Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عذرا ابنك ما تحمل ضرب"... غضب واسع بعد مقتل سوري تحت التعذيب

قرعت منظمات حقوقية وناشطون في مجال حقوق الإنسان جرس الإنذار حيال التعديات التي تشهدها مراكز الاحتجاز من أفراد الشرطة والعناصر الأمنية

يطالب المجتمع السوري بمحاسبة المتورطين ومنع الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز (أ ف ب)

ملخص

رصد تقرير انتهاكات في الفترة بين يونيو من عام 2025 ويونيو 2026، وتضمن 19 شهادة لناجين من الاحتجاز والتعذيب داخل مراكز الاعتقال.

ارتدت قضية مقتل شاب داخل مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة في سوريا إلى استياء عارم من الانتهاكات التي يتعرض لها الموقوفون داخل السجون، لا سيما وأن انتفاضة السوريين على نظام الأسد الذي سقط قبل عام ونصف عام، كان أحد أسبابها متعلقاً بممارسات العنف والقبضة الأمنية التي حكمت بها تلك العائلة لأكثر من خمسة عقود، اليوم يجد المجتمع نفسه أمام السيناريو ذاته يتكرر وإن اختلفت الوجوه.

حكاية "غميرة"

في الأثناء لا تزال التحقيقات جارية حيال قضية وفاة الشاب محمد حسام غميرة تحت التعذيب أثناء توقيفه في مخفر شرطة يتبع لقسم منطقة الحفة الواقعة في ريف اللاذقية غرب سوريا، وقد سارعت وزارة الداخلية إلى تشكيل لجنة تحقيق في ملابسات موته بعد إسعافه من المركز، وقد أوقفت سبعة أشخاص على خلفية تورطهم بالحادثة، ومنح في الوقت ذاته وزير الداخلية أنس خطاب مهلة 72 ساعة لإنجاز لجنة التحقيق مهماتها والكشف عن ملابسات وظروف الوفاة.

لجنة التحقيق التي يترأسها معاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية اللواء محمد لطوف، تمارس عملها على مدار الساعة من دون أي تعليق إلى الآن من جانبها، بينما قال الوزير الخطاب "أي تجاوز يصدر عن عناصر وزارة الداخلية، سيواجه بحزم وفق القوانين والإجراءات المعمول بها"، ولوح في تدوينة لها على منصة "إكس" بمعاقبة كل مخالف فور استكمال التحقيقات.

بدوره، نعى وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح الشاب غميرة يوم الأحد، في الـ16 من أغسطس (آب) عقب أيام قضاها في العناية المشددة بعد تدهور صحته بصورة حادة، ومفارقته الحياة إثر مضاعفات نزف دماغي، ونزف في الجهاز الهضمي بعد تعرضه للضرب إثر احتجازه لما يقارب ثلاثة أيام، على خلفية قضية نزاع مالي بحسب ما جاء على لسان أحد أفراد الأسرة، وأعلن شقيق الشاب المتوفى مصطفى غميرة عن مراجعته المخفر، وأعلم العناصر أن شقيقه مصاب بمرض الناعور أو (الهيموفيليا).

وعمل الشاب محمد حسام غميرة (29 سنة) متطوعاً في الدفاع المدني، وتوفي والده في معارك ضد نظام الأسد في الغوطة بريف العاصمة دمشق، وقد أكد عم المتوفي الطبيب عصام غميرة أن أسرة الشاب تواصلت مع المخفر وشرحت ظروف حالته الصحية، ورأى أن الحادثة جاءت نتيجة سلوك فردي من أحد العناصر.

قضية وفاة الشاب غميرة تحت التعذيب بمركز احتجاز أمني لاقت أصداء واسعة في الشارع السوري، ودعا الناشطون ورواد التواصل الاجتماعي إلى التضامن مع أسرة الضحية، وأطلقوا حملة (# أنا التالي) ظهر فيها ناشطون كتبوا لافتات "أنا التالي، رح يقولوا لأمي ما تواخزينا، ابنك ما تحمل ضرب"، ونشروا صوراً لأنفسهم وهم يرفعونها.

التعذيب تحت الاحتجاز

في غضون ذلك، قرعت منظمات حقوقية وناشطون في مجال حقوق الإنسان جرس الإنذار حيال قضايا التعذيب في مراكز الاحتجاز والانتهاكات المتزايدة من أفراد الشرطة والعناصر الأمنية. ومن باب المصادفة، سبق حادثة وفاة الشاب غميرة بأيام نشر منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" تقريراً عنونته "استمرار التعذيب وإعادة إنتاج آلة العنف بعد الأسد"، أوصى السلطات الانتقالية باتخاذ تدابير عاجلة وفعالة لمنع التعذيب وإغلاق مراكز الاحتجاز غير الرسمية، والتحقيق المستقل في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين وجبر ضرر الضحايا وأسرهم من دون تمييز.

التقرير الذي جاء بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع مركز "سيزفاير" لحقوق المدنيين، رصد حالة انتهاكات في الفترة بين يونيو (حزيران) من عام 2025 ويونيو 2026، وتضمن 19 شهادة لناجين من الاحتجاز والتعذيب داخل مراكز الاعتقال، كذلك وثق التقرير أشكالاً من العنف والتعذيب الجنسي شملت التهديد باغتصاب أفراد من الأسرة واللمس والاعتداء الجنسي والإهانات ذات الطابع الجنسي.

وذكر تقرير "سوريون" الذي صادف نشره يوم الـ13 من أغسطس (أب) الجاري، أي قبل أيام فقط من حادثة مفارقة الشاب غميرة الحياة، عن استخدام الزوجات والأطفال في بعض الوقائع وسيلة للضغط على المحتجز وإخضاعه، كذلك أظهرت الشهادات أن الهوية الطائفية أو الإثنية أو السياسية والعمل أو الخدمة العسكرية السابقة والمنطقة التي ينحدر منها الشخص ومحتويات الهواتف المحمولة، استخدمت أساساً للاشتباه والعقاب.

وعن حالات الوفاة التي وقعت داخل أماكن احتجاز تابعة لجهات مختلفة، أبلغ بعضها الأسر بأن الوفاة نتجت من حالة صحية بينما قالت أسر أخرى إنها شاهدت إصابات أو علامات على الجثامين عدتها دليلاً على تعرض أصحابها للعنف، ومع غياب تقارير طبية مستقلة لا يمكن الجزم بالسبب الطبي للوفاة في كل حالة، لكن وقوع الوفاة في عهدة الجهة المحتجزة واقترانها بادعاءات جدية بالتعذيب يرتبان التزاماً بإجراء تحقيق فوري ومستقل وشفاف، وفق التقرير الحقوقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الاحتجاز والموت

ويصف المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد ما حدث بأنها ليست حالة أولى، بل سبقها كثير من الحالات وثقتها المنظمة لحالات تعذيب، ولن تكون الأخيرة في حال استمرار هذا النهج.

وفي معرض رده حول قضايا التعذيب، طالب بضرورة التعامل مع أسبابها الأساسية ومنها الإفلات من العقاب، وتابع في تصريح خاص "معظم الوفيات التي جرى تسجيلها منذ سقوط النظام وحالات التعذيب لم تلحظ أية محاسبة، وهذا ما أعطى للعناصر شعوراً بالإفلات من العقاب، مما يعزز الانتهاكات والتعديات. اليوم نتحدث عن عشرات الحالات، ولكن هذه ربما الحالة الأولى أو الثانية التي تعامل معها الرأي العام بطريقة جدية، ولو هذه الجدية كانت أساساً موجودة بعد سقوط النظام، لما كانت هناك انتهاكات كالتي حصلت في بعض المناطق".

كذلك طالب الأحمد بوضع حد من خلال محاسبة العناصر بصورة شفافة وتوقيف كل المسؤولين عنها سواء من معارضي أم موالي الحكومة، ويعتقد أنه لما سقط النظام تخلى جزء من المجتمع عن الدور الرقابي وجزء من المنظمات أشاحت بنظرها عن الانتهاكات وأيضاً غيرت كثير من المنظمات وجهة نظرها.

وأضاف "نحن نحاول أن نقول إن دور المنظمات الحقوقية مهم في توثيق الانتهاكات والعمل على تحقيق العدالة، حتى هذه التجاوزات تتوقف، وننتقل إلى الإصلاح القضائي والمحاسبة والمساءلة، لقد سقط نظام الأسد ومعه جزء من المجتمع المدني تماهى مع السلطة".

ويسرد مدير منظمة "سوريون" أنه مع تفاقم العنف في الحياة العامة فإن المنظمة التقطت إشارات مقلقة عن ممارسات غير طبيعية، ومنها حالات تعذيب وعنف، مما يعيدنا لفترة الأسد، على حد قوله.

في مقابل ذلك، يستنكر ناشطون في مجال حقوق الإنسان ما حدث ويصفون الأمر بـ"المؤسف" بعد كل ما بذله السوريون من أجل "الحرية والكرامة"، ولكن في الوقت ذاته يعدونها تصرفات فردية يتحمل أشخاص محددون مسؤولية حالات التعذيب الحاصلة.

وكانت الحكومة السورية عملت على تشكيل لجنة تحقيق في أحداث الساحل والسويداء، وجمعت الأدلة التي توثق حالات انتهاك وصفتها بالفردية من عناصر من جهازها أو موالين لها، وأحالتهم للمحاكمة، يأتي هذا كله مع تنامي الخوف على مصير بقية الموقوفين، لا سيما مع انتشار العنف المفرط والسلاح وتفشي خطاب الكراهية في المجتمع السوري.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات