ملخص
أعاد حفل الفنان الجزائري في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، طرح سؤال حول مكانة موسيقى الراي، وقدرتها على مقاومة الزمن في مشهد موسيقي يتغير بوتيرة متسارعة.
لم يحتَج الشاب خالد إلى أكثر من أغنية واحدة حتى تتحول مدارج قرطاج مساء أول من أمس الثلاثاء إلى جوقة جماعية. بدا وكأن الأعوام الـ10 التي فصلت بين حفله الأخير وعودته لم تكُن سوى استراحة قصيرة في علاقة لم تنقطع مع جمهور حفظ أغنياته عن ظهر قلب. ولم تكُن السهرة التي احتضنتها الدورة الـ60 لمهرجان قرطاج الدولي، مجرد عودة لفنان جزائري لأحد أبرز المهرجانات العربية، بل عودة لموسيقى الراي نفسها لركح قرطاج الذي ظل على امتداد عقود، فضاءً عبرت منه أهم التجارب الموسيقية العربية.
منذ الإيقاعات الأولى، بدا أن الجمهور لم يأتِ لاكتشاف أغنيات جديدة، بقدر ما جاء ليستعيد ذاكرة مشتركة صنعتها أعمال رافقت أكثر من جيل. وبين "ديدي" و"عايشة" و"عبد القادر" وغيرها من الأغنيات التي صنعت شهرة الشاب خالد داخل العالم العربي وخارجه، تحولت السهرة إلى احتفاء بموسيقى خرجت من غرب الجزائر لتصبح أحد أبرز التعبيرات الفنية في الفضاء المغاربي. لذلك لم يكُن السؤال في تلك الليلة متعلقاً بالشاب خالد وحده، بل بمصير الراي نفسه، كيف استطاع هذا اللون الموسيقي أن يحافظ على حضوره، على رغم التحولات العميقة التي شهدها الذوق الفني وصناعة الموسيقى خلال العقود الأخيرة؟
من الهامش إلى العالم
لم يولد الراي في المسارح الكبرى، بل خرج من الأزقة الشعبية في وهران وسيدي بلعباس، حيث كانت الأغنية انعكاساً للحياة اليومية، ولغة للتعبير عن الحب والهجرة والاحتجاج والأمل. كان فناً قريباً من الناس، بعيداً من المؤسسات الثقافية، مما منحه عفويته وقدرته على التجدد.
ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، بدأ الراي يدخل مرحلة جديدة مع جيل من الفنانين الشباب الذين سعوا إلى تحريره من صورته التقليدية وإدخال آلات موسيقية وإيقاعات حديثة عليه. وكان الشاب خالد الاسم الأبرز في هذا التحول، إذ لم يتعامل مع الراي بوصفه تراثاً جامداً تنبغي المحافظة عليه كما هو، بل باعتباره موسيقى قادرة على الحوار مع العالم. وحين حققت أغنيات مثل "ديدي" انتشاراً عالمياً، ثم جاءت "عايشة" لتكرس حضوره خارج العالم العربي، لم يكُن النجاح نجاحاً لفنان واحد فقط، بل اعترافاً بموسيقى مغاربية استطاعت أن تتجاوز حدودها الجغرافية. ومنذ ذلك الحين، لم يعُد اسم الشاب خالد منفصلاً عن الراي، بل أصبح أحد أهم وجوهه، حتى غدا لقب "ملك الراي" أقرب إلى توصيف لمسيرة طويلة، لا إلى لقب إعلامي عابر.
ذاكرة تستعيد إيقاعها
في قرطاج، لم يكُن الجمهور مجرد متلقٍ، بل كان جزءاً من العرض نفسه. فمنذ اللحظات الأولى، راحت آلاف الأصوات تردد الأغنيات قبل أن ينطق بها صاحبها، في مشهد بدا فيه الحنين البطل الحقيقي للسهرة. لم يراهن الشاب خالد على عنصر المفاجأة، بل اختار أن يبني حفله على الأغنيات التي صنعت ذاكرة جمهوره. كانت تلك الأعمال كافية لتعيد وصل ما انقطع بين الفنان وقرطاج بعد عقد كامل، ولتؤكد أن بعض الأغنيات لا تنتمي إلى زمن محدد، بل تتحول مع مرور الأعوام إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك، عكست السهرة طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط الشاب خالد بالجمهور التونسي. ولم يكُن توشحه بالعلمين التونسي والجزائري، وتوجيهه التحية إلى البلدين، ثم حديثه عن وحدة شعوب المغرب العربي، مجرد لفتة احتفالية، بل استعادة لروح ثقافية لطالما حملتها الموسيقى أكثر مما حملتها الخطابات السياسية. ففي لحظات كثيرة، بدا أن الأغنية قادرة على اختصار ما تعجز عنه الكلمات، وأن الراي ما زال يحتفظ بقدرته على صناعة مساحة وجدانية مشتركة بين شعوب المنطقة.
حارس ذاكرة الراي
شهد المشهد الموسيقي العربي خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة، إذ فرضت المنصات الرقمية معايير جديدة للنجاح، وصعدت أنماط مثل الراب والتراب لتصبح الصوت الأقرب إلى شرائح واسعة من الشباب. وفي ظل هذه التحولات، تراجع حضور كثير من نجوم التسعينيات، بينما اختار آخرون إعادة إنتاج أنفسهم وفق شروط السوق الجديدة.
أما الشاب خالد، فبدا وكأنه اختار طريقاً مختلفاً. لم يحاول منافسة الأجيال الجديدة في لغتها الموسيقية، ولم يتخلَّ عن هويته بحثاً عن رواج سريع، بل ظل متمسكاً بالمشروع الفني الذي صنع اسمه، مؤمناً بأن الموسيقى التي تمتلك جذوراً اجتماعية وثقافية عميقة قادرة على البقاء، حتى إن تغيرت وسائل انتشارها. ولعل هذا ما أكدته سهرة قرطاج. فالفنان الذي ينجح، بعد أكثر من 40 عاماً من انطلاقته، في أن يجعل آلاف الحاضرين يغنون معه الأعمال نفسها التي صنعت مجده، لا يعيش على أمجاد الماضي بقدر ما يؤكد أن أثره لا يزال حاضراً. فالقيمة الحقيقية للفنان لا تقاس بعدد الأغنيات الجديدة التي يصدرها، بل بقدرته على أن يحول أعماله إلى ذاكرة مشتركة تتناقلها الأجيال.
لم تكُن عودة الشاب خالد لقرطاج مجرد موعد فني ناجح ضمن مهرجان صيفي، بل كانت تذكيراً بأن بعض الأنماط الموسيقية تتجاوز أصحابها لتصبح جزءاً من هوية ثقافية كاملة.
على مسرح قرطاج، لم يكُن الراي يستعيد ماضيه، بل كان يؤكد أنه لا يزال يملك مكاناً في الحاضر، وأن الموسيقى التي خرجت يوماً من أحياء وهران الشعبية لا تزال قادرة، بعد عقود، على أن تملأ الركح بالغناء، وأن تجمع حولها جمهوراً يختلف في العمر، لكنه يتفق على ذاكرة صنعتها الأغنية.