ملخص
تحذيرات بريطانية تكشف أخطاراً متزايدة من مخططات استثمارية احتيالية، وسط تدقيق في دور البنوك وحجم الخسائر التي تكبدها آلاف المستثمرين.
حذرت "هيئة السلوك المالي البريطانية" (FCA) البنوك والمؤسسات المالية بضرورة توخي مزيد من الحذر تجاه أخطار استخدام الشركات غير المنظمة لخدماتها في "تسهيل الجرائم المالية"، في وقت تتزايد التساؤلات حول تعامل بنوك كبرى مع شركات استثمارية، ارتبطت بمخططات احتيال واسعة النطاق.
وأصدرت الهيئة الأسبوع الماضي تحذيراً إلى الشركات الخاضعة للرقابة، دعتها فيه إلى إجراء عمليات العناية الواجبة وفهم طبيعة أعمال الشركات التي تتعامل معها، إذ تشير تحقيقات إلى أن بنك "نات وست" واصل استقبال أموال مستثمرين لحساب شركة غير منظمة، يُعتقد الآن أنها كانت جزءاً من مخطط احتيالي بقيمة 250 مليون جنيه إسترليني (338.8 مليون دولار)، وذلك مدة سبعة أشهر في الأقل، بعدما أحالت الهيئة الرقابية القضية إلى شرطة مدينة لندن، ولم يتوقف الحساب عن استقبال الأموال حتى بعد اعتقال مسؤولي مجموعة "79ث غروب"، وفق ما أظهرت المعلومات المتاحة.
وتعد هذه الواقعة واحدة من مؤشرات تحذيرية عدة كان يفترض أن تثير تساؤلات حول المجموعة التي كانت تقدم استثمارات قائمة على ما يعرف بـ "سندات القروض"، وهي أدوات استثمارية مرتبطة بمشاريع عقارية وأصول أخرى.
مليارات الجنيهات معرضة للخطر
ولا تقتصر القضية على بنك "نات وست"، إذ تواجه بنوك أخرى، بينها "لويدز" و"باركليز"، تدقيقاً في شأن تعاملها مع مخططات مماثلة، وتقدر قيمة الأموال التي وضعها المستهلكون في عشرات مخططات سندات القروض غير المنظمة بمليارات الجنيهات، وهي استثمارات غالباً ما تعد بعوائد مرتفعة، لكنها قد تفتقر إلى هياكل حوكمة قوية أو تخضع لرقابة محدودة أو معدومة، وفي بعض الحالات تعرّض عشرات الآلاف من المستثمرين لخسائر ضخمة غيرت حياتهم، وقد تنوعت الأصول التي قالت هذه المخططات إنها تستند إليها، من العقارات وتمويل الدعاوى القضائية إلى الذهب والويسكي والأعمال الفنية والعملات المشفرة، وبدأت هذه المخططات تكلف القطاع المصرفي البريطاني مبالغ كبيرة أيضاً، إذ تلزم قواعد الاحتيال المرتبطة بالمدفوعات المصرح بها من الضحية، مؤسسات الدفع بإعادة الأموال لضحايا بعض عمليات الاحتيال، فيما يحذر متخصصون في القطاع من أن خسائر البنوك قد تتفاقم، مع انهيار مزيد من مخططات سندات القروض.
"نات وست" ومجموعة "79ث غروب"
وكانت مجموعة "79ث غروب" قد جذبت آلاف المستثمرين من بريطانيا وخارجها، قبل أن تنهار وتدخل الإدارة القضائية في أبريل (نيسان) 2025، بعد شهرين من إعلان شرطة مدينة لندن فتح تحقيق في "احتيال واسع النطاق" مشتبه فيه، في وقت ينفي مسؤولو المجموعة ارتكاب أية مخالفات، وكانت المجموعة قد واجهت مشكلات مع مصرفها السابق، والذي يُعتقد وفقاً لصحيفة "تايمز" بأنه بنك "سانتاندر"، في عام 2020، قبل أن تستحوذ على شركة صغيرة في ساوثبورت بمقاطعة ميرسيسايد تدعى "ويتيفر ديفيلوبمنتس"،
وكانت للشركة علاقة مصرفية طويلة الأمد مع بنك "نات وست" الذي كان يحتفظ بحق ضمان على الشركة منذ عام 2005، وفق سجلات الشركات، وبعد الاستحواذ تغير اسم الشركة إلى "79ث غروب كلاينت"، وانتقلت من شركة لم يكن لديها موظفون أو أصول، وفق آخر حساباتها قبل الاستحواذ، إلى كيان يعالج نحو 110 ملايين جنيه إسترليني (149 مليون دولار) من أموال المستثمرين، نيابة عن مجموعة "79ث".
وبعد بضعة أشهر من إتمام الصفقة عام 2021، حثت "79ث" المستثمرين المحتملين على تجاهل تحذيرات وصفتها بأنها كاذبة، بعدما قالت بنوك إن العوائد التي كانت المجموعة تعلن عنها غير قابلة للتحقيق أو احتيالية، وزعمت المجموعة آنذاك أن البنوك "تحاول إقناع عملائها بعدم سحب مدخراتهم الخاصة"، وعلى رغم تلك التحذيرات واصل بنك "نات وست"، الذي أصبح المصرف الرئيس الذي يستقبل أموال المجموعة، معالجة التحويلات المالية الخاصة بالمخطط.
تحذيرات متتالية
كذلك تواصلت المؤشرات التحذيرية خلال الأعوام التالية، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أبلغ مصرف "آي إن جي" الهولندي أحد عملائه بأن حساب "79ث غروب كلاينت" معروف لديه باعتباره حساباً "يُستخدم في حالات احتيال"،وقال مصرف "آي إن جي" إنه أبلغ جميع الأطراف المعنية، ومن بينها بنك "نات وست"، بشكوكه، لكنه لم يوضح متى أرسل هذا التحذير، ومع ذلك واصل المستثمرون ضخ الأموال في المجموعة، وتشير سجلات معاملات اطلعت عليها صحيفة "تايمز" إلى أن حساب "79ث غروب كلاينت" لدى "نات وست" ظل يستقبل أموالاً من مستثمرين أفراد حتى الـ 17 من مارس (آذار) 2025، وكانت "هيئة السلوك المالي البريطانية" أبلغت شرطة مدينة لندن بمخاوفها حول المجموعة قبل ذلك بأشهر عدة، ففي سبتمبر (أيلول) 2024، وافقت شرطة مدينة لندن، التي تتولى دور القوة الوطنية الرئيسة للتحقيق في جرائم الاحتيال المالي، على فتح تحقيق بعد إحالة القضية إليها من الهيئة في الشهر السابق، وظل الحساب نشطاً حتى بعد اعتقال أربعة أشخاص على صلة بالمجموعة في فبراير (شباط) 2025، ضمن التحقيق الذي وصفته الشرطة آنذاك بأنه يتعلق بـ "احتيال واسع النطاق مشتبه فيه".
وأظهرت سجلات التعاملات، وفق المعلومات المتاحة، مؤشرات عدة مثيرة للقلق، من بينها عدم وجود أدلة واضحة على نشاط تجاري طبيعي، وتحويل أموال المستثمرين بسرعة إلى حسابات تابعة لأطراف مرتبطة بالمجموعة، وحدد مسؤولو الإدارة القضائية 100 حساب مصرفي مرتبط بالمجموعة، مع وجود مبالغ كبيرة من أموال المستثمرين يجري تحويلها بين هذه الحسابات.
من جانبه، رفض بنك "نات وست" الإجابة عن أسئلة حول القضية، وقال متحدث باسمه إن "المصرف لا يعلق على حالات محددة، لكنه يعمل بنشاط مع القطاع وجهات إنفاذ القانون والجهات الرقابية لمكافحة الجرائم المالية والاحتيال، بما في ذلك الاحتيال الاستثماري"، فيما تدرس شركة "ريتشاردسون هارتلي لو" المتخصصة في استرداد أموال ضحايا قضايا سندات القروض، اتخاذ إجراءات قانونية ضد بنك "نات وست"، باعتباره المصرف الذي استقبل أموال مجموعة "79ث".
مستثمرون يطالبون بإجابات
ومن بين المتضررين بول ريوردان، وهو مستشار بريطاني في هندسة الصناعات الدوائية يقيم في بلجيكا، وتبلغ أمواله المعرضة للخطر نتيجة انهيار مجموعة "79ث" نحو 100 ألف يورو (115.8 ألف دولار)، وقال ريوردان إن مؤشرات الخطر التي أخفق بنك "نات وست" في التعامل معها "غير مقبولة"، متسائلاً عن سبب عدم تجميد الحسابات إلا بعد مرور شهور، على رغم أن الهيئة الرقابية كانت قد شعرت بقلق كاف لإحالة القضية إلى الشرطة، مضيفاً أن المستثمرين "بحاجة إلى إجابات"، بينما رفضت "هيئة السلوك المالي البريطانية" التعليق على ما إذا كانت قد أبلغت بنك "نات وست" مباشرة بمخاوفها من المجموعة.
"لويدز" ومخطط "غودوين كابيتال"
بدوره، يواجه بنك "لويدز بانكينغ غروب" بدوره تدقيقاً حول علاقته بمخطط بارز آخر لسندات القروض، فقد كان البنك الجهة المستقبلة لنحو 160 مليون جنيه إسترليني (216.8 مليون دولار) جمعها "غودوين كابيتال" من المستثمرين، في مخطط يُتهم بأنه عملية احتيال من نوع "بونزي"، وهي عملية احتيال استثمارية تعد الضحايا بأرباح مالية كبيرة وسريعة بأخطار قليلة جداً،
ولا يجري استثمار الأموال حقيقة، بل يدفع المحتال الأرباح للمستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد حتى ينهار النظام، عندما يتوقف تدفق الأموال الجديدة، ومن المتوقع أن يسترد نحو 2500 مستثمر ما يقارب خمسة بنسات (6.8 سنت) وحسب، في مقابل كل جنيه إسترليني (1.3 دولار) استثمروه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير التحقيقات إلى أن نحو 35 مليون جنيه إسترليني (47.4 مليون دولار) من أموال المستثمرين ذهبت إلى مروجين من أطراف ثالثة في صورة عمولات، يُزعم أنها لم تُفصح عنها، وقد جُمدت أصول مديري "غودوين" في دعوى بقيمة 155 مليون جنيه إسترليني (210 ملايين دولار) تتضمن اتهامات بسوء الإدارة والتداول الاحتيالي وانتهاك الواجبات الائتمانية، واُستخدمت العلاقة بين "غودوين" وبنك "لويدز" من جانب مروجي المخطط لإعطاء المستثمرين انطباعاً غير دقيق بأن أموالهم آمنة، وكان المروجون الذين باعوا الاستثمار يحصلون على حوافز، بينها رحلة فاخرة لمدة أربعة أيام بالسيارات الرياضية الخارقة في توسكانا-إيطاليا، وخلص مسؤولو الإعسار إلى أن "غودوين" لم يكن يمتلك أصولاً فعلية، باستثناء أرصدة بين الشركات التابعة.
وقال إريك تشورلي، وهو مهندس متقاعد ومدير شركة خسر أموالاً في انهيار "غودوين"، وهو كذلك عضو في لجنة دائنيها، متسائلاً "كيف تعامل 'لويدز' مع كل هذه الأموال من دون أن يسأل قط عما إذا كان هناك شيء مريب يحدث؟".
مدخرات العمر تضيع
وتبرز قصة آن تشامبرلين وزوجها، وهما متقاعدان في أواخر السبعينيات من العمر ويقيمان في إسبانيا، حجم الخسائر التي يمكن أن يتكبدها المستثمرون العاديون، فقد ادخر الزوجان 150 ألف جنيه إسترليني (203.3 ألف دولار) لتغطية نفقات المعيشة والرعاية المستقبلية، وفي يوليو (تموز)2024 استثمرا هذا المبلغ الذي وصفاه بأنه "مدخرات حياتهما بالكامل"، في "غودوين كابيتال".
تساؤلات حول أنظمة الرقابة المصرفية
الشريك الرئيس في "ريتشاردسون هارتلي لو" ، مارتن ريتشاردسون، وهي الشركة التي تتولى قضايا استرداد الأموال المرتبطة بسندات القروض، قال إن الأدلة المقدمة أمام المحكمة في قضية "غودوين" تصف هيكلاً استثمارياً خرجت فيه عمولات المروجين بما يصل إلى 20 بنساً (27.1 سنت) من كل جنيه إسترليني (1.3 دولار) جرى جمعه، مضيفاً أن عشرات الملايين من الجنيهات انتقلت عبر وسطاء للصرف الأجنبي، و7 ملايين جنيه إسترليني (9.4 مليون دولار) وصلت من شركة ثم خرجت مباشرة إلى مستثمرين في شركة أخرى ضمن المجموعة نفسها، في اليوم ذاته أو اليوم التالي، موضحاً أن هذه المؤشرات ليست خفية، وكان بإمكان "لويدز" رؤيتها بصفته المصرف الذي استقبل الأموال، وأن البنوك ومؤسسات الدفع التي عالجت هذه التدفقات المالية الكبيرة كانت ملزمة قانونياً بمراقبتها، وأن المستثمرين لديهم الحق في معرفة ما إذا كانت أية مؤشرات خطر قد ظهرت، وما الذي حدث بعدها.
وذكر الشريك في شركة المحاماة "كرويل آند مورينغ"، بول موسكوت، والذي يقدم المشورة لمسؤولي الإعسار من شركة "كرول" في شأن الدعاوى المرتبطة بمجموعة "79ث"، إن كثيراً من هذه المخططات تستخدم فروعاً مصرفية صغيرة، يديرها مسؤولون محليون عن علاقات العملاء، مشيراً إلى أنه من غير المعتاد أن تتعامل هذه الفروع مع شركات تبلغ قيمة أعمالها مئات ملايين الجنيهات، ومتسائلاً عن سبب عدم قيام البنية التحتية المصرفية وأنظمة الامتثال بإطلاق تحذيرات حول مؤشرات الخطر.
"لويدز" و"دولفين تراست"
وسبق لـ "لويدز" أن استقبل مبالغ كبيرة جمعها مخطط "دولفين تراست"، وهو مخطط احتيال من نوع "بونزي" امتد عبر دول أوروبية عدة، وبلغت قيمته 1.5 مليار جنيه إسترليني (2 مليار دولار)، وحُكم على تشارلز سميثهورست، مؤسس "دولفين تراست"، عام 2025 بالسجن ستة أعوام في ألمانيا، بعدما أن قضى عقوبة بالسجن بتهمة الاحتيال بين عامي 2000 و2003، فيما رفض بنك "لويدز" التعليق على القضية.