ملخص
قالت زعيمة حزب "المحافظين" البريطاني كيمي بادينوك إن أي حكومة ائتلافية مع "ريفورم" ستكون "هجيناً مسخاً"، مستشهدة بما وصفته باقتتال دائم داخل حزب نايجل فاراج. جاء كلامها بعد أسبوع من تعليق "ريفورم" عضوية تيم مونتغمري، مؤسس موقع "كونزرفتف هوم" والمنشق عن المحافظين، إثر اتهامه فاراج بأن لديه "مشكلة مع النساء" وبأنه محاط بمن يقولون له ما يريد سماعه. وخلف هذا الصدام الخطابي تتراكم مؤشرات مادية إلى تراجع شعبية الحزب الشعبوي، أما السؤال الذي يواجهه قبل مؤتمره السنوي في برمنغهام مطلع سبتمبر المقبل ليس هل تعثر؟ بل هل يعالج تعثره بالتنظيم أم بمزيد من الصدام؟
على منصة في مهرجان إدنبرة، وفي حوار ضمن سلسلة مع الإعلامي إيان ديل، اختصرت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك موقفها من الحزب الذي يزاحمها على يمين الخريطة البريطانية بجملة واحدة، فقالت إن "ريفورم" هو "مجرد أناس يتقاتلون طوال الوقت"، وإن فاراج "يملي ما يريده بحسب ما تناوله على الفطور ذلك اليوم"، وسألت كيف يمكنها العمل مع أشخاص من هذا النوع، ثم استبعدت مجدداً أي صفقة، قائلة إنها تريد حكومة محافظة لا "هجيناً مسخاً بين المحافظين و’ريفورم‘" ينفر من الناخبين بقدر ما يجتذب.
الوصف قادم من خصم، لكن المادة التي بني عليها ليست من صنعه، فثمة قائمة تحصي 35 عضو مجلس محلي انتخبوا باسم "ريفورم" في السابع من مايو (أيار) الماضي أو في انتخابات فرعية بعده ثم فارقوا الحزب الشعبوي استقالة أو تعليقاً أو فصلاً أو انشقاقاً، إضافة إلى 28 آخرين كانوا أعضاء قبل ذلك التاريخ وغادروا بعده، إضافة إلى ما يزيد على 73 غادروا في الأشهر الـ12 التي تلت انتخابات 2025.
تفاصيل المغادرات مشكلة كما العدد، ففي أغسطس (آب) علق الحزب عضوية ديفيد رووان بعدما قال إن "رئيس مجلس العموم السابق جون بيركو يستحق الشنق وأثنى على تومي روبنسون"، وفقد روبرت هانسون صفته الحزبية التي لم يحصل عليها أصلاً لأنه رفض الانضمام للحزب على رغم دعوته مراراً بالبريد والهاتف. وفي سندرلاند عاد غلين غيبنز مستقلاً بعد اتهام الشرطة له على خلفية منشور وصف بالعنصري، وفي نيوكاسل استقالت كريستين دافي، فيما غادر إيان كاتشبول متهماً قيادات المجلس بـ"تجاهل صارخ" لملف الصحة النفسية، بينما قال الحزب إن استقالته جاءت أثناء التحقيق معه في تسريب مواد داخلية.
وجهة المغادرين تكشف اتجاه الضغط، فقد انشق أربعة أعضاء لمصلحة حزب "ريستور"، فيما عاد آخرون إلى "المحافظين"، بينهم شارلوت كيلي التي تحدثت عن تنمر وتمييز جنسي داخل "ريفورم"، ووصف روبي لاماس انتقاله السابق إلى الحزب بأنه أكبر خطأ في حياته، فيما استقال عضو في كورنوول اعتراضاً على خطط الحزب لخفض الإعانات الاجتماعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعرض "ريفورم" أرقام النمو لا الانكماش: 14 مجلساً محلياً ربحها في 2026، و8 نواب، وأكثر من 2400 عضو مجلس محلي، و270 ألف عضو، فيما يحصي موقع "بولتشيك" في الـ21 من أغسطس 24 مجلساً يملك فيها الحزب غالبية مطلقة وتسعة أخرى هو الكتلة الأكبر فيها، بمجموع 2334 عضواً من أصل 18726 في بريطانيا، كذلك فإن وتيرة النزف تباطأت بعد موجة الأسابيع الأولى، وهو نمط مر به حزب الاستقلال بعد اندفاعته المحلية قبل عقد، إذ تخسر الأحزاب السريعة التوسع أضعف مرشحيها أولاً.
ثمة قائمة لحركة أعضاء الأحزاب، يرصدها ويحدثها عضو مجلس اللوردات عن حزب "الليبراليين الديمقراطيين" مارك باك، تقول إن نسبة ما يفقده "ريفورم" شاذة بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى، على رغم ما يدعيه الحزب عن تحسين إجراءات فرز مرشحيه.
الأثر الأخطر ليس في الرقم الوطني بل في مواضع بعينها، ففي منطقة "كنت"، حيث ربح "ريفورم" 57 مقعداً من 81 في مايو 2025، علق أربعة أعضاء في أكتوبر (تشرين الأول) بعد تسريب مقطع مصور نشرته "الغارديان" أظهر شكاوى من التهميش ورداً حاداً من زعيمة المجلس ليندن كمكاران، ثم استقال في فبراير (شباط) عضو المجلس التنفيذي المكلف بوحدة خفض الهدر بعد إقراره بعدم تحقيق وفورات كبيرة. وفي الشهر ذاته انضم سبعة من أعضاء المجلس إلى "ريستور" ليصبح ثالث أكبر كتلة هناك. وخلافاً لـ"الاستقلال" الذي كان أعضاؤه في المعارضة، تقع بعض مغادرات "ريفورم" في مجالس يحكمها فعلاً، مما يهدد غالبيته هناك وليس الأرقام وحدها.
على المستوى الوطني يتقاطع النزف المحلي مع تراجع في نيات التصويت، فاستطلاع "يوغوف" لـ"التايمز" و"سكاي نيوز" في التاسع والعاشر من أغسطس وضع "ريفورم" عند 22 في المئة خلف "العمال" بـ24 في المئة وأمام "المحافظين" بـ21 في المئة، وهو أدنى مستوى مشترك للحزب منذ يناير (كانون الثاني) 2025. وترصد مؤسسة "إيبسوس" انحداراً مطرداً من ذروة 34 في المئة بلغت في سبتمبر (أيلول) 2025، فيما أظهر المؤشر المركب لوكالة "بلومبيرغ"، القائم على متوسط 14 يوماً لتسع مؤسسات، تعادل الحزب مع "العمال" عند نحو 24 في المئة بعدما تحسن أداء الأخير في عهد رئيس الوزراء آندي بيرنهام. وتربط "التلغراف" هذا التراجع مباشرة بكشف إخفاق فاراج في التصريح عن هبة بـ5 ملايين جنيه استرليني من الملياردير كريستوفر هاربورن، وهو ملف استؤنف التحقيق البرلماني فيه بعد فوز فاراج في انتخابات "كلاكتون" الفرعية في الـ13 من أغسطس.
النزاع الداخلي
النزاع الداخلي في "ريفورم"، الذي استندت إليه كيمي بادينوك، خرج إلى العلن في فصلين متتاليين. الأول حين وصف المتحدث باسم الحزب لشؤون الداخلية ضياء يوسف وزير الدفاع المحافظ السابق بن والاس بـ"الأحمق" و"الخائن" رداً على انتقاده سياسة إعادة المجرمين الأجانب إلى بلدانهم، فرد فاراج بأن الكلمة "أقوى مما ينبغي" وأن صاحبها سينال "توبيخاً". والثاني حين علق الحزب في الـ18 من أغسطس عضوية السياسي تيم مونتغمري، مؤسس موقع "كونزرفتف هوم" الذي انشق عن "المحافظين" إلى "ريفورم" عام 2024، على خلفية اتهامه بتزويد الصحف بمعلومات عن خلاف بين فاراج ويوسف، وهو ما ينفيه.
قال مصدر في الحزب لـ"التلغراف" إن تعليق مونتغمري تم وفق قواعد الحزب وأُبلغ به قبل بث حلقة "ذا سبكتيتور"، وإنه جاء بعد انتقادات علنية متواصلة للحزب استمرت شهوراً. أما مونتغمري فقال في تلك الحلقة إن فاراج يعاني "مشكلة مع النساء" ولا يرتاح إلى مقابلات الصحافيات، وإنه يحيط نفسه بمن يقولون له ما يريد سماعه، وإن نبرته بعد "فوز كلاكتون" كانت "غاضبة ومتظلمة"، وإن الحزب غير جاهز للحكم ولا لانتخابات مبكرة.
في تقرير نشرته "بلومبيرغ" في الـ22 من أغسطس الجاري، وصف ثلاثة من داخل الحزب التعامل مع مكتب فاراج بأنه فوضوي، ودعوا إلى تعيين رئيس ديوان محترف، بينما نفى شخص مقرب منه ذلك قائلاً إن بعض الأعضاء لم تعجبهم الإجابات التي تلقوها.
هنا يبرز دور الإعلام اليميني تحديداً، فصحيفة "التلغراف" عنونت في يوليو (تموز) "مقامرة فاراج تتحول مهزلة" ونقلت عن منتقدين وصفهم استقالته من البرلمان بأنها "سيرك" و"حيلة يائسة". وتحولت تغطية "التايمز" و"الصن" و"ديلي ميل" إلى نبرة قاسية بعد الأسئلة عن التمويل الذي تلقاه فاراج وحزبه منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2024، وقال محرر بارز إن فاراج تخلى عن بناء تأييد واسع لمصلحة مخاطبة قاعدته، وإن ما يفعله مأخوذ حرفياً من عالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعدما هدد فاراج بإحياء "تحقيق ليفيسون" في أخلاقيات الصحافة. وبيئة الإعلام اليميني هذه ليست هامشية بالنسبة إلى زعيم "ريفورم"، فهي التي منحته منصة دائمة سابقاً وصارت اليوم تمنح خصومه الداخليين المنصة ذاتها.
خيارات فاراج
السؤال اليوم يدور حول خيارات فاراج للخروج من مأزق يبدو أنه يكبر ككرة الثلج، نزف في الأعضاء، وفقدان للحاضنة الإعلامية، وتراجع في الشعبية. من الخيارات التي تطرح مع مشكلة، الاندماج مع المحافظين، ولكن هذه الفرضية تضيق شيئاً فشيئاً. فبادينوك لا ترفضها فحسب، بل تسوق دليلاً انتخابياً على عدم الحاجة إليها، إذ استشهدت وفق "التلغراف" بفوز داغلاس لومسدن بمقعد برلماني في اسكتلندا خلال يونيو (حزيران) بقرابة 50 في المئة من الأصوات، منتزعاً إياه من الحزب الوطني الاسكتلندي بحملة قامت على نفط بحر الشمال، وقالت إن انسحاب "ريفورم" هناك كان سيجعل الفوز منسوباً إليه لا إلى حزبها.
الرفض متبادل في الاندماج، إذ استبعدت النائبة المنشقة عن "المحافظين" سويلا برافرمان في حديث إلى الصحيفة نفسها، أي اتفاق مع حزبها السابق أو مع حزب "ريستور"، مؤكدة أن "ريفورم" هو الأداة الوحيدة التي ينبغي لأي شخص في اليمين أن يقف خلفها. ويضاف إلى ذلك أن إقالة بادينوك لروبرت جينريك في يناير 2026 وانشقاقه لصالح "ريفورم" بعد ساعات، أنهيا عملياً فرص أي صفقة، على رغم ضغط نواب محافظين نقلت عنهم "صنداي تلغراف" مطالبتهم بترتيب انتخابي لتفادي تقاسم الأصوات.
ثمة ثلاثة مسارات أمام فاراج لوقف تضعضع الحزب، الأول هو الانضباط: تعيين رئيس ديوان، وفرض محددات للخطاب، وفرز جدي للمرشحين المحليين. والحجة هنا أن قاعدة الحزب غير مستقرة، إذ أظهرت دراسة "يوغوف" الكبرى للناخبين لعام 2026 أن 29 في المئة فقط من مؤيدي الحزب يعتبرونه خيارهم الوحيد، وأن أربعة من كل 10 يفكرون في التصويت للمحافظين، وأن 73 في المئة ممن انتقلوا من المحافظين إليه منفتحون على العودة. الكلفة في هذا الخيار هي أن الانضباط يقضم الهوية التمردية التي جلبت هؤلاء أصلاً، وأن تعليق عضوية المنتقدين يثبت وصف الخصوم لا ينفيه.
الخيار الثاني هو التصعيد: حرب مفتوحة على الصحف والمؤسسات الرقابية، منطقه تثبيت النواة الصلبة وكلفته خسارة الحاضنة الإعلامية وتعميق الانكشاف أمام التصويت التكتيكي، أما الثالث فهو تفاهم صامت مع المحافظين في الدوائر لا في البيانات، ومنطقه حسابي بحت، وكلفته أنه يصطدم برفض علني من الطرفين ويدفع المتشددين نحو "ريستور".
الأرجح هو مسار الانضباط بغلاف خطابي تصعيدي. ومؤتمر الحزب في برمنغهام مطلع سبتمبر هو المسرح المرشح لهذا الإعلان، لكن الإشارة لن تكون في نبرة خطاب فاراج، بل في أمرين قابلين للقياس بعده: هل يعين رئيس ديوان محترفاً كما طلب مساعدوه؟ وهل يتوقف عداد المغادرين في المجالس المحلية عن الدوران أسبوعياً؟
المفارقة أن حزباً بني كله على الغضب من المؤسسة بات خلاصه في التحول إلى مؤسسة، لكن الحسم لن يقع في برمنغهام وحدها، بل في مكتب مفوض المعايير البرلمانية أيضاً، حيث استؤنف التحقيق في تمويل الزعيم فاراج فور انتهاء انتخابات كلاكتون.