Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ألعاب أطفال: القصة الكاملة لطائرات "ورقية" أرقت إسرائيل

سقوطها في ناحل عوز أعاد إلى الذاكرة مشاهد 2018 حين تحولت البالونات إلى أداة لإشعال الحقول

تحظى الطائرات الورقية في غزة بإرث ثقافي وتاريخي (أ ف ب)

ملخص

نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن أحد المزارعين المحليين في كيبوتس "ناحال عوز" شهادته التي جاء فيها "عندما نزلنا إلى الحقل، لم نلاحظ الطائرة في البداية بل تعثرنا بخيط رفيع ممتد على الأرض ويتجه صعوداً نحو السماء بشكل غير مألوف، لقد كان متيناً بما يكفي ليصمد أمام حركة الرياح من دون أن ينقطع فور هبوط الطائرة".

في غمرة الهدوء الحذر الذي يلف البلدات الإسرائيلية في غلاف غزة، وفي بقعة كثيراً ما كانت مسرحاً لأعنف المواجهات، استوقف مزارعون وحراس أمن محليون في كيبوتس "ناحال عوز" المتاخم للحدود، كانوا يتفقدون حقول الحبوب التي بدأت تستعيد حيويتها، حركة مريبة في السماء.

لم تكن أسراباً من طيور برية، ولا هديراً لطائرات مسيرة انتحارية، كانت أكياس البلاستيك المهترئة تأخذ شكل طائرة ورقية تتهادى ببطء وتتراقص مع تيارات الهواء القادمة من ساحل غزة قبل أن تسقط بنعومة فوق سنابل القمح الذهبية وغابة "سمحوني" في إسرائيل.

عندما اقتربت فرق الأمن الإسرائيلية من موقع السقوط، لم تكن هذه الطائرات الورقية تحمل في أذيالها مواد متفجرة أو فتايل حارقة كما كان عهدهم بها في "مسيرات العودة"، وإنما تجر خيوطاً رفيعة مشدودة وممتدة في عنان السماء كيلومترات عدة.

في تلك اللحظة، تذكر سكان البلدات الإسرائيلية ماذا فعلت بهم الطائرات الورقية قبل أعوام، وبالعودة إلى عام 2018، فقد دعت "حماس" إلى احتجاجات شعبية على الحدود مع إسرائيل، أطلقت عليها "مسيرات العودة الكبرى" واستخدم المحتجون الطائرات الورقية كأداة مواجهة شعبية.

حينها حملت الرياح آلاف الطائرات والبالونات المزودة بفتايل ومواد حارقة، مما تسبب في إحراق مساحات شاسعة من الحقول الزراعية والأحراج، وكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر قدرت بملايين الدولارات، فضلاً عن الضغط النفسي المستمر على سكان المنطقة.

هذه الذاكرة الأمنية المرتبطة بعام 2018 هي التي ضاعفت منسوب القلق لدى السلطات وسكان البلدات الإسرائيلية، فالطائرات الورقية المكتشفة أخيراً انقلبت إلى لغز أمني معقد، لتبدأ من الحقول الزراعية البسيطة شرارة أزمة سياسية وعسكرية دحرجت الملف سريعاً من بلاغات مزارعي الغلاف المذعورين إلى أروقة الاستخبارات، وصولاً إلى طاولة رئيس الوزراء في اجتماع أمني طارئ.

الجغرافيا والمسافات

حدث كل هذا التوتر، بعدما جرى رصد 10 طائرات ورقية فقط وبشكل تدريجي وتراكمي على مدى أسبوعين، وأكدت الفحوصات الفنية العسكرية الإسرائيلية خلوها تماماً من أي مواد متفجرة أو حارقة.

سجلت إسرائيل ذروة هذا النشاط خلال عطلة نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت)، حين عثر على أربع طائرات ورقية في غضون 24 ساعة فقط.

