ملخص
يرى المستعرب البوسني محمد كيتسو أن نظرية الترجمة بالمعنى الحديث في العالم العربي بدأت في غضون الاتصال مع الغرب في القرن الـ18، تعبيراً عن الرغبة في الخروج من العزلة عن العالم، التي استمرت قروناً عدة تحت حكم المماليك والعثمانيين بعد انهيار الدولة العربية القوية الموحدة التي كثيراً ما أسهمت في نهضة أوروبا عبر الترجمة.
في كتابه "دراسات في نظرية الترجمة في ضوء الخبرات باللغة العربية" الصادر باللغة البوسنية عن كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، يذهب الأكاديمي البوسني محمد كيتسو إلى أنه حينما كان العرب في ذروة القوة المادية والثقافية، كانوا يبدعون ثقافة في غاية الثراء، بعدما نجحوا في تقبل سمات الثقافات السومرية والآكادية والمصرية والهيلينية وغيرها، ونقلوا تأثيراتها إلى أوروبا القروسطية. ومحمد كيتسو (1949 - 2018) اشتهر بترجماته لروايات عدة لنجيب محفوظ، منها "ثرثرة فوق النيل" و"خان الخليلي" و"اللص والكلاب" و"المرايا" و"حضرة المحترم". وترجم أيضاً رواية "أحياء في البحر الميت" للأردني مؤنس الرزاز. ومن أشهر كتبه: "فقه اللغة العربية" و"اللغة البوسنية والناطقون بها" و"لمحة في حياة ومؤلفات نجيب محفوظ".
ووفقاً لكتاب "دراسات في نظرية الترجمة في ضوء الخبرات باللغة العربية" الذي ترجمه جمال الدين سيد محمد إلى العربية لحساب المركز القومي للترجمة (مصر) فإنه لا يوجد شعب في القرون الوسطى أسهم في تقدم البشرية مثلما فعل العرب والشعوب المتحدثة باللغة العربية. وبقدر عدم إغفال أفضال العرب في مجال الترجمة في النهضة الأوروبية، فإنه ليس من العسير ملاحظة أنه قد تم التشديد عليها بهدف إبراز أن العرب قاموا فحسب بالوساطة بين المجتمعات الشرق أوسطية وأوروبا، دون أن يقدموا مساهمتهم الفكرية الخاصة، على رغم أهميتها.
العصر الذهبي
ويذهب كيتسو إلى أنه على أساس مؤشرات التقدم الشامل في حقبة العباسيين، وبناءً على ميل المستشرقين إلى تحليل التاريخ الثقافي وفقاً للقوالب السياسية، فإنهم قاموا بتحديد العصر الذهبي للترجمة لدى العرب بالفترة الوسطى من حكم العباسيين، على رغم أنه إلى حين بدايات العصر العباسي كانت توجد مؤلفات مهمة كثيرة باللغة العربية. ولكن تنبغي ملاحظة أن المؤلفات الأصلية للعظماء في مختلف مجالات العلوم ارتبطت – كما يؤكد المؤلف - بالعقود الأخيرة من الخلافة العباسية. وعلى رغم أن أهمية التراث الإغريقي بالنسبة إلى تطور العلوم العربية كانت كبيرة، فإن العلم العربي لم يكن فحسب مستودعاً متحفياً للمعارف العلمية الإغريقية، فقد كان وسيطاً لنقلها إلى ورثتها الأوروبيين، بحسب كيتسو.
وعلى نحو مماثل للظاهرة السائدة في أوروبا، كانت توجد أيضاً لدى المفكرين العرب على التوازي، طريقتان للترجمة في التناول النظري، وكذلك في التناول العملي للمسائل المرتبطة بها، بدءاً من عصر الخليفة المأمون وحتى وقتنا الحالي تقريباً. وبالنسبة إلى العارفين بالأحوال التي بدأت فيها الترجمة لدى العرب ليس من العسير التيقن من أن الترجمة الحرفية في أعمال يوحنا بن البطريق وابن ناعمة الحمصي، كانت تجابه الترجمة الحرة لدى حنين بن إسحاق وأتباع مدرسته الشهيرة.
وفي تطور الترجمة خلال العصر الحديث، يذكر المؤرخون انفتاح مصر عقب الحملة الفرنسية (1798 – 1801) أمام تأثيرات العلوم الحديثة واللغات الأوروبية، وخصوصاً الفرنسية، خلال عهد محمد علي (1805 – 1848) الذي أرسل بعثات إلى باريس لتلقي التعليم الحديث، وأنشأ مدرسة الألسن. ومنذ ذلك الحين تحفظ أسماء كثيرين ممن يعود لهم الفضل في النهضة الثقافية العامة. ففي مجال الترجمة برز اسم رفاعة الطهطاوي الذي عينه محمد علي مديراً لقسم الترجمة في مدرسة الطب، واسم فارس الشدياق المتميز في ترجمة وتعريب المصطلحات العلمية والتقنية.
وتم من طريق الترجمة تقريب الإنجازات الأوروبية للعرب، ولاحت معها أيضاً ضرورة تحديث اللغة العربية الفصحى. وفي هذا المضمار كان للصحافة والترجمة أفضال خاصة. ووفقاً لتأكيدات سعيد بدوي فإن اللغة المعاصرة التي كانت تترعرع في أحضان الترجمة لم تحتل مكان اللغة الفصحى، بل كانت تستلهم منها وكذلك من اللغة الشعبية، وأصبحت موازية لها بحيث أخذت تتنافس معها وتكملها. وعلى رغم أنه لم تكن قد تهيأت الظروف بعد للحديث عن نظرية الترجمة، فإنه من خلال مقالات المترجمين والأدباء، يمكن استخلاص استنتاجات عن مكانة الترجمة في إطار النهضة، وكذلك عن الرؤى في شأن فرضيات الترجمة الجيدة.
ويمكن للانطباعات العامة أن تكون أكثر تطابقاً مع آراء دريدا عن الترجمة في دول غرب أوروبا، وهذا يعني أنه كان من المتوقع من القارئ العربي أن يبتعد أكثر ما يمكن عن اللغة الشعبية (الدارجة) خلافاً لأسلوب مارتن وإ. دوليه، اللذين كانا يسعيان من طريق الترجمة من أجل تدعيم اللغة الشعبية باعتبارها اللغة القومية. وعندما قام عباس محمود العقاد بمدح ترجمات المازني والمنفلوطي لمؤلفات من الآداب الأوروبية بالذات، لأنها من عمل أدباء ممتازين، فقد كان يتوقع أنه سيرحب بقراءتها القراء أنفسهم الذين يقرأون للكتاب المتميزين: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، على سبيل المثال.
وكدليل على مضي عملية التعريب في نطاق عمليات متشعبة من التبادل الثقافي يتم في الوقت الحاضر في المفردات اللغوية الموجودة، الاستمرار في تداول عدد كبير من الكلمات الأجنبية التي ترجع أصولها إلى اللغة العربية. وعلى رغم حقيقة أنه من بين الكلمات الأجنبية الموجودة في لغة البشانقة والكروات والصرب التي يرجع أصلها إلى اللغات الشرقية، يأتي نصفها من اللغة العربية، وتسمى جميعاً "الكلمات التركية". ومن إجمال قدره نحو 6500 كلمة أجنبية تتضمنها الطبعة الأولى من قاموس شكاليتش أثبت توفيق موفتيتش صاحب أول قاموس عربي بوسني أن نحو 3800 كلمة منها هي ذات أصل عربي. ويذهب فهيم ناميتاك إلى أنه يوجد في اللغات السلافية ما يزيد على 10 آلاف كلمة يرجع أصلها إلى اللغات الشرقية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إذا نظرنا إلى تاريخ الفكر العلمي لدى مختلف الشعوب، يمكن ملاحظة نقاط تشابه لا تحصى، ولكن على نحو مماثل، فإن لكل شعب مفاهيم خاصة تميزه. وفي ما يتعلق بعلم اللغة العربية هناك رأي راسخ بأنه تطور تحت تأثيرات مزعومة من علمي المنطق الإغريقي والنحو الهندي. ومن العسير إنكار النظريات في شأن التأثيرات الخارجية، ولكن يستحيل دحض احتمال أن تجري مبالغة بلا داع في إبراز تلك التأثيرات.
وفي أبحاث التاريخ العام للعرب تم إعطاء أهمية لترجمة المؤلفات من اللغات الأخرى، في ضوء وساطة اللغة العربية بين الفكر الإغريقي والعلوم الأوروبية الحديثة. إلا أنه في آفاق رحيبة بهذه الصورة ظلت المسائل المتعلقة بالاتصالات المتبادلة بين مختلف اللغات غير ملحوظة تقريباً. ونتيجة لذلك لم يكن ممكناً أيضاً ملاحظة أفضال التقاليد اللغوية العربية على تطور الفكر اللغوي الحديث في العالم (ص 204).
وكانت الأبحاث في مجال علم اللغة مركبة أكثر مما كانت في التقاليد القديمة، وكانت تنطلق مع حدوث مجادلات بين علماء النحو وعلماء المنطق في شأن المسائل المعقدة التي ظهرت أثناء الترجمة إلى اللغة العربية. ولكن حتى مؤلفات الفلاسفة العرب البارزين ذات الإلهام الهليني التي يرجع إليها الفضل في تصالح علم النحو مع علم المنطق ومساهمته في أن يكثف الفكر التقليدي العربي لذاته إنجازات فكر الجماعات المجاورة. فعلى رغم إحاطتها العرضية بفلسفة اللغة، لم تقم بعرض رؤية واضح لأسس علم اللغة. وعلى رغم أن النهضة الأوروبية لم تصبح ممكنة إلا بعدما تم تقبل الأعمال المحفوظة باللغة العربية في ترجمتها أو في مؤلفها الأصلي، فإن آراء بعض باحثي أوروبا الغربية تبين صعوبة التغلب على الأحكام المسبقة.
كان بالإمكان أن يكون البحث الفلسفي للغة قريباً من الأوروبيين، لأنهم كانوا على معرفة منذ فترة طويلة للغاية بمذهب الفارابي عن اللغة الذي كان يمكن أن يخدم كمنطلق للأبحاث الفلسفية الأصلية للغة، وكان بالإمكان أن تكون رؤى الفارابي في شأن أهمية فقه اللغة في نطاق الفكر التقليدي معروفة بالنسبة إلى أوروبا في القرن الـ12 لأن مؤلفاته كانت تترجم في ذلك الحين. الاختلاف بين اللغة العربية خلال القرن الثامن وبينها في القرن الـ21 أقل على نحو لا يقارن بمثله في أي لغة أوروبية في الفترة الزمنية نفسها.