلى برمجيات الحماية السيبرانية، وصولاً إلى أدوات الاستخبارات الرقمية، تحولت التكنولوجيا الإسرائيلية من منتج محلي إلى مكون جوهري في سلاسل التوريد العالمية، ومُصنع أساس للمكونات الحيوية، كيف لا وقد نجحت الشركات الإسرائيلية في دمج حلولها البرمجية ورقائقها الإلكترونية في صلب الأنظمة العالمية مثل معالجات "إنتل" Intel وأنظمة الأمن السيبراني، مما منح صانعي القرار في تل أبيب نفوذاً يتجاوز حدود الجغرافيا، فالعالم اليوم وبشهادة خبراء ومتخصصين لا يشيد بالتقدم التقني الإسرائيلي وحسب، بل بات مدمناً على الحلول الإسرائيلية التي قد يكون الاستغناء عنها على المدى القريب معقداً تقنياً واقتصادياً.
عام 2016، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحاً بدا لكثرٍ حينها ضرباً من المبالغة السياسية، حين قال واثقاً إن "كل هواتف العالم تحوي تقنية إسرائيلية". لم يكُن ذلك التصريح مجرد استعراض للقوة، أو زلة لسان أو نوعاً من "البروباغندا" لإظهار التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، بل كان إعلاناً عن عقيدة اقتصادية وأمنية إسرائيلية جديدة، فداخل أعماق العصر الرقمي، يدرك العالم أن تلك الكلمات لم تكُن تهديداً بقدر ما كانت توصيفاً دقيقاً لواقع بات فيه الابتكار الإسرائيلي العصب الخفي الذي يغذي البنية التحتية للهواتف الذكية والأنظمة الأمنية حول العالم.
ومن خوارزميات الملاحة التي توجهنا، إلى برمجيات الحماية السيبرانية، وصولاً إلى أدوات الاستخبارات الرقمية، تحولت التكنولوجيا الإسرائيلية من منتج محلي إلى مكون جوهري في سلاسل التوريد العالمية، ومُصنع أساس للمكونات الحيوية، كيف لا وقد نجحت الشركات الإسرائيلية في دمج حلولها البرمجية ورقائقها الإلكترونية في صلب الأنظمة العالمية مثل معالجات "إنتل" Intel وأنظمة الأمن السيبراني، مما منح صانعي القرار في تل أبيب نفوذاً يتجاوز حدود الجغرافيا، فالعالم اليوم وبشهادة خبراء ومتخصصين لا يشيد بالتقدم التقني الإسرائيلي وحسب، بل بات مدمناً على الحلول الإسرائيلية التي قد يكون الاستغناء عنها على المدى القريب معقداً تقنياً واقتصادياً.
وفي وقت يعتبر قطاع التكنولوجيا والأمن السيبراني لدى كثير من دول العالم مجرد قطاع تجاري، فإنه يشكل لدى إسرائيل الركيزة الأساسية للاقتصاد، وجزءاً لا يتجزأ من "الأمن القومي" وترسانة الدفاع الاستراتيجي، إذ أسهم قطاع "الهايتك" العام الماضي بنحو 50 في المئة من إجمال النمو الاقتصادي في إسرائيل، ويشكل قرابة 18.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب الأرقام الرسمية الإسرائيلية، بلغت صادرات التكنولوجيا الإسرائيلية العام الماضي 85 مليار دولار، تقدر بنحو 58 في المئة من إجمال صادرات اسرائيل، مما يجعلها المكون المركزي في التجارة الخارجية. كذا سجلت تل أبيب أرقاماً ضخمة في صفقات الاستحواذ والتخارج وصلت إلى 84 مليار دولار والتي جاءت بالتزامن مع نجاح شركات التكنولوجيا الإسرائيلية في جمع نحو 15 مليار دولار كاستثمارات رأسمالية خلال العام نفسه. وطورت الشركات الإسرائيلية أخيراً ما يُعرف بـ "القبة الإلكترونية" لحماية البنية التحتية الوطنية الحيوية.
نفوذ تكنولوجي
ولأن إسرائيل تُعد من الدول التي تضع ثقلاً كبيراً في قطاع التكنولوجيا، تحديداً في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقنيات البرمجية، يُطلق عليها أحياناً اسم "أمة الشركات الناشئة" (Start-up Nation) لأن كثيراً من التقنيات والبرمجيات مثل الرقائق الإلكترونية وتقنيات الحماية، أو أنظمة معالجة البيانات التي تطورها شركات إسرائيلية، تُستخدم في معظم الهواتف الذكية حول العالم من دون أن تحمل بالضرورة علامة إسرائيلية واضحة أمام المستخدمين. فالشركات العالمية العملاقة مثل "غوغل" و"أبل" و"إنتل" و"ميكروسوفت" تقوم بشراء شركات ناشئة إسرائيلية لدمج تقنياتها داخل منتجاتها العالمية، مما يجعل التقنية جزءاً من "عملاق تقني" لا يظهر فيه الأصل الإسرائيلي للشركة المشتراة.
كذلك تسهم الشركات الإسرائيلية في تطوير الخلفية (Back-end) لعدد كبير من الخدمات الرقمية مثل رقائق المعالجة وأنظمة الحماية وتقنيات البيانات التي تدخل في صلب عمل الهواتف والأنظمة العالمية. وتعتبر تطبيقات "وايز" Waze للخرائط والملاحة الشهير، و"فايبر" Viber للمراسلة والمكالمات، و"ويكس" Wix لإنشاء المواقع الإلكترونية المعروفة، و"موفيت" Moovit للنقل العام والمواصلات، ومنصات Monday.com الشهيرة لإدارة المشاريع MyHeritage المتخصصة في علم الأنساب وتحليل الحمض النووي، ذات أصل إسرائيلي، إذ انطلقت من شركات في تل أبيب أو على يد مؤسسين إسرائيليين من بينهم أفراد مرتبطون بالجيش الإسرائيلي.
وتعد الولايات المتحدة الشريك التجاري الأكبر، إذ تستحوذ الشركات الأميركية باستمرار على شركات ناشئة إسرائيلية أو تشتري حلولها الأمنية، في حين تعتمد شركات الاتصالات ومزودي الخدمات في دول مثل بلجيكا وبريطانيا مثل "فيرجين ميديا" Virgin Media و"تيلينت" على تقنيات أمنية إسرائيلية في شبكاتهم. وبحسب تصريحات رئيس مديرية الذكاء الاصطناعي الوطنية الإسرائيلية إيرز أسكال، فإن "إسرائيل خلال الأعوام المقبلة ستكون في طليعة عصر الذكاء الاصطناعي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلف الأبواب المغلقة، لا تبيع الشركات الإسرائيلية فقط "تطبيقات" للمستخدم العادي، بل تبيع حلولاً برمجية معقدة وبنية تحتية لشركات دولية وحكومات وللأجهزة الأمنية حول العالم مثل تقنياتPegasus من شركة NSO التي تُعد النموذج الأكثر إثارة للجدل، إذ يحول برنامج التجسس الشهير الأجهزة الذكية من أدوات تواصل إلى أدوات مراقبة واختراق لهواتف شخصيات عامة حول العالم، كذا عملت شركات أخرى مثل "إنتليكسا" (Intellexa) على تطوير برمجية Predator للتسلل إلى الهواتف، وأيضاً شركة "باراغون" (Paragon)، مما يؤكد، وفق مراقبين، أن التكنولوجيا الإسرائيلية لا تهدف فقط إلى الربح التجاري، بل تُستخدم كأداة دبلوماسية سيبرانية لتقوية العلاقات مع دول العالم.
ونظراً إلى أن التقنيات الإسرائيلية في الأمن السيبراني تُباع غالباً من خلال "عقود مباشرة" مع حكومات أو مؤسسات أمنية، فإن قائمة المشترين تتضمن كثيراً من دول العالم التي تسعى إلى تعزيز قدراتها في التجسس الدفاعي أو حماية البيانات. ويرى مراقبون أن المزج بين الاستثمارات العالمية والخبرات المتراكمة من خلال الوحدات التقنية في الجيش الإسرائيلي (مثل الوحدة 8200)، إضافة إلى الدعم الحكومي الاسرائيلي الكبير لقطاع "الهايتك"، شكّلا هذا النفوذ التقني الاسرائيلي منقطع النظير، وتل أبيب اليوم لا تبيع الأمان الرقمي والابتكار كسلعة استراتيجية وحسب، بل تعتمد على شبكة معقدة من الاستحواذات العالمية تجعل تقنياتها موجودة في صلب الأنظمة العالمية التي تستخدم يومياً، مما يضمن لها مقعداً دائماً إلى طاولة صناعة المستقبل الرقمي.
أزمة صامتة
خلف واجهة الصعود الرقمي والأرقام القياسية للصادرات، يعيش قطاع "الهايتك" الإسرائيلي اليوم مفارقة استراتيجية توصف بـ "الأزمة الصامتة"، ففي وقت يسهم القطاع في 50 في المئة من النمو الاقتصادي، تكشف لغة الأرقام عن تصدع بنيوي عميق، إذ نزف القطاع أكثر من 3500 وظيفة بحثية حيوية، وتراجعت نسبة الموظفين داخل إسرائيل إلى ما دون النصف (49 في المئة)، مما يشير إلى هجرة جماعية للكفاءات نحو الخارج. ويرى مراقبون أن انتقال مراكز اتخاذ القرار وكبار العقول إلى الولايات المتحدة، مدفوعاً بضغوط العملة وعدم الاستقرار الأمني، لم يعُد مجرد عولمة تجارية، بل أصبح نزيفاً يهدد الهوية التقنية لإسرائيل، فمع لجوء 62 في المئة من الشركات إلى سياسات التسريح ونقل الأنشطة، بات الاقتصاد الإسرائيلي أمام فجوة نمو حقيقية تتجاوز 19 مليار شيكل (6.3 مليار دولار) عما كان مأمولاً.
وفي محاولة يائسة لترميم الجدار التقني المتصدع، أطلقت الحكومة الإسرائيلية في يونيو (حزيران) الماضي حزمة إنقاذ عاجلة بقيمة 1.6 مليار شيكل (533 مليون دولار) في استجابة مباشرة لنزيف الكفاءات وضغوط العملة التي تعصف بقطاع "الهايتك". وهذا التحرك الذي يرتكز في جوهره على ضخ سيولة سريعة عبر هيئة الابتكار وتقديم حوافز ضريبية، يهدف إلى منح الشركات الناشئة متنفساً مالياً لإيقاف نزيف نقل الأنشطة إلى الخارج.
مع ذلك، فإن هذه الحزمة، على رغم ضخامتها، تبدو في نظر خبراء أشبه بمحاولة شراء الوقت، فهي تركز على استراتيجيات النمو بعيد المدى، بينما يظل القطاع يئن تحت وطأة أزمات آنية تتمثل في كلف التشغيل الباهظة وحال عدم الاستقرار. وكشفت القناة 12 الإسرائيلية الشهر الماضي عن معطيات مقلقة عرضت خلال اجتماع طارئ عقد في وزارة المالية الإسرائيلية، إذ حذر المشاركون من أزمة متفاقمة تهدد قطاع "الهايتك"، وسط مخاوف من موجة تسريحات جماعية قد تطاول آلاف الموظفين، وإمكان إغلاق عشرات الشركات خلال الأشهر المقبلة، في حين أشار التقرير السنوي لسلطة الابتكار الإسرائيلية إلى أن قطاع "الهايتك" يقف عند "مفترق طرق". وقال المدير العام لسلطة الابتكار درور بين إن "التحديات الأكثر إلحاحاً أمام القطاع تتمثل في تراجع سعر الدولار والتوسع المتزايد في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي واستمرار نقل الأنشطة الاقتصادية إلى خارج إسرائيل. وحذرت كبيرة الاقتصاديين في سلطة الابتكار راحيل كوبربار من أن "الصدمة السريعة الناتجة من تراجع الدولار قد تدفع القطاع إلى مسار يصعب التنبؤ بتداعياته المستقبلية".
بين إعلان نتنياهو عام 2016 ووصولاً إلى أزمة 2026، تكشفت فجوة تاريخية بين الطموح والواقع، فحلم "السيادة التكنولوجية" الذي بشّر به نتنياهو كان قائماً على فرضية أن إسرائيل ستكون المحرك الأبدي للعالم الرقمي، حيث تُصمم العقول وتبنى البنية التحتية ويحكم العالم من تل أبيب. لكنه اليوم، وبينما تتسارع خطى الكفاءات نحو الخارج وتئن الشركات تحت وطأة الأزمات، يدرك أن تلك السيادة كانت تعتمد على ركائز هشة أمام تقلبات الأمن والاقتصاد. وعلى رغم نجاح "الهايتك" الإسرائيلي في أن يصبح عصباً حيوياً لا غنى عنه عالمياً، فإنه اليوم يدفع ثمن عولمته، فالتكنولوجيا التي أرادتها إسرائيل أداة للسيطرة، تحولت إلى قوة طاردة لمبدعيها، تاركة خلفها هيكلاً اقتصادياً يحاول البقاء على قيد الحياة بجرعات إنقاذ حكومية متأخرة.