وتوزعت نقاط السقوط المحددة التي جرى توثيقها جغرافياً على عدد من البلدات الإسرائيلية المحاذية لشمال ووسط قطاع غزة، وشملت بلدة ناحال عوز التي سجلت النصيب الأكبر بالعثور على أربع طائرات ورقية.

بينما توزعت الطائرات الست المتبقية على مدى الأيام الـ14 الماضية، بمعدل طائرة أو طائرتين في أوقات متباعدة وفي حقول بلدات مختلفة مثل "بئيري" و"كفار عزة" و"شوفاه".

 

قبل الحرب كانت تقع هذه البلدات الإسرائيلية تاريخياً ضمن ما يعرف بالخط الأول الملاصق للشريط الحدودي للقطاع، حيث كانت تبعد بلدة ناحال عوز نحو 800 متر فقط عن الحدود الشرقية لمدينة غزة، في حين تبعد كفار عزة نحو كيلومترين، وبئيري نحو أربعة كيلومترات.

لكن بعد إقامة الخط الأصفر، استحدث الجيش الإسرائيلي منطقة عازلة خالية تماماً من السكان والمنشآت داخل عمق أراضي قطاع غزة، ويمتد هذا الشريط بعمق يراوح ما بين كيلومتر إلى 1.5 كيلومتر خلف "الخط الأصفر".

وبناءً على هذا الإجراء تراجعت تجمعات النازحين إلى عمق القطاع، وعند إضافة عمق منطقة الخط الأصفر إلى المسافات السابقة، فإن المسافة الفعلية الإجمالية الفاصلة التي توجب على هذه الطائرات الورقية عبورها للانتقال إلى داخل أراضي البلدات الإسرائيلية أصبحت تراوح تقريباً ما بين 2.5 كيلومتر في حال ناحال عوز وستة كيلومترات في حال بئيري.

الخيوط المكتشفة

رصدت فرق الأمن الإسرائيلية أن الطائرات الورقية تميزت بخصائص فنية أثارت انتباه فرق الفحص المتخصصة، فالخيوط التي عثر عليها متصلة بذيول وهياكل تلك الطائرات اتسمت بكونها رفيعة للغاية وخفيفة الوزن.

وتبين أنها خيوط مضفرة بمتانة عالية، ومصنوعة من خامات اصطناعية مقاومة مثل "النايلون المقوى" أو "البوليستر"، مما يمنحها مرونة وقدرة على تحمل الشد ومقاومة التمزق أو القطع الناتج من الاحتكاك بتيارات الهواء الشديدة في الارتفاعات الشاهقة.

وفي هذا السياق نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن أحد المزارعين المحليين في كيبوتس "ناحال عوز" شهادته التي جاء فيها "عندما نزلنا إلى الحقل لم نلاحظ الطائرة في البداية بل تعثرنا بخيط رفيع ممتد على الأرض ويتجه صعوداً نحو السماء بشكل غير مألوف، لقد كان متيناً بما يكفي ليصمد أمام حركة الرياح من دون أن ينقطع فور هبوط الطائرة".

يقول العقيد الاحتياط في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ميكائيل ميرشتاين "الخطورة الفنية في الخيوط المكتشفة لا تكمن في قدرتها على حمل شيء حالياً، بل في المتانة التي أظهرتها، الخيوط صنعت لتبقى متصلة بالطائرة أطول فترة ممكنة، وهذا ما دفع المنظومة الأمنية إلى دراسة ما إذا كانت هناك عملية تتبع وفحص تجريبي تجري عبر هذه الأدوات الرفيعة".

وفقاً للبيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشرطة عقب فحص الطائرات الأربع المكتشفة في محيط بلدة "ناحال عوز"، فإن الطول التقريبي لهذه الخيوط تراوح ما بين كيلومترين وأربعة كيلومترات.

يقول عاموس ريغيف وهو أحد سكان البلدات الحدودية "فكرة وجود خيط يمتد لأربعة كيلومترات فوق رؤوسنا، يبدأ من عمق الخيام في غزة وينتهي في بيوتنا هنا، هي فكرة بحد ذاتها تثير الذعر، لأنها تعني أن الأجواء فوقنا مكشوفة تماماً لأشياء ممتدة لا تلتقطها الرادارات العادية بسهولة".

وعلق المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني "رصدنا طائرات ورقية تجر خيوطاً تصل إلى أربعة كيلومترات تعبر من فوق المنطقة العازلة، وصحيح أن الفحوصات أكدت عدم وجود مواد تخريبية، إلا أن وصول خيوط بهذا الطول يتطلب منا فحص الآلية التكتيكية التي تطلق بها هذه الأجسام من داخل القطاع".

لتفسير هذه المعضلة من الناحية العلمية بعيداً من الروايات السياسية، يبرز الشرح الفيزيائي الأقرب إلى الواقع الميداني، الذي يعرف بـ"الانزلاق أو التحليق الحر" للأجسام الخفيفة الوزن.

يقول الأستاذ الباحث في الديناميكا الهوائية والفيزياء الجوية إدوارد النابلسي "الطائرات الورقية تطلق في البداية من داخل مناطق الوجود السكاني في قطاع غزة ضد اتجاه الريح لتكتسب ارتفاعاً شاهقاً بفعل قوة الرفع وعندما تشتد الرياح الغربية وتصل الطائرة إلى أقصى ارتفاع متاح، تبلغ قوة الشد على الخيط ذروتها، مما يؤدي إلى انقطاعه تلقائياً من جهة الممسك به داخل غزة، أو قيام الفتية بإفلاته عمداً عندما يصبح سحب الطائرة قوياً جداً"، ويضيف "بمجرد انقطاع الخيط لا تسقط الطائرة فوراً، بل تتحول إلى جسم طائر حر يتحرك بانسيابية كاملة مع اتجاه الريح السائدة، وفي هذه الحال يؤدي الخيط الطويل جداً المتدلي خلفها دوراً فيزيائياً إذ يعمل كذيل وازن ديناميكي، هذا الوزن الممتد للخيط يحافظ على مركز ثقل الطائرة، ويمنعها من الانقلاب أو الدوران العشوائي جراء الاضطرابات الهوائية، مما يجعلها تحافظ على مسار انزلاق أفقي مستقيم وبارتفاعات شاهقة، مما يمكنها من قطع مسافة الأربعة كيلومترات المتبقية بسهولة تامة فوق المنطقة العازلة حتى يقل دفع الهواء وتهبط تدريجاً داخل البلدات الإسرائيلية".

 

 ويتابع "من الناحية الفيزيائية، إزالة العوائق الجغرافية وتجريف المباني والأشجار في المنطقة العازلة بعمق 1.5 كم خلقت ما يعرف علمياً بالممر الهوائي المسطح الخالي الاحتكاك، هذا الفراغ يسمح للرياح البحرية الغربية بأن تتحرك بسرعة منتظمة ومن دون دوامات هوائية، مما يمنح الطائرات المنفلتة، المدعومة بخيوط طويلة تعمل كأثقال توازن، طاقة انزلاقية كافية لقطع مسافات تتجاوز أربعة إلى خمسة كيلومترات اعتماداً على سرعة الرياح السطحية، من دون الحاجة إلى أي محرك دفع ميكانيكي".

الذعر الإسرائيلي

لم تبدأ أزمة الطائرات الورقية من غرف رادارات سلاح الجو، بل من الحقول المكشوفة للبلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، حيث انطلقت الشرارة الأولى عبر بلاغات عفوية قدمها مزارعون وحراس أمن محليون في كيبوتس "ناحال عوز" وغابة "سمحوني" فور رصدهم أجساماً ورقية ملونة تهبط تدريجاً.

يقول منسق الأمن الميداني في غلاف غزة عوفر ليفلر "تلقينا بلاغاً من مزارع كان يعمل على جراره الزراعي في الحقول المفتوحة، حيث تفاجأ بوجود خيوط رفيعة وطويلة للغاية تشتبك بالمعدات الزراعية وتتحرك مع الهواء نحو الحدود، عند تتبع هذه الخيوط وجدنا أنها متصلة بهياكل طائرات ورقية بلاستيكية سقطت في الأحراش القريبة، لم نكن أمام بالونات حارقة تقليدية، بل أمام شبكة من الخيوط الطويلة الممتدة في الفضاء والتي شكلت لغزاً فورياً استدعى إبلاغ قيادة الجيش".

وعقب هذه البلاغات، هرعت فرق هندسة المتفجرات التابعة للجيش الإسرائيلي لفحص الأجسام، وعلى رغم صدور تقرير رسمي أولي يطمئن السكان بخلو الطائرات تماماً من أي مواد متفجرة أو حارقة، فإن توالي سقوطها أحدث ارتباكاً سياسياً وإعلامياً واسعاً.

أعادت هذه الخيوط الممتدة إلى الأذهان ذكريات عام 2018 الكارثية، وحركت ما بات يعرف في الإعلام الإسرائيلي بـ"عقدة السابع من أكتوبر"، إذ يرفض مزارعو وسكان البلدات المحيطة بالقطاع العودة إلى سياسة الاحتواء أو الاستخفاف بالأدوات البدائية.

يقول مسؤول ملف التواصل والإعلام لحركة مستقبل للغلاف الإسرائيلية فيلد أربيلي "الجيش يخبرنا بأنه لا توجد متفجرات، لكننا تعلمنا درساً قاسياً، الأمر يبدأ بطائرة ورقية ويتحول لاحقاً إلى قاعدة اشتباك جديدة، صواريخ القسام بدأت كأنابيب معدنية تافهة يسخر منها الجميع، حتى انتهت بتدمير بلداتنا في السابع من أكتوبر، لن نقبل بعد اليوم سماع عبارة كل شيء سيكون على ما يرام بينما الأجواء فوق غرف نومنا تخترقها الخيوط".

هذا الضغط الشعبي سرعان ما ترجمه وزراء اليمين القومي المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية إلى تصعيد سياسي مباشر، إذ صرح وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير قائلاً "السيادة الجوية لإسرائيل ليست مستباحة للأوراق والبلاستيك، والصمت على خيوط طائرات غزة هو ضعف يعيدنا إلى كابوس ما قبل أكتوبر، يجب الرد بالقوة الساحقة فوراً وإفهام الطرف الآخر أن زمن الاحتواء قد انتهى".

فيما شدد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قائلاً "حكومة إسرائيل ملزمة بقطع هذه الخيوط من جذورها في غزة لا بانتظار سقوطها في حقولنا، وأي جسم يجتاز الحدود هو تهديد حربي يستوجب تدمير المنطقة التي انطلق منها".

أمام تصاعد شكاوى السكان والبلدات وضغوط اليمين، عقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو جلسة تقييم أمني طارئة للمجلس الوزاري المصغر (الكابينت) بمشاركة وزير الدفاع وقادة الجيش والاستخبارات.

وخلال الاجتماع قدمت شعبة الاستخبارات العسكرية وجهاز "الشاباك" تقريراً تقنياً حذر من أبعاد استخباراتية للظاهرة، وأشار إلى أن الخيوط قد تستغل من قبل الفصائل في غزة تكتيكياً كأدوات محاكاة ورصد لاختبار الثغرات على الارتفاعات المنخفضة جداً، وقياس سرعة الرياح، وفحص مدى كفاءة منظومات الرادار الإسرائيلية المحدثة في التقاط الأجسام غير المعدنية.

بناءً على هذا التقييم رضخت القيادة السياسية لمطالب الحزم، وتمخض الاجتماع عن إعلان "معادلة ردع جوية جديدة"، يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس "أوعزت للجيش بالتحرك فوراً وبقوة ضد أي عمليات إطلاق للبالونات أو الطائرات الورقية من قطاع غزة، ونحن نعتبر كل عملية إطلاق عملاً حربياً بكل معنى الكلمة، البالون كالصاروخ، والطائرة الورقية كالمسيرة، سواء كانت تحمل مواد متفجرة أم لا، ولن نسمح بالعودة للواقع السابق".

وتمثلت القرارات العملية للاجتماع في ثلاثة مخرجات أساسية، الأول إنذار الـ72 ساعة إذ وجهت إسرائيل مهلة زمنية مدتها ثلاثة أيام عبر الوسطاء الدوليين لكبح وإيقاف إطلاق هذه الطائرات من غزة كلياً.

والثاني تفعيل بنك الأهداف إذ هددت إسرائيل بالعودة إلى "موجة اغتيالات مركزة" تطاول قادة ميدانيين، وقصف وإخلاء الأحياء السكنية والمناطق الحدودية داخل غزة التي يثبت خروج الطائرات منها.

والثالث تكليف الفرقة التكنولوجية بنشر أسراب من الطائرات المسيرة الصغيرة المزودة بشفرات قاطعة لاعتراض الطائرات الورقية وتمزيق خيوطها في الهواء فوق المنطقة العازلة قبل عبورها.

متنفس مخيمات النزوح

في غزة تحمل الطائرات الورقية أبعاداً إنسانية ونفسية مغايرة تماماً للسياق الأمني، فمع انعدام كامل لوسائل الترفيه تحولت صناعة الأجسام الورقية والبلاستيكية إلى الملاذ الوحيد المتاح للأطفال والفتية لتفريغ الضغوط النفسية المتراكمة.

وتشير البيانات الميدانية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" إلى أن اليافعين في مخيمات الخيام المكتظة، يلجأون إلى مواد بدائية متوافرة بين الأنقاض كأكياس النايلون الملونة وبقايا الأخشاب الخفيفة وخيوط الخياطة المضفرة لتطييرها بارتفاعات شاهقة.

ويعد هذا النشاط بالنسبة إليهم تعبيراً عن التوق إلى الحرية ومحاولة لكسر الرتابة، إذ يعمد كثير من هؤلاء الصغار إلى كتابة أمنيات العودة، أو أسماء مدنهم الأصلية، أو عبارات تدعو إلى إنهاء الحرب على جدار تلك الطائرات، باحثين عن فضاء مفتوح لا تحده الأسلاك الشائكة.

يقول إسماعيل وهو أحد النازحين في الخيام المتاخمة للمنطقة الحدودية "ابني الصغير لا يعرف شيئاً عن السياسة، يرى طائرة ورقية في السماء فيريد أن يصنع مثلها، كبالغين ندرك تماماً ماذا يعني أن يهدد الجيش الإسرائيلي باستهداف من يطيرون هذه الطائرات وقصف الأحياء، لذلك منعته فوراً"، ويضيف "الأطفال هنا اعتادوا على صنع وتطيير الطائرات الورقية خلال فصل الصيف، هذا أمر طبيعي جداً بالنسبة إلينا منذ أعوام طويلة، ما الخطيئة في أن يطير طفل طائرة من ورق؟ ولماذا يراد للطفل في غزة أن يظل خائفاً حتى من السماء؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول سناء "أطفالنا لا يستوعبون حجم الدمار الذي يحيط بهم، ويريدون فقط اللعب والضحك ولو ساعة واحدة هرباً من ضيق الخيام وحرارة الصيف، لكننا عشنا الحرب ونعلم أن أي شيء بسيط يمكن أن يتحول لدى إسرائيل إلى ذريعة للموت والقصف، لا نريد لأطفالنا أن ينشأوا وهم يرتجفون من اللعب، لكن في الوقت ذاته لا يمكننا المخاطرة بحياتهم من أجل قطعة ورق".

سياسياً، رفضت حركة "حماس" ومختلف الفصائل الفلسطينية الرواية الرسمية الإسرائيلية التي صبغت الحادثة بصبغة استخباراتية عسكرية، واعتبرت التهديدات الصادرة عن "الكابينت" بمثابة مبررات مفتعلة لتوجيه ضربات جديدة للقطاع.

يقول الناطق باسم حركة "حماس" حازم قاسم "هذه التهديدات الإسرائيلية الكبيرة التي تطلقها حكومة تل أبيب القائمة على اختلاق الذرائع في شأن ما يسمونه إطلاق الطائرات الورقية، هي محاولة مكشوفة لتبرير استمرار العدوان والانتهاكات ضد شعبنا، وصولاً إلى استهداف وتغطية التهديد المباشر للأطفال في قطاع غزة الذين يتخذون منها مجرد ألعاب في مخيمات النزوح".

يقول عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" باسم نعيم "إبلاغ إسرائيل الوسطاء ومجلس السلام بمنح ’حماس‘ مهلة ثلاثة أيام لوقف طائرات الورق وإلا شنت هجوماً جوياً واسعاً، يمثل مفارقة سريالية بكل معنى الكلمة، دولة نووية متهمة بارتكاب إبادة جماعية تستنفر عسكرياً وتصدر إنذارات حربية للتعامل مع طائرات يطلقها أطفال يبحثون عن طفولتهم البريئة بين الركام والخيام، مما يعكس نية مبيتة لتقويض تفاهمات التهدئة والهرب من استحقاقات خريطة الطريق".

من "غينيس" إلى الحدود

تحظى الطائرات الورقية في غزة بإرث ثقافي وتاريخي، ففي عام 2011 نجح أطفال غزة بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في دخول موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية العالمية، بعدما قام أكثر من 15 ألف طفل بتطيير 12300 طائرة ورقية ملونة في وقت واحد فوق شواطئ شمال القطاع، كرسالة سلام جماعية للمجتمع الدولي للمطالبة برفع الحصار وبحقوق الطفولة.

يقول الباحث في التاريخ عز سلمي "بينما كانت الطائرات الورقية عام 2011 أداة دبلوماسية سلمية منظمة من الأمم المتحدة للاحتجاج، وتحولت عام 2018 ميدانياً إلى أداة ضغط شعبي ساخن عبر تزويدها بعبوات حارقة خلال مسيرات العودة، فإنها في أغسطس (آب) الجاري تعود لتمثل الملاذ الترفيهي العفوي الفردي وسط ركام الحرب، لكنها تصطدم هذه المرة ببيئة جغرافية عازلة خالية من المصدات الهوائية، وبمنظومة أمنية إسرائيلية شديدة الحساسية تعيش هاجس اختراق الأجواء".

الموقف الدولي

تبدي أميركا قلقاً بالغاً من إمكان تدحرج هذا الملف البسيط نحو مواجهة عسكرية أوسع، إذ تخشى وزارة الخارجية أن يؤدي التصعيد إلى تقويض أشهر من الجهود الدبلوماسية الشاقة التي أفضت إلى صياغة "اتفاق الـ20 نقطة" وخريطة الطريق الخاصة بقطاع غزة.

يقول المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت "نتابع بقلق التوترات الأخيرة في محيط غزة، ونحث جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، الحفاظ على المكتسبات الدبلوماسية وتفاهمات التهدئة الحالية هو الأولوية القصوى لمنع انزلاق المنطقة مجدداً نحو الصراع، ويجب عدم السماح لأي أحداث ميدانية عفوية بأن تقوض خريطة الطريق المتفق عليها".

في المقابل، يقول ممثل "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف "ننظر ببالغ الخطورة إلى التهديدات الصادرة بشن هجمات عسكرية أو تنفيذ اغتيالات بناءً على أحداث رصد لطائرات ورقية خالية من أي مواد متفجرة، نخشى أن تكون هذه التطورات مجرد غطاء سياسي للتنصل من التزامات التهدئة وعدم الوفاء ببنود الاتفاقات المبرمة، ونحذر بشدة من مغبة استهداف المدنيين أو الأطفال في مخيمات النزوح تحت مبررات ومزاعم أمنية واهية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير