ملخص
في ظل هذا الاقتصاد المنهار الذي تعطلت فيه الطرق التجارية وتباينت أسعار الصرف واتسعت الفجوة بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، أصبح السؤال عن السعر سؤالاً عن سلسلة الإمداد بأكملها.
في إحدى الأسواق السودانية قد يقف المستهلك أمام سلعتين متطابقتين في كل شيء، لكن إحداهما دخلت البلاد عبر قنوات رسمية، والأخرى من طريق التهريب، ليكتشف أن الثانية أقل سعراً، ومن ثم تبدو المفارقة للوهلة الأولى غير منطقية، لناحية أن السلعة في السوق السوداء هي الأعلى سعراً دائماً.
لكن الحرب المندلعة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ قرابة 40 شهراً، أعادت تشكيل قواعد التسعير في البلاد، فالسعر لم يعد مرتبطاً فقط بكلفة إنتاج السلعة أو استيرادها، وإنما بالطريق الذي سلكته، وسعر العملة الذي حسبت به، وعدد الوسطاء الذين مرت عبرهم، والرسوم التي دفعت أو لم تدفع، ومدى توفرها في المنطقة التي وصلت إليها.
ففي ظل هذا الاقتصاد المنهار الذي تعطلت فيه الطرق التجارية وتباينت أسعار الصرف واتسعت الفجوة بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، أصبح السؤال عن السعر سؤالاً عن سلسلة الإمداد بأكملها.
طرق بديلة
في هذا السياق، يوضح المتخصص في مجال التجارة والأسواق جعفر طه أن "الحرب قطعت أجزاء من هذه السلسلة وأجبرت التجار على البحث عن طرق بديلة، وبدلاً من أن تصل بعض السلع إلى السوق عبر المستورد الرسمي أصبحت تدخل من خلال تجار أصغر، أو عبر الحدود البرية، أو من أسواق إقليمية مجاورة، ثم تنتقل إلى مناطق أخرى من السودان، وفي بعض الحالات، قد يختصر هذا المسار عدداً من حلقات الوساطة والكلف الرسمية"، وتابع "هنا تظهر إحدى أهم مفارقات الاقتصاد في زمن الحرب، إذ نجد أن القناة غير الرسمية قد تكون أقل كلفة في بعض الحالات، على رغم أنها أكثر خطراً وأقل شفافية، فالبنك الدولي أشار في تحديثه الاقتصادي للسودان عام 2025 إلى اتساع الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي منذ اندلاع الحرب. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024 بلغ سعر الصرف الرسمي نحو 1994 جنيهاً للدولار، مقابل نحو 2550 جنيهاً في السوق الموازية، قبل أن يصل الفارق في مارس (آذار) 2025 إلى نحو 2019 جنيهاً رسمياً مقابل 2679 جنيهاً في السوق الموازية، هذا الفارق لا يبقى في سوق العملات فحسب، بل ينتقل إلى أسعار السلع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى أن "المستورد الذي يحتاج إلى الدولار لشراء بضاعة من الخارج يواجه كلفة مختلفة عن تاجر حصل على العملة من مصدر آخر، أو اشترى سلعة موجودة أصلاً في دولة مجاورة، ثم أدخلها إلى البلاد عبر قناة غير رسمية"، مضيفاً "كذلك فإن كلفة النقل نفسها أصبحت متغيرة بشدة، فالطريق الأقصر ليس بالضرورة الأكثر أمناً، بل إن الطريق الأكثر آمناً قد يكون أطول وأكثر كلفة"، واستطرد "لذلك لا يمكن مقارنة سعر سلعتين من دون معرفة كيف وصلت كل واحدة منهما إلى السوق، لأن مقارنة أسعار السلع بين السوق الرسمية وغير الرسمية لا يمكن أن تتم بمجرد النظر إلى السعر النهائي، لأن السعر في الحالين يمثل سلسلة مختلفة من الكلف. ففي القنوات الرسمية تدخل عناصر مثل الرسوم الجمركية، والإجراءات المصرفية، وكلف التخليص، والنقل النظامي، وكلف التخزين، والضرائب، وهوامش عدد من الوسطاء، في المقابل قد تتجاوز السلعة التي تصل عبر قناة غير رسمية بعض هذه البنود، لكنها تتحمل كلفاً وأخطاراً من نوع آخر، مثل المصادرة، وكلف العبور غير الرسمي، وأخطار الطريق، وتقلبات الطلب، وصعوبة الحصول على تمويل أو تأمين، لذلك لا يمكن القول إن السوق السوداء أرخص بصورة مطلقة، وإنما تصبح بعض السلع أرخص فيها عندما تكون كلفة تجاوز القنوات الرسمية أقل من كلفة المرور بها".
ولفت المتخصص في مجال التجارة والأسواق إلى أن "الحرب جعلت هذه المقارنة أكثر تعقيداً، لأن الحدود بين التجارة المحلية والتجارة العابرة للحدود والتهريب أصبحت أقل وضوحاً في بعض المناطق، فالسلعة التي تكون قانونية في بلد المنشأ قد تدخل السودان بطريقة غير قانونية، أو قد تكون السلعة نفسها مشروعة لكن عملية إدخالها لم تمر بالإجراءات الجمركية المطلوبة، كذلك فإن انخفاض السعر قد يكون ناتجاً من شراء البضاعة بكميات كبيرة، أو من تصفية مخزون، أو من حاجة التاجر إلى السيولة، وليس بالضرورة نتيجة التهريب، ولهذا فإن أي تحقيق في الأسعار يحتاج إلى تتبع السلعة من مصدرها إلى نقطة البيع، وليس الاكتفاء بالسؤال عن سعرها في السوق، والأهم هو أن الاقتصاد غير الرسمي لا يعمل خارج الاقتصاد بالكامل، بل يتداخل معه، لأن التاجر نفسه قد يشتري جزءاً من بضاعته عبر القنوات الرسمية وجزءاً آخر عبر قنوات غير رسمية، ثم يبيع الاثنين في السوق نفسها".
عملة مزدوجة
الفارق بين أسعار الصرف أصبح عاملاً أساساً في تحديد كلفة السلعة، فالعملة هي الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة.
منذ اندلاع الحرب، تعرض الجنيه لضغوط حادة، بينما توسع الاعتماد على السوق الموازية للعملات الأجنبية. وبحسب البنك الدولي تراجع سعر الصرف الرسمي للجنيه بنسبة 233 في المئة بين أبريل (نيسان) 2023 وديسمبر (كانون الأول) 2024، في حين بلغ تراجع سعر الصرف في السوق الموازية 355 في المئة خلال الفترة نفسها.
تشير المتخصصة في الاقتصاد النقدي نعيمة محمد إلى أن "الفارق بين السعرين للسلع المستوردة ليس رقماً محاسبياً فقط، إنه فارق يتحول إلى كلفة. إذا اشترى تاجر سلعة بالدولار ثم حول كلفتها إلى الجنيه بسعر صرف معين، فإن السعر النهائي سيتغير وفقاً لمصدر الدولار الذي استخدمه"، وأضافت "لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون التاجر قد اشترى البضاعة في دولة مجاورة بعملة محلية، أو حصل عليها من تاجر آخر، أو كان يملك مخزوناً اشتراه قبل ارتفاع سعر الصرف، ففي هذه الحال قد تكون كلفة المخزون القديم أقل بكثير من كلفة استيراد السلعة نفسها اليوم"، وزادت "هذا يفسر لماذا يمكن أن تجد سلعة في سوق غير رسمية بسعر أقل من متجر يعمل عبر القنوات الرسمية، حتى لو كان الاثنان يبيعان المنتج نفسه"، مبينة أن "السعر في السوق النظامية قد يتضمن هامشاً احتياطاً لمواجهة تقلب العملة، فالتاجر الذي لا يعرف كم سيكلفه شراء المخزون الجديد بعد أسبوع أو شهر قد يرفع السعر الحالي تحسباً للانخفاض المقبل في قيمة الجنيه، أما التاجر الذي يتعامل بسرعة ويبيع مخزونه ثم يعيد شراءه عبر قناة مختلفة فقد يتعامل مع هامش أقل، وهكذا تصبح سرعة دوران رأس المال عاملاً مؤثراً في السعر أيضاً"، وأردفت "ذلك يعني أن السوق السوداء أكثر كفاءة دائماً، فهي قد تكون أكثر تقلباً، وقد تتغير أسعارها خلال ساعات وفقاً لتوفر الدولار أو السيولة أو الأخطار الأمنية، لكن في بعض الحالات تمنح هذه المرونة التجار قدرة على تجاوز اختناقات القنوات الرسمية"، موضحة أن "أزمة سعر الصرف في السودان أصبحت جزءاً من آلية تسعير السلع نفسها، لأن معظم السلع المستوردة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مرتبطة بالعملة الأجنبية".
ولفتت إلى أن "المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض قيمة الجنيه، وإنما في تعدد أسعار الصرف واختلاف كلفة الحصول على العملة الأجنبية بين المتعاملين، فالتاجر الذي يستطيع الوصول إلى الدولار بكلفة أقل ستكون لديه قدرة أكبر على البيع بسعر منخفض، بينما يتحمل تاجر آخر كلفة أعلى إذا اضطر إلى شراء العملة بسعر السوق الموازية أو دفع كلف إضافية للحصول عليها".
وتابعت المتخصصة في الاقتصاد النقدي أن "هذه الفروق تنتقل إلى المستهلك بطريقة غير متساوية، ولهذا قد نجد فروقاً كبيرة بين سعر السلعة في منطقتين، حتى إذا كانت المسافة بينهما قصيرة نسبياً. والعامل الآخر هو المخزون، إذ إن بعض التجار يبيعون بضاعة اشتروها قبل موجة انخفاض جديدة للجنيه، لذلك لا تكون كلفة السلعة بالنسبة إليهم مساوية لكلفة استيرادها في الوقت الحالي. وإذا كان التاجر يريد الحفاظ على السيولة فقد يبيع المخزون بهامش ربح منخفض بدلاً من الاحتفاظ به فترة طويلة والمجازفة بانخفاض الطلب أو تغير الظروف الأمنية".
أخطار كبيرة
حين تتعطل الحدود الرسمية تصبح الطرق غير الرسمية جزءاً من خريطة التجارة، فالحرب لم تعطل التجارة داخل السودان فحسب، بل أعادت تشكيل حركة السلع عبر الحدود، إذ باتت بعض المناطق تعتمد على طرق إمداد جديدة، بينما فقدت مناطق أخرى خطوط التجارة التقليدية.
الباحث في التجارة الحدودية أيمن يس قال إن "تهريب السلع في التجارة الحدودية في زمن الحرب لا يمكن تفسيره فقط باعتباره نشاطاً إجرامياً يسعى إلى الربح، لأن جزءاً منه ينشأ نتيجة انهيار القنوات التجارية الرسمية، فعندما تغلق الطرق أو تتعطل الموانئ أو يصبح الحصول على العملة الأجنبية عبر النظام المصرفي أكثر صعوبة، يبحث التجار عن طرق بديلة، هذه الطرق قد تكون غير قانونية، لكنها تصبح بالنسبة إلى بعض المتعاملين الطريقة الوحيدة للوصول إلى السوق"، وتابع أن "كلفة السلعة لا تتكون فقط من سعر شرائها، وإنما من مجموع كلف الوصول بها إلى المستهلك. وإذا كانت الرسوم الرسمية والضرائب والإجراءات والتخزين والنقل عبر الطريق القانوني ترفع السعر بدرجة كبيرة، فقد يجد بعض التجار أن الطريق غير الرسمي، على رغم أخطاره، يسمح لهم بالبيع بسعر أقل، لكن هذا الاقتصاد يحمل أخطاراً كبيرة، لأن غياب الرقابة يعني أن المستهلك قد لا يعرف مصدر السلعة أو ظروف تخزينها أو جودتها، كذلك فإن الدولة تخسر الرسوم والإيرادات المرتبطة بالتجارة النظامية".
وخلص الباحث في التجارة الحدودية إلى القول إن "استمرار هذه القنوات فترة طويلة يمكن أن يغير خريطة التجارة نفسها، لأن التجار يبدأون في بناء علاقات ومخازن وشبكات توزيع خارج النظام الرسمي. وبعد أعوام يصبح من الصعب إعادة النشاط كله إلى القنوات القانونية بمجرد انتهاء الحرب، لذلك فإن معالجة التهريب بعد الحرب لن تكون فقط عبر تشديد الرقابة على الحدود، وإنما بجعل التجارة الرسمية قادرة على المنافسة من ناحية الكلفة والسرعة وسهولة الإجراءات، فإذا كانت القناة الرسمية أكثر كلفة وتعقيداً من القناة غير الرسمية، فإن الحافز الاقتصادي للتهريب سيبقى قائماً".
سعر مضلل
قد تبدو السلعة الأرخص خبراً جيداً للمستهلك، لكنها قد تكون مؤشراً إلى مشكلة أخرى، فالسعر المنخفض يمكن أن ينتج من مخزون قديم، أو حاجة التاجر إلى السيولة، أو اختلاف في سعر الشراء، أو قرب السلعة من مصدر الإنتاج، أو اختصار حلقات الوساطة.
يؤكد المحلل الاقتصادي السر سليمان أن "السؤال الصحيح ليس: لماذا السوق السوداء أرخص؟ وإنما: أي جزء من كلفة السلعة اختفى عندما انتقلت من القناة الرسمية إلى غير الرسمية؟ فقد يكون الجزء المختفي هو الجمارك، أو الضرائب، أو هامش أحد الوسطاء، أو كلفة تمويل الاستيراد، أو فارق سعر الصرف، وقد يكون ببساطة نتيجة شراء السلعة بسعر أقل من مصدرها، لكنه يحذر في الوقت نفسه من مساواة السعر المنخفض بالكفاءة الاقتصادية، لأن الاقتصاد غير الرسمي ينقل جزءاً من الكلفة إلى أماكن أخرى إلى الدولة التي تفقد الإيرادات، وإلى المستهلك الذي يتحمل أخطار الجودة، وإلى العاملين في التجارة الذين لا يتمتعون بالحماية القانونية، وإلى الاقتصاد الذي يفقد القدرة على معرفة حجم التجارة الحقيقية".
وبين سليمان أن "السعر المنخفض قد يكون موقتاً، لأن التاجر الذي يعمل خارج النظام الرسمي قد لا يستطيع ضمان استمرار الإمداد، وقد ترتفع كلفة السلعة فجأة إذا أغلق الطريق أو تغيرت السيطرة على منطقة أو زادت الأخطار الأمنية، لذلك فإن انخفاض السعر في لحظة معينة لا يعني وجود نموذج تجاري أكثر استدامة".
واستطرد أن "الحرب صنعت بيئة اقتصادية أصبحت فيها القدرة على الوصول إلى السلعة أهم من الالتزام بمسار تجاري واحد، وهذا يفسر اختلاف الأسعار بين المدن والأسواق بصورة أكبر مما كانت عليه الحال قبل الحرب، فالسوق التي تحصل على السلعة مباشرة من منطقة إنتاج قد تبيعها بسعر أقل من سوق بعيدة منها، بينما يمكن لسوق أخرى أن تدفع سعراً أعلى بسبب الحصار أو ارتفاع كلفة النقل".
ونوه المحلل الاقتصادي بأن "أية سياسة اقتصادية بعد الحرب ستحتاج إلى إعادة بناء سلاسل الإمداد وليس فقط ضبط الأسعار، فإذا عادت الطرق، واستقرت العملة، وانخفضت كلف النقل، وأصبح الاستيراد الرسمي أكثر سهولة وأقل كلفة، فإن جزءاً كبيراً من الحافز الاقتصادي للتهريب والأسواق غير الرسمية سيتراجع تلقائياً، أما إذا بقيت كلفة القناة الرسمية مرتفعة فإن السوق غير الرسمية ستجد دائماً مساحة للنمو".