ملخص
تحقيقات موسعة تكشف استخدام قادة إيرانيين للعملات المشفرة في تهريب الأموال خارج البلاىوالعقوبات الأميركية المرتقبة تستهدف عزل الاقتصاد الإيراني عن العالم ودونالد ترمب يصفها بأنها "ساحقة"
على وقع التهديدات الأميركية بفرض عقوبات اقتصادية "حاسمة" على إيران، والإجراءات التي أعلنتها الإدارة الأميركية خلال الأيام الماضية، واستهدفت المنصات التي تعمل في العملات المشفرة وتستخدمها طهران في التحايل على العقوبات، هبط الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، قبيل إعلان حزمة جديدة من العقوبات تستهدف عزل الاقتصاد الإيراني.
وجرى تداول الريال عند 1.992 مليون ريال للدولار في السوق غير الرسمية، بحسب بيانات موقع "يونباست"، منخفضاً بنحو 4.5 في المئة منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبل أيام، ما وصفه بـ"عملية اقتصادية ساحقة" ضد إيران.
وأظهر موقع "تي جي جي يو"، الذي يتابع أسعار الصرف في السوق غير الرسمية، أن العملة الإيرانية تجاوزت مستوى مليوني ريال للدولار الأميركي في تعاملات أمس الأحد، قبل أن تقلص بعض خسائرها عند الإغلاق.
كيف تستخدم طهران العملات المشفرة؟
وعلى رغم العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني منذ سنوات، لكن تستخدم طهران العملات الرقمية كمسار مالي موازٍ لإخراج الأموال من قبضة النظام المصرفي الدولي والالتفاف على العقوبات الغربية.
وتتمثل آليات التحايل والتهريب، في الاعتماد على سوق العملات المشفرة وبخاصة عملة "تيثر" نظراً لارتباط قيمتها بالدولار وسهولة تحويلها إلى أموال سائلة ونقلها عبر الحدود من دون رقابة مصرفية تقليدية.
كذلك أصبحت المنظومة الرقمية جزءاً أساسياً من أنشطة الحرس الثوري الإيراني لتخزين الأموال وتنفيذ صفقات ومعاملات تجارية خارج الأراضي الإيرانية، بما في ذلك تمويل شبكات ناقلات النفط السرية.
أيضاً، تعتمد طهران على قطاع واسع لتعدين "البيتكوين" والعملات المشفرة بدعم وتبني من البنك المركزي الإيراني لتوليد واستخدام هذه الأصول في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي.
وقد كثّفت واشنطن جهودها لتعقب هذه الشبكات، إذ فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على محافظ ومنصات رقمية عدة، وجمدت ما يقارب 130 مليون دولار من العملات المشفرة المرتبطة بشبكات إيرانية والحرس الثوري.
أداة مركزية لتهريب الأموال خارج البلاد
وخلال الأيام الماضية، أشارت تقارير تناولتها وسائل إعلام دولية، إلى أن مسؤولين في القيادة الإيرانية وسّعوا استخدام العملات الرقمية خلال الفترة الماضية، وحوّلوها إلى أداة مركزية لتهريب الأموال إلى خارج البلاد، ضمن جهود طهران للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة عليها.
وبحسب وكالة "إرم نيوز"، يعتمد نظام تهريب الأموال بصورة أساسية على العملة الرقمية المستقرة "يو أس دي تي"، التابعة لشركة "تيثر"، التي تتيح تحويل مبالغ مالية كبيرة إلى دولارات سائلة ونقلها عبر الحدود على نطاق عالمي، من دون الخضوع لمستويات الرقابة المصرفية التقليدية.
وتستفيد إيران في هذا المجال من بنية تحتية متطورة نسبياً في قطاع العملات الرقمية، تشمل عمليات واسعة لتعدين "البيتكوين"، إلى جانب تبني البنك المركزي الإيراني هذه المنظومة، ما أتاح استخدام العملات الرقمية قناة إضافية لإدارة الأموال وتحويلها.
وأصبحت منظومة العملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة جزءاً متزايد الأهمية من النشاط الاقتصادي للحرس الثوري الإيراني.
وتُستخدم هذه القنوات ضمن مسعى منظم لتجاوز العقوبات الغربية، وتخزين الأموال خارج إيران تحسباً للحاجة إليها، فضلاً عن تنفيذ معاملات وصفقات مالية خارج الأراضي الإيرانية.
وتأتي هذه التطوّرات في وقت تتزايد الجهود الدولية لمنع إيران من استغلال العملات الرقمية وسيلة للالتفاف على العقوبات.
وفي هذا الإطار، جرى خلال الفترة الماضية، تجميد عشرات المحافظ الرقمية التابعة للحرس الثوري الإيراني، في محاولة لقطع إحدى القنوات المالية التي تستخدمها المؤسسة لنقل الأموال وإخفائها عن أنظمة الرقابة.
حملة الغضب الاقتصادي الأميركية تتوسع
في السياق ذاته، وفي إطار العقوبات التي تستهدف تقليم أظافر الاقتصاد الإيراني، فقد فتحت الولايات المتحدة الأميركية، جبهة جديدة من الضغوط على إيران عبر استهداف قطاع العملات المشفرة، بعدما فرضت عقوبات واسعة على أكبر منصة لتداول الأصول الرقمية في البلاد وعدد من كبار مسؤوليها التنفيذيين، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها جزء من حملة "الغضب الاقتصادي" الرامية إلى تشديد الخناق المالي على طهران.
وجاءت العقوبات الجديدة في وقت تشهد المنطقة تصعيداً مستمراً بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بالتزامن مع تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لتفاهمات سياسية أو تمديد ترتيبات وقف إطلاق النار.
والأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على منصة "نوبيتكس"، أكبر بورصة للعملات المشفرة في إيران، إلى جانب عدد من مسؤوليها التنفيذيين، متهمة المنصة بمساعدة الحكومة الإيرانية والكيانات الخاضعة للعقوبات على الالتفاف على القيود المالية الغربية.
وبحسب وزارة الخزانة، استحوذت "نوبيتكس" على أكثر من نصف تدفقات الأصول الرقمية الإيرانية خلال العام 2025، ما جعلها لاعباً رئيساً في شبكة مالية موازية استخدمتها طهران لتجاوز العقوبات الدولية المفروضة عليها.
وقالت السلطات الأميركية، إن المنصة لعبت دوراً محورياً في نقل الأصول والأموال خارج إيران عقب بدء العمليات العسكرية الأميركية، الأمر الذي ساعد الحكومة الإيرانية على حماية جزء من ثرواتها المالية على رغم القيود المفروضة على الاتصالات والإنترنت داخل البلاد.
وشملت العقوبات عدداً من أبرز المسؤولين المرتبطين بمنصة "نوبيتكس"، من بينهم أمير حسين راد، رئيس مجلس الإدارة والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق للمنصة، والذي تتهمه واشنطن بالإشراف على إعادة تشغيل البورصة بعد تعرضها لاختراق إلكتروني واسع في يونيو (حزيران) 2025.
وطاولت العقوبات المؤسسين المشاركين سيد محمد علي أغامير محمد علي وسيد محمد أغامير محمد علي، إضافة إلى الرئيس التنفيذي الحالي للمنصة سيد علي خوي، بسبب أدوارهم القيادية في إدارة أعمال البورصة.
إجراءات أميركية تطاول عدداً كبيراً من المنصات
ولم تقتصر الإجراءات الأميركية على "نوبيتكس" فحسب، فقد شملت منصة "والكس"، وهي ثاني أكبر بورصة للعملات الرقمية في إيران، والتي استحوذت على نحو 12 في المئة من تدفقات الأصول الرقمية الإيرانية خلال عام 2025، إذ تتهمها واشنطن بتسهيل معاملات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
كذلك، استهدفت العقوبات منصة "بيت بين"، التي استقبلت ما يقارب من 10 في المئة من تدفقات العملات المشفرة إلى إيران خلال الفترة نفسها، وسط اتهامات بمعالجة معاملات مرتبطة بالحرس الثوري والمساهمة في أنشطة تهدف إلى الالتفاف على العقوبات.
وشملت القائمة أيضاً منصة "رامزينكس"، ومقرها طهران، والتي تأسست عام 2018، إذ قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها عالجت معاملات تجاوزت قيمتها 2.45 مليار دولار، واتهمتها بإجراء تعاملات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومؤسسات مالية مدعومة من الحكومة الإيرانية.
وأوضحت وزارة الخزانة الأميركية، أن التحقيقات أظهرت أن "نوبيتكس" تحولت إلى مركز مالي رئيس لمعالجة مئات الملايين من الدولارات لمصلحة البنك المركزي الإيراني والحرس الثوري الإيراني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وذكرت أن المنصة واصلت العمل حتى خلال فترات انقطاع الإنترنت التي فرضتها السلطات الإيرانية، وتمكنت من تنفيذ معاملات بملايين الدولارات خلال تلك الفترة.
ووفق بيان، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إن النظام الإيراني لجأ إلى استغلال تقنيات الأصول الرقمية في محاولة للالتفاف على العقوبات ونقل الثروات إلى خارج البلاد.
وأشار إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً متزايدة، بينما تواصل السلطات الإيرانية استخدام العملات المشفرة كوسيلة لدعم أنشطتها المالية وتجاوز القيود المفروضة عليها.
أقوى العائلات الإيرانية تطلق منصة عملات مشفرة
وفي مايو (أيار) الماضي، كشفت تحقيقات صحافية موسعة أن إحدى أقوى العائلات في إيران أسست أكبر منصة لتداول العملات الرقمية في البلاد، في وقت تشير تقارير إلى استخدام الحرس الثوري الإيراني لها في تحويل ملايين الدولارات خارج النظام المالي الخاضع للعقوبات الغربية.
وبحسب التحقيق الذي أجرته "رويترز"، قام شقيقان من عائلة خرازي المرموقة بتأسيس منصة "نوبيتكس" عام 2018 باستخدام لقب عائلي بديل.
وسرعان ما تحولت المنصة إلى مركز رئيس في نظام مالي موازٍ يُستخدم لنقل الأموال بعيداً من القيود الأميركية، حتى خلال فترات الحرب الحالية.
وتشير بيانات الشركة إلى أن "نوبيتكس" تدير معاملات تتراوح قيمتها بين عشرات ومئات الملايين من الدولارات، مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، من بينها البنك المركزي الإيراني والحرس الثوري الإيراني.
وتوضح المنصة أنها تخدم نحو 11 مليون مستخدم، أي أكثر من 10 في المئة من سكان إيران، مما يجعلها جزءاً أساساً من الاقتصاد المحلي في ظل انهيار قيمة الريال والتضخم المرتفع.
وتؤكد تقارير تحليل البلوك تشين أن المنصة كانت تعمل كحلقة وصل بين إيران والأسواق العالمية للعملات الرقمية، وتُستخدم ضمن نظام مالي موازٍ لنقل الأموال بعيداً من الرقابة الدولية. ووفق التحقيقات، فمن المرجح أن المنصة كانت تعالج نحو 70 في المئة من معاملات العملات المشفرة داخل إيران.