Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا تطارد "القيادة المتهورة" على وسائل التواصل

بعد اصطدام عربة للشرطة مع سيارة تسير عكس الاتجاه على طريق سريع ومقتل 7 أشخاص

"أوفكوم" تدقق في نشر فيديوهات القيادة المتهورة على وسائل التواصل (غيتي) 

ملخص

قبل بضعة أيام اصطدمت سيارة كانت تسير عكس اتجاه السير على طريق سريع في بريطانيا بعربة شرطة فقُتل من كانوا في المركبتين جميعاً: شرطيان وخمسة شبان. سرعان ما انتقل النقاش من الأسفلت إلى الشاشة، بعدما تبين أن حساباً على "تيك توك" يُرجَّح أنه يعود إلى أحد الضحايا كان ينشر مقاطع لمطاردات شرطية. وهي الحادثة الثانية من نوعها في أسبوع واحد بعد مصرع خمسة مراهقين على طريق سريع إيرلندي بالطريقة ذاتها، مما دفع حكومة لندن إلى مطالبة منصات التواصل بالحذف. غير أن قانون "سلامة الإنترنت" لا يعد تصوير الفعل غير القانوني مخالفة، وفي هذه الفجوة يدور الخلاف كله.

فجر السبت 22 أغسطس (آب) الجاري، اصطدمت سيارة «فولكسفاغن باسات» بمركبة استجابة مسلحة تابعة لشرطة كليفلاند على الطريق المزدوج "أي 66" شمال شرقي إنجلترا. وأفادت شرطة كليفلاند بأن خمسة من أفراد الجمهور كانوا يستقلون السيارة ويسيرون عكس اتجاه السير حين اصطدموا بعربة شرطة تحمل شاراتها وتسير في الاتجاه الصحيح. قُتل في الحادثة سبعة أشخاص، الشرطيان توم كلاف (38 سنة) وماثيو بليدز (37 سنة)، وركاب "الباسات" الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و37 سنة.

أعطى المكتب المستقل لسلوك الشرطة الصورة الأدق لما سبق الاصطدام. فبحسب تحليل تسجيلات الكاميرات داخل مركبة الشرطة، استمرت المطاردة أقل من سبع دقائق قبل أن تدخل "الباسات" إلى الطريق "أي 66" عكس حركة السير، وعندها أُلغيت المطاردة. وبعد 10 ثوان فقط اصطدمت السيارة بمركبة شرطة أخرى لم تكن طرفاً في المطاردة، وكانت في المنطقة للمساعدة في البحث عن السيارة بعدما أطلقت إشارة كاميرا لقراءة لوحات الأرقام. وكانت الشرطة تتعقب سيارة للاشتباه في أنها تحمل لوحات أرقام مستنسخة.

أعلنت الشرطة البريطانية توقيف تسعة رجال وثلاث نساء تتراوح أعمارهم بين 19 و61 سنة، في تحقيق يتعلق بنشاط إجرامي مزعوم سبق الاصطدام، ولكن الحادثة تتجاوز الطرق لتطرق أبواب وسائل التواصل بعدما تبين أن حساباً على "تيك توك"، يعود لأحد ضحايا الحادثة على الأغلب، نشر مقاطع فيديو لقيادة خطرة قبل الحادثة بفترة من الزمن ثم حذف.

وصف صحيفة "الميرور" للمحتوى المتداول على وسائل التواصل في هذا الشأن يعطي فكرة عن طبيعته. فالمقاطع تعرض سيارات عالية الأداء تتحطم، وتتلوى بين مركبات ليلاً، وتؤدي حركات خطرة على طرق عامة، وتحمل إحداها عبارة مكتوبة على الشاشة تقول "هذا والموت في الـ20".

من الممارسات المصوّرة ما يسميه الناشرون "ghosting" أي إطفاء أضواء السيارة كلها والانطلاق في طرق ريفية ضيقة، و"swimming" أي التلوي بين المركبات المتراصة على الطرق السريعة بسرعات عالية. وفي حالات كثيرة يحاول الناشرون تجاوز أنظمة الرقابة بوسم المقاطع بأنها "مولدة بالذكاء الاصطناعي"، أو بإضافة تعليق ساخر مثل "لا تسرعوا" بينما تقرب الكاميرا على عداد السرعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قلق الشرطة

تقول الشرطة إنه لا يوجد دليل يشير إلى أن تصوير الأنشطة التي جرت ليل الجمعة وصباح السبت تم لأغراض "تيك توك"، ولكن ذلك لا ينفي وجود مشكلة في الفيديوهات المنشورة على وسائل التواصل. وقال النائب الوطني بالإنابة لرئيس اتحاد الشرطة في إنجلترا وويلز بول ويليامز، إن "في وسعنا كل يوم أن نحدد أمثلة عدة لشبان يجعلون من القيادة الخطرة استعراضاً. ليست القيادة الخطرة وحدها، بل استفزاز رجال الشرطة الموجودين لحماية الجمهور"، مضيفاً أنهم "لا ينبغي أن يخرجوا وهم قلقون على عودتهم من الدوام، فضلاً عن التساؤل إن كانوا سيُنشرون في كل مكان على وسائل التواصل".

هناك بعد عملي يفسر جاذبية هذا الصنف من المقاطع تحديداً. فمقاطع القيادة عكس الاتجاه على الطرق السريعة اكتسبت رواجاً خاصاً على الإنترنت، جزئياً لأن رجال الشرطة لا يطاردون عادة مثل هذه المركبات حرصاً على سلامة الجمهور. ومن وجهة نظر مفوض الشرطة في كليفلاند مات ستوري فإن انتشار هذه الظاهرة وضع مقلق لأنه خطر إلى حد بعيد.

وتشير أرقام قطاع السلامة المرورية إلى أن السلوك أوسع من منصة واحدة. فبحسب جمعية "آي أي أم رودسمارت"، اعترف واحد من كل سبعة سائقين تتراوح أعمارهم بين 17 و24 سنة باستخدام هاتف محمول لتسجيل مقطع أو التقاط صور خلف المقود خلال الأشهر الـ12 الماضية. وقال مدير السياسات والاتصالات في الجمعية نيكولاس لايز إن التشتيت الناجم عن استخدام الهاتف أثناء القيادة موثق جيداً، لكن المروّع أن بعضهم صار يصور هذه السلوكيات الخطرة ويتباهى بها على الإنترنت، مضيفاً أن على شركات التواصل الاجتماعي واجباً في ضمان عدم تداول الأنشطة الإجرامية الخطرة مقابل الإعجابات والمشاركات.

 

الدولة والمنصات

تحدث رئيس الوزراء آندي برينهام من كييف قائلاً إن من ينشر لقطات تمجد القيادة الخطرة يفعل أمراً يستحق الشجب. وقالت متحدثة باسم "داونينغ ستريت"، إن تمجيد القيادة الخطرة من أجل المقاطع والتسلية أمر مشين تماماً، مضيفة أن وزير الثقافة كان واضحاً في أن على المنصات إزالة اللقطات وفق التزاماتها القانونية، وأن هيئة تنظيم المعلومات والاتصالات "أوفكوم" تحظى بالدعم الكامل من الحكومة لاتخاذ إجراءات ضد المقصرين.

المسؤول في وزارة الدفاع لوك بولارد قال لهيئة الإذاعة البريطانية، إن في وسع شركات التواصل إزالة المحتوى بسهولة وتعديل خوارزمياتها لوقف توزيعه، مضيفاً أنها تعرف تماماً ما المحتوى الموجود على مواقعها، وتعرف كيف تعمل خوارزمياتها، وأن الناس ينشرون محتوى للحصول على مشاهدات، وكلما زادت المشاهدات حصلوا أحياناً على مال، فثمة حافز مالي لنشر محتوى صادم. وقال إن الحكومة ستستخدم صلاحيات قانون سلامة الإنترنت لإجبار المنصات على إزالة أي محتوى يبقى منشوراً.

وموقف "أوفكوم" أضيق نطاقاً مما توحي به لغة الحكومة. فقد قال متحدث باسم الهيئة إن المنصات ملزمة بموجب القانون بتقليل تعرض الأطفال للمواد العنيفة وللمحتوى الذي يروج للتحديات الخطرة، مضيفاً أن الهيئة أطلقت في يوليو (تموز) تحقيقاً في امتثال "تيك توك" لواجباته في حماية الأطفال، وأنها أظهرت أنها ستتحرك إذا دلت الأدلة على تقصير الشركات.

التحقيق مع "تيك توك" سابق على الحادثة. فقد فتحته الهيئة منتصف يوليو 2026 بشأن امتثال المنصة لالتزامات حماية الأطفال والتحقق من الأعمار بموجب قانون السلامة على الإنترنت، بعدما رأت أن نماذج استنتاج العمر التي تعتمدها المنصة ربما أخفقت في التعرف الصحيح إلى نسبة كبيرة من الأطفال، مما يعرضهم لخطر مصادفة محتوى ضار.

ثمة فجوة قانونية يدور حولها الخلاف. فالمحتوى الذي يعرض نشاطاً غير قانوني لا يعد مخالفة بالضرورة، وفق قانون "سلامة الإنترنت"، ولمنصة التواصل أن تقرر ما إذا كان المحتوى المبلّغ عنه غير قانوني وتتصرف على أساس ذلك. واعتبار الترويج الخوارزمي المستمر لمحتوى القيادة عكس الاتجاه إخفاقاً نظامياً في واجبات حماية الأطفال، فهي مسألة قانونية لم تحسمها "أوفكوم" رسمياً بعد في هذا الصنف من المحتوى.

قالت "تيك توك" إن سياساتها تحظر المحتوى الذي قد يتسبب بأذى جسدي كبير، ومنه القيادة الخطرة، وإنها تزيل فعلياً المقاطع والحسابات المخالفة. وأضافت أنها أزالت استباقياً 99.8 في المئة من المحتوى الذي حُذف لمخالفة تلك السياسات بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) 2026. لكن حذف المنصة لبعض المقاطع لا يعني بالضرورة أنها اعتبرتها غير قانونية، إذ قد يكون الحذف لمجرد مخالفتها شروط الشركة.

من جهتها قالت "ميتا"، مالكة منصتي "فيسبوك" و"إنستغرام"، إنها تحظر المنشورات التي تشجع على المشاركة في تحديات عالية الخطورة، بما فيها القيادة عكس اتجاه السير، وتزيل هذا المحتوى فور علمها به، وتمنع المستخدمين دون 18 سنة من رؤية محتوى غير مناسب لهم مثل المنشورات التي تصور القيادة المتهورة بصورها. وأكدت "سناب شات" بدورها أن المحتوى الذي يصور نشاطاً غير قانوني لا مكان له على تطبيقها، وأنها تتعاون فعلياً مع تحقيقات الشرطة.

يطالب ناشطون في السلامة المرورية وعائلات ضحايا بجعل تصوير القيادة غير القانونية ورفعها على الإنترنت جريمة قائمة بذاتها، وهو تعديل يحسم الفجوة التي تتذرع بها المنصات التي تزيل المقاطع المتهورة بموجب شروطها الخاصة لا بموجب القانون.

 

السابقة الإيرلندية

الحادثة البريطانية ليست الأولى. ففي فجر الأحد 16 أغسطس (آب) الجاري، قادت مجموعة من خمسة مراهقين سيارة "بي أم دبليو" عكس اتجاه السير على طريق سريع قرب مقاطعة كيلدير جنوب شرقي دبلن، فاصطدمت وجهاً لوجه بسيارة أخرى. وقُتل المراهقون الخمسة، وتتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة. وكانت السيارة تسير جنوباً على المسار الشمالي بين المخرجين الثالث والرابع، وفي المركبة الأخرى ثلاث نساء وطفل في السابعة من عمره من مقاطعة كارلو نُقلوا إلى المستشفى.

وقال رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن إن الحكومة "لن تتسامح مع هذا السلوك المتهور الذي شهدناه على طرقنا أخيراً. يجب أن يتوقف". وحذر مفوض الشرطة الإيرلندية جاستن كيلي من أن ما يجعل هذا السلوك المتهور أشد بشاعة أنه يجري في بعض الحالات من أجل وسائل التواصل الاجتماعي.

وتواصلت هيئة الإعلام الإيرلندية مع "تيك توك" لمعرفة كيفية تعاملها مع لقطات القيادة الخطرة، وقال رئيسها التنفيذي جيريمي غودفري، إن مهمة الهيئة الأساسية هي التأكد من امتلاك المنصات أنظمة وإجراءات تزيل هذا المحتوى استباقياً، وإن لها في نهاية المطاف صلاحية فرض غرامات تصل إلى ستة في المئة من الإيرادات العالمية، وإن كانت لم تستخدم هذه الصلاحية بعد، رغم وجود خمسة تحقيقات جارية. ورفضت الشركة في المقابل دعوة للمثول أمام لجنة برلمانية معنية بالإعلام، متذرعة بالتحقيق الشرطي الجاري وبتحقيق الهيئة التنظيمية، وبأن أي منصة أخرى لم تُدعَ.

حتى الآن، لا يوجد شيء في المعطيات الرسمية يربط قيادة "الباسات" عكس الاتجاه بنية التصوير، والشرطة نفسها نفت وجود مثل هذا الدليل. والتحقيق في مجريات الحادثة، بما فيها قرار إلغاء المطاردة وتوقيتها، لا يزال لدى المكتب المستقل لسلوك الشرطة ولم يخلص إلى نتيجة. وما يثبت حتى اللحظة هو وجود سلوك تصويري موثق سابقاً على حساب أحد الضحايا، لا أن ذلك السلوك هو سبب الاصطدام.

ثمة حجة تستحق العرض: أرقام الإزالة الاستباقية التي تعلنها "تيك توك" مرتفعة، والمقاطع التي وصفتها الصحف تُنشر أحياناً موسومة بأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مغلفة بتعليقات ساخرة تصعب على أنظمة الرصد الآلي تصنيفها. كما أن المشكلة موزعة على منصات عدة لا على واحدة، بدليل أن أشهر السوابق البريطانية في هذا الشأن جرى تصويرها على "سناب شات" لا على "تيك توك". ففي ديسمبر (كانون الأول) 2022، صورت ليبرتي ميتشل (18 سنة) نفسها على "سناب شات" وهي تقود بسرعة تقارب 100 ميل في الساعة في منطقة حدها 60 ميلاً، بعد أيام من نيلها رخصتها، ثم تجاوزت ثلاث مركبات على الجانب الخطأ من الطريق وفقدت السيطرة، فقتلت سائق سيارة أجرة ومعلمة كانت راكبة معه. ورُفعت عقوبتها لاحقاً من ستة أعوام وثمانية أشهر إلى تسعة أعوام وثلاثة أشهر بعد تدخل النائبة العامة إيلي ريفز، استناداً إلى المقاطع التي كانت قد سجلتها سابقاً لقيادتها المتهورة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير