ملخص
بعد ثمانية أعوام من الغياب، عادت ماجدة الرومي إلى المسرح الروماني في سهرة اختتام الدورة الـ60 من مهرجان قرطاج الدولي بأمسية أعادت الأغنية الكلاسيكية إلى قلب المشهد، وأكدت تمسك المهرجان بجانب من هويته الفنية.
قبل أن تنطلق النغمات الأولى، كانت مدارج المسرح الروماني قد امتلأت بآلاف المتفرجين الذين قصدوا قرطاج لحضور واحدة من أكثر سهرات الدورة الـ60 انتظاراً. لم يكن الحضور مجرد جمهور جاء ليستمع إلى فنانة عربية كبيرة، بل بدا وكأنه عودة إلى زمن ارتبط فيه مهرجان قرطاج بالأصوات التي صنعت ذاكرة الأغنية العربية.
وبعد ثمانية أعوام من الغياب، اختارت ماجدة الرومي أن تعود إلى المسرح الذي رافق أبرز محطاتها العربية، في سهرة أرادها منظمو المهرجان مسك ختام دورة استثنائية احتفت بمرور ستة عقود على انطلاق هذا الموعد الثقافي.
ولم تختلف الأمسية كثيراً عن الصورة التي رسختها الرومي طوال مسيرتها :حضور هادئ، وأداء يقوم على الكلمة واللحن، ورسائل إنسانية عن الحب والسلام، مع برنامج جمع بين أشهر أغانيها وثلاثة أعمال جديدة، إضافة إلى تحية للأغنية التونسية، في لفتة لاقت ترحيباً من الجمهور الذي ملأ مدارج المسرح.
عودة تحمل أكثر من معنى
لا يمكن قراءة عودة ماجدة الرومي إلى مهرجان قرطاج بمعزل عن العلاقة التي نسجتها مع هذا المسرح منذ ثمانينيات القرن الماضي. فالفنانة اللبنانية لم تكن يوماً اسماً عابراً في برمجة المهرجان، بل كانت واحدة من الأصوات التي ارتبطت بالدورات التي كرست قرطاج بوصفه منصة للفن العربي الرفيع، إلى جانب أسماء صنعت تاريخ الأغنية في المنطقة.
لذلك، بدا اختيارها لإحياء حفل اختتام الدورة الـ60 قراراً يحمل أكثر من دلالة. فمن جهة، هو احتفاء بمسيرة فنانة حافظت على موقعها خارج موجة الأغنية السريعة، ومن جهة أخرى، هو استعادة لجزء من هوية المهرجان في مناسبة رمزية تفرض العودة إلى الأسماء التي أسهمت في كتابة تاريخه.
وكشف الإقبال الجماهيري الكبير عن استمرار حضور الأغنية الكلاسيكية في الذائقة العربية، خلافاً لما توحي به هيمنة المنصات الرقمية والأغاني القصيرة. فقد أثبتت السهرة أن الجمهور لا يزال يقبل على هذا اللون الغنائي عندما يقترن باسم يمتلك رصيداً فنياً وتجربة ممتدة، وحين يجد في المسرح فضاءً يليق بهذا النوع من اللقاءات.
رهان على الأغنية الراقية
لم تكن الحفلة مناسبة لاستعراض التقنيات البصرية أو المؤثرات الضخمة التي أصبحت جزءاً من صناعة الحفلات، بل اختارت ماجدة الرومي أن يبقى الرهان على عناصرها التقليدية: الصوت، والكلمة، والأوركسترا.
هذا الخيار لا يعكس فقط أسلوب الفنانة، بل يطرح سؤالاً أوسع حول موقع الأغنية الكلاسيكية في المشهد العربي اليوم. ففي وقت تتجه فيه الصناعة الموسيقية إلى الإيقاع السريع والاستهلاك الرقمي، جاءت سهرة قرطاج لتؤكد أن هناك جمهوراً لا يزال يبحث عن الحفل بوصفه تجربة إنصات، لا مجرد عرض بصري.
وحرص الفنانة ماجدة الرومي على أداء مقاطع من التراث التونسي، إلى جانب كلماتها التي دعت فيها إلى الحب والسلام، منح الأمسية بعداً وجدانياً تجاوز حدود البرنامج الفني، ورسخ تقليداً دأبت عليه في لقاءاتها مع الجمهور التونسي، يقوم على مخاطبة المكان بلغته الموسيقية قبل تقديم رصيدها الغنائي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن الحفلة لم تخرج عن الإطار الفني المعروف للفنانة اللبنانية، فإنها أكدت أن المحافظة على الهوية الفنية لا تعني الجمود، بقدر ما تعني الإيمان بأن القيمة الفنية قادرة، حتى اليوم، على منافسة منطق السرعة الذي يحكم سوق الموسيقى.
قرطاج في عيده الـ60
لم تكن الدورة الـ60 مجرد مناسبة احتفالية في تاريخ مهرجان قرطاج، بل مثلت اختباراً جديداً لقدرته على المحافظة على شخصيته الثقافية في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الفني العربي. فمنذ تأسيسه عام 1964، ظل المهرجان فضاءً يلتقي فيه الفن الجماهيري بالأعمال ذات القيمة الفنية، وهي معادلة لم تعد سهلة في الأعوام الأخيرة.
ويبدو أن اختيار ماجدة الرومي لاختتام الدورة جاء ليؤكد هذا التوجه. فالمهرجان لم يكتف باستضافة اسم جماهيري، بل راهن على فنانة تمثل مدرسة موسيقية كاملة، في رسالة مفادها أن الاحتفال بـ60 عاماً من تاريخ قرطاج لا يكتمل إلا باستحضار الأصوات التي أسهمت في صناعة ذاكرته.
ولا يعني ذلك أن مستقبل المهرجان مرهون بالعودة إلى الماضي، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا التوازن بين الانفتاح على الأجيال الجديدة، وعدم التفريط في المعايير التي جعلت من قرطاج واحداً من أبرز المهرجانات العربية.
لذلك، يمكن النظر إلى سهرة ماجدة الرومي بوصفها أكثر من مجرد حفل اختتام: فقد كانت مناسبة لإعادة النقاش حول هوية مهرجان قرطاج في عقده السابع، وحول قدرة الأغنية العربية الراقية على الحفاظ على مكانتها في زمن تتغير فيه معايير النجاح الفني. وربما كانت هذه الرسالة هي الأهم التي خرج بها جمهور المسرح وهو يغادر مدرجاته في نهاية سهرة حملت كثيراً من الحنين، لكنها فتحت أيضاً باباً للتفكير في مستقبل أحد أعرق المهرجانات العربية.